أجنحة الصفاء

20/10/2015 - 11:03:29

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

طلعت رضوان - كاتب مصرى

تسلـل من الفراش بهدوء. أوقفه صوت زوجته “إلى أين؟” قال “ريقى ناشف” شرب كوبىْ ماء. اقترب من السرير بحذر. اعتدلتْ وقالتْ “أنتَ لم تنم”سمعا أذان الفجر. خرج إلى الصالة. فتح البلكونة. أطلق بصره فى الفضاء الممتد. أشباح أشجار وأشباح مآذن وأشباح بنايات تسبح فى الرمادى. اقتربتْ زوجته. داعبته ضاحكة “لهذا اخترتَ الطابق السابع؟ ألا تشبع روحك من التأمل؟".


(يأسرنى الغموض ويُعمّق وحدتى. ها هى العتمة تشف ويبقى الظلام جاثمًا بداخلى).


 تأملتْ عينيه الشاردتيْن. قالتْ ضاحكة “كان يجب أنْ تكون شاعرًا لا مُحاسبًا” قال “هذه المرة برغوث يحرمنى من النوم” قالتْ “هذه ثالث ليلة تتحدث فيها عن البرغوث. ربما حساسية فى الجلد؟” لم يرد. كان فجرًا خانقــًا. مشتْ بكفها على وجهه. غرزتْ عينيها فى عينيه. خرج الصوت حانيًا “أنتَ غير طبيعى منذ ثلاثة أيام. وجهك مخطوف ولا تأكل كعادتك. هل أنتَ مُتضايق من شىء؟ هل حدث شىء فى الوزارة ضايقك؟".


    (بودى لو أبوح بكل شىء. هل أقول لها إنّ رئيسى فى الوزارة شبّهنى بالحمار؟ هل تظل نظرتها لى كما هى؟).


ألحّتْ بالسؤال الحانى تـُصاحبه طبقات من الأسى قال “تعرفين أنى كمراقب حسابات من حقى أنْ أعترض على أى صرف غير قانونى. وهذا ما حدث منذ ثلاثة أيام. انفعل رئيسى أمام الموظفين. وقال إنى كسول وأعطل العمل. دافعتُ عن القانون. تجاهل دفاعى وتجاهل المخالفات المالية. ثم حدّثنى بالقرآن عن الإخلاص فى العمل” قالتْ “الموضوع بسيط. حاول تنام” قال “رئيسى ينفق مبالغ كبيرة على مكتبه. ويسافر لأوروبا كثيرًا على حساب الوزارة من غير سبب. ويشترك فى لجان وهمية لصرف مكافآت غير قانونية. ثم يكلمنى عن الضمير ويخوّفنى بالآخرة” قالت “أنتَ تــُـشغل بالك بأمور غريبة. عندنا فى الشركة أكثر من هذا. ولكنى لا أهتم"، ثم أمسكتْ كفه ومشتْ به إلى غرفة النوم.


باغته البرغوث فى فخذه. أدخل يده إلى موضع الألم. هرش بقوة. بعد لحظات عاوده الألم. هرش من جديد. قالت “أنتَ غير طبيعى” قال “برغوث صدّقينى” قالت “حاول أنْ تنام”.


أغمض عينيه. تمنى أنْ يستغرق سريعًا. وتمنى النوم لزوجته. شعر بالإجهاد. عيناه ثقيلتان. حواسه مُنتبهة. شريط من الأحداث والصور والكلمات لا ينتهى. يُنظم ردودًا تمنى لو قالها لرئيسه فى وجهه. أدرك أنه يزحف نحو اللحظات الحاسمة، وأنّ الليلة ستكون مثل الليلتيْن السابقتيْن.


أمسك كفها. قالت “حاول أنْ تنام” أراح رأسه على صدرها وقال “لا أتمنى إلاّ النوم ولكنى لا أستطيع” وسّدتْ صدرها لرأسه وقالت “يجب أنْ تتغلب على ما حدث. اطرده من ذهنك. فكر فى أولادنا وفكر فى صحتك".


(بؤس العالم يتجمّع فى دمى. والإبحار فى الجسد قد يُغرق معه بعضَ ما حدث).


اعتدل. قبّلها وضمها إليه. همستْ “أخشى عليك من الإجهاد. وهذه ثالث ليلة على التوالى".


(عندما يكون الجسد نهرًا، تصير المـُـتعة رعشة روح وانتفاضة فرح ).


 قبّـل بطن كفها وهمس “قد يقتل البؤسَ بعضُ الفرح” قبّـلتْ جبينه وهمستْ “أحب همسك الطفولى وتأسرنى شهامتك".


 جاهد أنْ ينسى كل شىء، أنْ يتخلص العقل من كل شائبة تـُعكر صفو اللحظة. تتجرّد الحواس مُستغرقة فى مُتعتها ذائبة فيها. أحسّ بعنفوانها. ضمّته إليها بقوة. انتفتْ من الوعى ومن الإدراك ومن اللمس كل الأشياء ولم يبق إلاّ وجه رئيسه. أحسّتْ به غائبًا عنها. الالتصاق البارد يؤكد الانفصام والتنائى. قبّـلتْ جبينه وهمستْ “أنت تـُجهد نفسك بلا جدوى".


    (أتمنى الخلاص لروحى.. وأنتِ سكنى ومأواى).


    اعتذر لها عن شروده. قبّـلته وهمستْ “كـُنْ لى وحدى".


    (النهر يُحب السابح صافيًا، فمتى يكون الصفو وتكون السباحة؟ وكلــّما سمقتْ روحى أحس بها تغوص فى الوحل).


