بخفة « رغاوي الصابون » تغسل القمر

20/10/2015 - 11:09:18

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمد يحيى - شاعر مصري

ولها قمرٌ تنساهُ بجوارِ معجون الأسنانِ،


أو بين أواني الطبخِ.


حين ترضى، ينعمُ بدفءِ راحتيها،


تحشوهُ فى جوربٍ قديم،


تُعيرهُ للجارةٍ الأرملة حين يرغبُ صغارها فى اللعب،


وفى الليالى الباردة.


يتدلى من لبلاب شبّاكها ويخضّرْ،


كقمر تخلّى.


تشبكهُ خلف شعرها كقديسة،


ينشطرُ على جنبيها كمعطف عاهرة


ويَلمع.


يؤنسُ وحدتهُ بدولابٍ قديمٍ، لها


صار مدفنًا


لعرائسٍ وحيدةٍ محترقة،


ونجومٍ كفتْ عن الاحتراق.


تُوزّعُ على المارة عرائسها القديمة


وأوعية الرماد


وتندهشُ – كبلهاء – حين تراه يَخطُ بالطبشور دائرة بيضاء،


كقبر مضيء على بابها.


...


على أولِ الشارعِ


ينتهى الخريفُ من انتهاكِ اللونِ


وصبيٌ ينادى اسمي


تتلقاني عجوزُ تُفرغُ جوفي


تملؤه باللا لونِ


تأتى النسوة من كلِ الأحياءِ الشعبيةِ


تتحلقُ تحلبُ أقمارا ميتةً


تطوفُ الفتياتُ بقنينات الضوءِ على شوارعِ المدينةِ


يولدُ لا لونيٌ آخرُ


وتقولُ الأسطورةُ :


حين يجيءُ الخريفُ، كن رمادياً كي لا تقتُلُك اللوعة


...


قبل غرق البلدة بمياهِ الفيضان،


صاحبتْ العنقاءُ جدَتي موسم الحصادِ الأخير.


وكان الوقتُ انتصافَ النهارِ بين نَهديّها،


ولم تزل تُرضعُ صغارَ جنياتِ البَحر،


معانيةً آلام الملوحةِ تَنهشُ تَشقُقات عقبيّها.


حين اعترت فينوسَ الغيرةُ،


ووهبتْ ثديها لأولِ بائعِ جوّال.


أُهديها خِلاً وفيّاً، مِن أيامِ طفولتي الأولى.


...


للتغطيةِ على مرارةِ إخفاقاتي المتتالية


أحتَسي شاياً حُلواً


وأُدمنُ طعمَ اليودِ الممزوج بالحنينِ إلى الشوارع الصاعدة للبحرِ.


فى لقائي الأخير بكليوباترا، كانت رائحة ثوبها أقوى من رائحة عرق بائعة الشاي على الكورنيش،


وأمام تمثال سعد، كانت البائعة تُديرُ علاقاتَ الملكةِ البطلمية


وأسّرتْ لي كيف بالت الفتاةُ على سريرِ قيصر


وإنها ـ كليوباترا ـ مدينة لها بثمنِ حيّاتِ التين


وحين تَعرتّا كانت ـ البائعة ـ ذاتَ مثلثات أشّدُ غورًا.


...


"يا خد وردي يا سنّة لولي، مين اللي قال لليالي طولي"


كَرَرتُها، وتَزايدَت أعقاب السجائرِ الملوثةِ بأحمرِ الشفاه


فرَّغّتُ حَبيبَتي مِن تَجسْيدِها ـ قبل اختلاط "بنات بحري" بـ "آنسات افنيون" ـ أصبَحَتْ،


بخفةِ "رغاوي الصابون"


ومَا زالتْ تُجَادل أغنيتي،


وتحزنْ.


حينَ أهبُ ظِلَها للوحدة،


تستَغل اغترابي


وتملأ عُلبَ الصّودا الفارغة


بأحلامي الميتة.


...


موديلياني لم ينتحر


أخبرتني زوجتهُ بأنها مَنْ حاكت هذا السيناريو للتملصِ مِن الدائنيين.


وأن نفاذ اللون الأحمر كاد يتسبب فى فضحِ الخُطةِ


فاضُطرَت إلى النزفِ حتي الموت لإتمام التمثيلية.


...


لم أُذنِب


وثغري مخضب بخطايا سالومىي


ورأسي على طبقٍ من فضة


ثمنا للفضيلة!


للحب؟


لست نبيا


بالطبع! لستُ نبيّاً، ولا أحب


أنا يحيى


اشتهي تعميد المستحمات فى النهر


لا أحب، واشتهي


ورأسي فوق كتفيّ


ثمنًا للخطيئة.