البــيـضة والحجر

20/10/2015 - 11:05:53

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د.عزة بدر - كاتبة مصرية

كانا يجلسان فى المكان الذى اعتادت أن تقابله فيه، وقد خلع سترته وأدخل كميه فى كتفى الكرسى المجاور، علبة سجائره تطل منها أصابعها ومباسمها، والولاعة والموبايل إلى جوارها، وهو يحدق بالجالسة أمامه، ينظر فى عينيها، ويتأمل مساحة شفتيها، ويمر مرورا سريعا على وجنتيها، ورقبتها،  ويديها.


يدرس المدخل الأيسر لضحكتها، ورنة قبولها.


   يتقدم النادل بقائمة الطعام فترمش أهدابه تنسدل على أحداقه، يتحسس جيبه فتلقى هى قائمة الطعام جانبا وتطلب مشروبا مثلجا.


    تتقدم منهما بخطى ثابتة، تفرد على شفتيها ابتسامة مصطنعة تماما كبلياتشو يضع ابتسامته ومساحيقه وكرات حمراء على وجنتيه وأنفه، ويخفى دموعه قبل أن يلاقى جمهوره بلحظات، تتقدم بلا تعثر، تجاهد فى إخفاء الدمع الذى يضطرها للضغط عليه بحدقتين تدوران بسرعة، وتفكران بنظرة طائر، ترسلان إشارة إلى خيالها وخلاياها بسؤال يتردد كدقات قلب لاهثة.. ماذا أفعل؟ ماذا ينبغى علي أن أفعل؟


    تضغط على أعصابها بمكواة حديدية، تتسرب ذرات البخار من ثقوب المكواة فتخفف الضغط على أطراف أعصابها، ترتعش يداها وتصطك أسنانها فى جو حار فتدرك أنها محمومة، تتقدم تسبقها ابتسامة واسعة دقتها بمسامير مكنت لنفسها، وثبتتها بمهارة على جدران خديها مسحت قطرات من الدم السائل على وجنتيها لترسم تفاحة حمراء تتقافز من خد إلى خد بسرعة فائقة وبينهما سكين الأنف تكاد تنغرس فى هدوء فتقسم وجهها إلى نصفين: نصف باك، ونصف مبتسم، تسدل الستار على بدنها المحموم الذى يرتعش قبل الدخول عليهما بدقاته المسرحية الثلاث، ثمة من يختفى فى الصندوق على خشبة جسدها، ويصدر أصواتا غامضة  تبتسم فى أسى للملقن فى "الكمبوشة"، ترهف السمع للأصوات التى يتردد صداها فى داخلها: سيرى بخطى ثابتة، لا تهتزى أمامه ولا أمامها، امسحى دمعك واحتفظى بمسافة بينية مناسبة، لا تجرحيه، ولا تنظرى إليها نظرة ناقمة.


السهم يرتشق بالتفاحة وأنفها كالسكين يقسم الوجه إلى نصفين:


نصف باك، ونصف مبتسم.


    صوت الكمبوشة: ضعى رطلا من الثلج فوق رأسك المحموم، وحاذرى أن تسقط منه قطعة، ارفعى أرطال الماء فى منخل رأسك، وحاذرى أن تسقط قطرة على جبينك أو من عينيك.


    انفخى فى النار، وتلهبى بها دون أن يحترق شدقك من اشتعال الجاز الذى ملأت به فمك.


    حاذرى من احتراق ملابسك وأنت تمرين من طوق النار، وانتبهى لنفسك عندما يمد يديه بسيفه ليقسمك إلى نصفين فيصفق الواقفون، والراقدون، والجالسون، والصاحون، والنائمون، والأحياء، والميتون لجثتك.


