رمية زهـر

20/10/2015 - 11:07:08

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

لؤي عبد الإله - كاتب عراقى مقيم فى لندن

  حين تحضر صور الطفولة إلى خاطري، تحضر معها كلمة "التردد"، كصفة اكتسبتها منذ سن جد مبكرة، بل بصيغة أدق، كملمح جوهري لشخصيتي، تَحدّد، وفقه، مسار حياتي. مع ذلك ينتابني، أحيانا، الشك بصحة هذا الافتراض، مما يجعلني مقتنعا بأن "التردد"، بصفة عامة، ناجم عن وجود أكثر من خيار، مطروح أمام الفرد، وحينما يمتلك كل خيار قوة جارفة تقلب حياته رأسا على عقب، يصبح "التردد" لازمة معذبة يسكن في ثنايا يقظته ونومه.


    لم أكن تجاوزت السادسة بعد، حينما وُضعت أمام خيارين لا ثالث بينهما؛ بعد وفاة أمي ومضي فترة حداد طويلة عليها، سألني أبي إن كنت أفضّل العيش معه أو البقاء مع جدتي وأخوالي. مع ذلك، وعلى الرغم من انحيازي للبقاء مع أهل أمي، ظل ذلك الفضول والرغبة باختبار الخيار الآخر يوسوس في صدري، وحينما كنت أذهب لقضاء العطلة المدرسية، في بيت أبي، ينتابني شعور بعدم وجود مكان لي، داخل أسرته الجديدة، إلا كزائر محبوب، بعد أن فقدت زوجة أبي الأمل بتبديل رأيي مبكرا. بين الفوضى والفقر في بيت جدتي وبين النظام والرفاهية في بيت أبي، كانت أحاسيسي الطفولية موزعة، وبشكل بدائي: في بيت جدتي كنت أتنفس الحرية، وكنت موضع اهتمام الجميع، دون أن أطالَب بأي شيء، وفي بيت أبي، كان ذلك التعلق الغامض بزوجته الرقيقة، الشغف برسومها وتطريزها وأناقة ملابسها، مصدرا لأحلام يقظتي، التي ظلت تدور، حول عالم آخر، مجاور لعالمي المتحقق: بين الواقع المتحقق في بيت جدتي، وبين الواقع المتخيل القائم في بيت أبي، كان ينمو الشعور بالندم ‎‎، كبرعم عسير على الفهم، من ضياع الخيار الآخر إلى الأبد.


    هل بالإمكان تقسيم الناس إلى مجموعتين؟ أولئك الذين لا تضع الحياة في طريقهم، سوى خيار واحد، وأولئك الذين ترمي إليهم، في كل منعطف، بورقتي لعب، سوداء وحمراء، عليهم اختيار واحدة منهما؛ أولئك الذين يعيشون حياتهم المتحققة، منغمرين كليا بجزئياتها، وأولئك المشدودين جزئيا إلى واقعهم المنتقى، وجزئيا إلى الحياة الأخرى المتخلى عنها، كإمكانية مضمرة؛ كلوحة جرداء موضوعة أمام رسّام.


   بعد إكمالي للدراسة الثانوية، اكتشفت فجأة أن علي الاختيار بين شغفين ظلا يشدانني إليهما طويلا: الفيزياء والتاريخ البشري، وما كان ممكنا اختبار أحدهما، وفق النظام الجامعي السائد، آنذاك، لاتخاذ قرار الانتقال إلى الموضوع الآخر؛ هناك فرصة واحدة أمامي، للقبول في الجامعة، وخلال أسبوع واحد كان علي اتخاذ القرار. سأظل طيلة سنوات دراستي الجامعية مشدودا إلى الموضوع الذي تخليت عنه، وخلال تلك الفترة، سأتخلى، عن فكرة الاحتراف المهني الذي يتطلب تكريس كل القدرات لموضوع التخصص، مقابل البقاء في مساحة أحلام اليقظة الدائرة حول هذا السؤال: ماذا كان بالإمكان تحقيقه لو أنني اخترت الطريق الآخر؟


    يمكن تقسيم أولئك الذين يوضعون غالبا أمام خيارين، إلى مجموعتين: المترددين، المستغرقين بالحاضر، والمعصوبة أعينهم عن المستقبل، والحاسمين، الذين لا ترى أعينهم سوى المستقبل، ولا يعيشون الحاضر إلا كمنصة للقفز إلى المستقبل. الفئة الأولى شبيهة بالعث المشدود، للّحظة، المعبّر عنها بالضياء الحارق، الذي يندفع متهوراً إليه، بينما تتماهى الفئة الثانية، مع النمل، في حاضره المحدد، بفعل الخزن الرتيب للمستقبل.