    انتبهى لأنه فى لحظة فاصلة قد يمسك بك سيفه طعمة للنار، أو يخلو بك وأنتما تقفزان من حلقة إلى حلقة، ومن قصبة إلى قصبة فى سماء السيرك حيث لا ملاءة بيضاء تحتملك فقد أوصى بنزعها قبل البدء حتى تكون المغامرة كاملة الأوصاف، ومفتوحة على كافة الاحتمالات: دق عنقك، كسر ساقك، انكسار قلبك، أو قبلة حارة وحضن ساخن فيصفق الجمهور ويتلهب لأنه فى ذات اللحظة ينتقل إلى قصبة أخرى، ويلتقط امرأة أخرى لاعبة بالبيضة والحجر، تخرج من جيبها حمامات بيضاء، بمناقير حمراء، ومناديل بشراشيب موهومة بالترتر، ويتلوى على خصرها ثعبان صغير تمسك برأسه، وقد نزعت أسنانه "طرمتها"، تقبل فمه فيبتسم، يتواصل صوت الكمبوشة: هل تبدلين جلدك كالحرباء فإن وضعك على بساط أخضر تخضرين؟  وإن وضعك على بساط مشوك تتوردين؟


    تتقدمين بخطى ثابتة وقد سقط قلبك بين رجليك، وأنت تدورين فوق كرة الأرض باتساع حجم الكون، تدورين من فوقها، وتخشين السقوط كوكبا منسيا كان ذات يوم مضيئا فى دنياه فتحين لحظة انطفائك، تتشبثين بكرة الأرض تحت قدميك، وتضطرين إلى الانتقال إلى عجلة بخارية مزينة بشرائط برتقالية بينما تنتقل هى من جواره إلى عجلة بخارية أخرى ذات شرائط زرقاء، يفتح بيديه كوة فى الكرة الأرضية التى تبدو الآن شفافة ومحمولة على إطار مستدير هائل، تدور الكرة على محورها أمام الجميع، وأنت وهى تعتليان الدراجات البخارية، ولا بد لك أن تمضى بدراجتك فى نفس الاتجاه نحو ذراعيه لأن السير عكس الاتجاه معناه الصدام المروع فلا بد من شرائط برتقالية تتبعها شرائط زرقاء.


   لوحة تستدير فيها الأشياء، تقولان فيها الكثير للجمهور المنبهر، والذاهل، والخائف، والمنتشى الذى يتفرج على لعبة الحب والموت فيبتسم.


    صوت الكمبوشة: كل شىء ممكن.. رجل يتعشق امرأتين بشرط أن تسيرا فى نفس الاتجاه، تربط كل منهما ذيلها بذيل الأخرى، أو تعقد حبلها برقبة الأخرى، يستدير خلخال إحداهما بمقطوع كاحل الأخرى، كل ذلك جائز لأن الصدام يعنى الموت للاثنتين، ويعنى مولد أخريات يتصارعن فى الحلبة حين يصفق مع جمهوره متحكما فى حركة الأضواء وفسفوريتها، والتماعها، وانطفائها، وفى الظلام الدامس يداهمك الخوف أن تخاتلك المرأة الأخرى، وتسير عكس الاتجاه فتؤاخينها خوفا من الزوال، وتمدين إليها يدك بالسلام، وتقبلين خدها، وهى جالسة على كرسيها أمامه، كرسيها الذى كان مكانك المفضل قبالته.


   تبتلعين ريقك الذى صار كالحطبة، وقفت بين قصبتك الهوائية وحنجرتك، وتتفقدين الخشبة التى فى عينيك قبل أن ترى القذى فى عينيها، وتطمئنين إلى خشبة جسدك، وإلى ماتلقنه لك الأصوات المألوفة فى "الكمبوشة".


    تعيدين صياغة عباراتك، ولكنك لن تقوليها فالخروج على النص فى مثل هذه الحالات يكلف كثيرا، تزمين بالأستك المطاطى شفتيك كحزمة جديدة من النقود.. تطرقعين الأستك بأسنانك، وتلفينه حولها بشكل دائرى يتناسب مع وقوفك بطرف قدميك على سطح الكرة الأرضية حيث تتكور العديد من الكرات الدوارة: واحدة لرائحة الإبط، وأخرى تعطر راحتيك، وكرات نهديك وتتناثر كل الكرات فجأة على قدميك فلا تنحنين لالتقاطها.. الانحناء للحظة يعنى السقوط المروع، والموت تحت كرة أكبر لاهبة من عينيه اللتين تتوخيان أكبر قدر من الحذر.