    ستتكرر كثيرا لعبة الورقتين الحمراء والسوداء القدرية معي؛ في الحصول على العمل، في السكن، في علاقات الحب، بل حتى في اختيار طفلي: كانت زوجتي حاملا في الشهر الرابع، حينما أصيبت بنزيف دموي أجبرني على نقلها إلى المستشفى، وبعد إجراء فحوصات  عديدة، اتضح أنها حامل بتوأمين، لكن الحجم المتاح لنموهما، داخل رحم زوجتي، غير كاف لبقائهما معا. كان من الضروري إسقاط أحدهما إنقاذا للأم، ولم تكن زوجتي في حال تسمح لها باختيار أحد الجنينين ونبذ الآخر، فكان علي أن أقرر. (سيظل يرافقني شعور بالندم من وقت إلى آخر، لإسقاط الأكبر حجما، كلما أصيب ابني بالمرض، أو كلما راودتني فكرة عما سيكون عليه ذلك الجنين الذي راح ضحية لعبة الاختيار العمياء).


    وفق نظرية الكمّ، يتمتع الإلكترون الدائر حول نواة الذرة، بقدرته على التنقل بين شكليه: أن يكون في هيئة جسيم له وزن، وموقع واحد، أو أن يتحول إلى غيم موجي موجود في كل المدارات. كم سيكون رائعا لو أن الإنسان امتلك هذه الخاصية وتحرر من قوانين الواقع الثقيلة: أن يكون هنا وهناك في آن، أن يعيش في حاضرين متزامنين؛ أن يكون قادرا في وقت واحد، على اختبار الخيارين، بدلا من اضطراره للتخلي عن أحدهما. بعد سنوات كثيرة من العيش المنفرد، الهامشي، ها أنذا ألتقي بامرأة مغلفة بشرنقة الحلم، مندفعة كغزال ضال، بحثا عن فضاءات جديدة. كانت واقفة في ركن منعزل ساهمة، حزينة، وأمامها كان أحد الحاضرين، مندفعا في خطاب طويل حول إيجابيات البنيوية وسلبياتها، ولم يكن تشابك نظراتنا الأول، آنذاك، سوى لحظة تواطؤ، ضد الآخر، ولحظة انبثاق الهوى. ودّعتُ صاحب البيت وزوجته، أما هي فانسلت بصمت، إذ لم تأت إلى الحفلة إلا لمرافقة صديقتها المدعوة.


    في الأسبوع اللاحق، رن التليفون ذات مساء، ولم يكن على الخط سوى تلك الصديقة التي التقيت بها، مرة واحدة، على ظهر طائرة، ولم يجمعنا في تلك الرحلة سوى تلك الغيوم البيضاء، التي بدت تحتنا كفراش، وحينما نطقت بهذا الوصف، قالت ضاحكة: "بل كالعهن المنفوش". لم يمض وقت طويل حتى اخترقت الطائرة ذلك الغيم الكثيف، فراح متنها ينبض بعنف، مما دفع مرافقتي ودون إرادة منها بالتشبث بي: كانت أعيننا تتابع ذلك الضباب الشفيف، الذي تلبَّس بثياب الحلم. بعد تبادل العناوين، فرقتنا مجاميع المسافرين، سريعا، وها هي بعد خمسة أعوام، تظهر في هذه المدينة، بمهمة عمل قصيرة، لا تستغرق أكثر من خمسة أيام.


    الورقتان الحمراء والسوداء تُرميان، بكل قسوة، أمامي، مرة أخرى.


    أضغط على كابس الوقود، فتندفع السيارة برشاقة متسلقة الطريق المرتفع تدريجياً، ها أنذا بين هاويتين: إلى يساري، يسكن البحر، وإلى يميني قرى تتناثر في الوادي. على المرآتين الأمامية والجانبية تتألق أضواء البواخر، كأنها مجرات راسية على درب التبانة، أندفع أكثر فأكثر، سعيا لتجاوز شاحنة حمل. في تلك اللحظة تنبثق أمامي سيارة من فراغ العتمة الفسيح. لم تكن في اليد أية لحظة لاتخاذ قرار، هذه المرة، تُرمى أمامي ثلاث ورقات، بدلا من اثنتين، وهذه المرة سألعب بطريقة مختلفة كلياً: ها أنذا أغمض عيني وأترك المقود طليقا، ليختار، بالنيابة عني ورقتي الأخيرة.