   لا يقدمها إليك، ولا يقدمك إليها، ما حاجتكما للأسماء؟ مجهولتان تخصان رجلا معروفا فى السيرك، مدرب الأسود القافز ليل نهار بين حلقات النار، ولم تلسعه النار مرة ! فى يده سوط مدرب، ويبتسم وهو يبرم شاربه.


   نجوت من اللعبة المميتة، وسرت بدراجتك البخارية ذات الشرائط البرتقالية فى نفس الاتجاه خلف دراجتها البخارية ذات الشرائط الزرقاء، تلبثت حتى نجوتما. وانسللت من كوة ذراعه وأمسكت بالقصبة الأخرى، تناثرت من كفيك ذرات الدقيق، نظرت فى عين الأخرى وهمست: تشرفنا.


   لم تحرك هى ساكنا وإن كانت عيناها قد دارتا فى محجريهما كحجرين دائرين التقيا فى لحظة فأحدثا الشرر، تركتهما وعيناها تطقان شررا ذكرى لقاء سابق تناسته هى بسرعة فى حلبة سيركه المجنون.


    انصرفت وجلست فى مقعد آخر ترمقينهما من موضع جانبى، وكانت سترته لاتزال دافئة تدخل كميها فى أكتاف الكرسى، والولاعة تشعل تبغة، وفمه يتقد، وعيناه تبحثان عن مداخل مناسبة لتناسى ذكرى السيرك التى هبت فجأة، كان يحاول إضحاكها، وثقل عليك أن تستعدى لعرض الليلة ولو مت جوعا.


    ألقيت بعلبة المساحيق جانبا، ورفضت دور البلياتشو، وغادرت خشبة جسدك غير مبالية بالراقد فى الكمبوشة، تمردت على كل عبارات التلقين المألوفة، وخرجت عن النص، وانفلتت من  بين شفتيك صرخة هائلة، فسَّرها الناس بأنها لوثة أصابتك بعد أن وضعك مدرب الأسود ليلا فى قفص الليث الجائع مانعا عنه اللحم قبل ذلك بيومين حتى ضرس ضروسه، وأيقظت صرخاته الليل تلو الليل لتصيري طعمته، وزينة فرائسه، عرض الليلة الأخيرة فى السيرك الذى نصبه لتوه على حبة قلبك، وفص عينك طول العام.


    وقيل إنه فعل ذلك حتى لا ينفك سحره، ويقال إن امرأة ما خرجت عن النص، ألقت خشبة جسدها من عل، وأحرقت الكمبوشة.


   وقيل أنك بعد أن ألقيت دراجتك البخارية ذات الشرائط البرتقالية جانبا، وقفت على كرة الأرض بقدميك ودرت بها إلى ما لا نهاية أمام كرة الشمس ولم تحترقى فقالوا: إنك أنت الشمس.


   وقيل أمامك ساعتها إن النساء كلهن من الزهرة، والرجال من المريخ فرفضت أسطورتهم وأريتهم كواكب أخرى أطلعتها بصنعة لطافة من كميك، وكوة نهديك، وصرت تسقين الجميع من لبنك شهدا وعسلا فأشاروا للقمر الذى يشبه نورك وقالوا: أنت القمر، فغنيت طويلا بصوتك الدافئ الهامس مرة بصوت امرأة تقول:


"يا طالع الشجرة


هات لى معاك قمرة


تحلب وتسقينى بالمعلقة الصينى


لما المعلقة انكسرت"


طلعت ع الشجرة


وجبتها القمرة


والليل يقوينى.


   ومرة يتحول صوتك ويصبح قويا يعكس أحلامك برجل مختلف عن رجل السيرك ومدرب الأسود رجل يغنى:


يا طالع الشجرة


هات لى معاك حوا


ما تكونش من ضلعى


ولا تمشى فى طوعى


قادرة تخلينى


أخرج على نصى


وأحلم بتكوينى


وتكون لى نور عينى.