    استكان فى حضنها وتناءى عنها.


    (تتوالى الليالى ويظل الخلاص سرابًا)


    فى الليلة الأولى سألته عن سر صمته وعن شحوب وجهه. كبتَ البوح وقال “بعض متاعب العمل” قالت “حاول أنْ تستمتع بوقتك. فلا شىء يستحق الحزن” كاد البوح يطل فقمعه.


    (الحزن صار زمنى: لحظة كانتْ ودامتْ. مضتْ ولم تمض. لحظة توقف الزمن عندها ولم يزل. عندما طلبنى فى مكتبه، قلتُ سأكفـّر عن سنوات ضعفى. استقبلنى ساخرًا وصفعتنى كلماته “هذه أول مرة تعترض فيها” تجاهلتُ المكتب الضخم والرأس اللامع ورءوس المديرين حوله وقلتُ “المبالغ كبيرة وغير قانونية” تصاعدتْ نبرة السخرية “أنت حمار".


    ارتدتْ قميص النوم وفردتْ شعرها وعطـّرته بعطرها.


    (ها هى رحلة الخروج من الضنى علها تعبر بك مناطق الأسى)


    فاض الشوق وانتعشتْ الروح برعشة الجسد. تمنى لو تمتد لحظات التوق، فتكون هروبًا عفويًا من الإهانة. تشحب، تذوى، تختفى، تـُغرقها تيارات النشوة الجامحة.


    فى ذروة التوق أطلّ وجه رئيسه. تكسّرتْ الهمسات العذبة على الصوت المُدوى “يا حمار” استبدّتْ به حركة بندولية طاغية: امتزج وجه الرئيس وصوته بالتذاذ وحشى من المُتعة لم يُجرّبه من قبل. كلما همّتْ به النهاية أمكنه أنْ يمسك بها مُؤجلا لحظتها مُتحكمًا فيها. ليلتها فوجئ بها تهمس بفرح “ماذا غيّرك الليلة؟” بادلها همسة الفرح بقبلة رقيقة.


    أحسّ بالخدر وتصوّر أنه سينام سريعًا مثلها. أزعجته حواسه المُتيقظة. دار الشريط فى رأسه. ظلّ مُنتبهًا. تتموّج الدوائر فى عينيه بصورة رئيسه والصوت المُدوى القاطع يخدش السكون.


    (خرجتُ إلى البلكونة. أطلقتُ بصرى فى الفضاء السابح فى الغموض. أرهفتُ أذنىّ لحفيف السكون. يغزونى الصوت المُدوى. تتناثر لحظات الفرح وتتغلغل خنقة الرماد. فى البدء كان الفعل وتلاه رد الفعل. تتلقى الإهانة فتعتريكَ الدهشة وتـُفكر فى الفضيلة والصفح وتتحسّب للوظيفة والأولاد. وتقول لنفسك الحمار كائن حى فلماذا تغضب؟ ستقتلكَ الدهشة، تحجبُ عنك رد الفعل لتظلّ أسير لحظة ولتْ، تـُطلق فيها لكفك حرية الصفع. هل تفعلها فى الغد أم تظل مشدوهًا بكل الأشياء فلا تفعل أى شـىء؟)


    فى الليلة الثانية ألحّتْ لمعرفة سر الشحوب والشرود. كبتَ البوحَ وامتدتْ يده إلى ملابس الخروج. تناولتها منه وأراحتْ رأسه على صدرها فاختبأ فى حضنها.


(أحسستُ أنى أدخل محراب الجسد مُستكينـًا مُستلبًا. نفضتُ الحزن وقلتُ سيطفو الشوق لأنه أقوى من كل الطحالب. وتهيّأتُ لرحلة الجبل فعضّنى الأسى. هتف الجرح: مُثقل القلب فكيف يكون الصعود؟)


 وجه الرئيس بؤرة لامعة فى الظلام والصوت الجارح يُمزق السكون.


اعتذر لها وقال: سأقف فى البلكونة بعض الوقت. قبّلتْ جبينه وقالت: لا تستمرئ التأمل فتـُفاجأ بالنهار.


    (ومن يستمرئ العذاب؟ وكيف يكون الخلاص؟ وإلى متى يطول تحملى لعدوان الوجه والصوت؟ ضيّعتَ فرصة الصفع، فهل يكون سبيل للخلاص غير طلقة رصاص أو طعنة سكين؟)


    فى هذه الليلة الثالثة ظلّ مُستكينـًا فى حضن زوجته. وظلّ الوجه اللامع بؤرة فى الظلام. ودوى الصوت الجارح "يا حمار" حاول تغافل الوجه والصوت. تتــّسع البؤرة اللامعة ويعلو الصوت “اتق الله فى عملك حتى يُبارك لك فى راتبك” تنتظم الكلمات التى ودّ لو قالها فى وجهه. تنتصب الأفعال التى تمنى لو نفذها..


(تـُمارس الشجاعة مرة، فتصرعك الإهانة كما الصاعقة فى سرعتها وبطشها. خنجر مسموم فى القلب. من ينزع النصل ويوقف سريان السم؟)


يتمدّد الوجه. يضحك. ينتفخ. إنّ الجرح فى رأسه: تـُختزل الأمنيات فى التوق إلى لحظة صفاء، فكيف تكون؟ ارتدى ملابس الخروج فقالت “يبدو أنّ تفكيرك توقف عند ذلك الحدث".


    (زوجك مقتول على صليب لحظة ولتْ. منذ طفولتى والزمن يتسرّب كالماء من بين أصابعى. الزمن المُنفلتُ يُعشش فى صدرى أشباحًا تصرخ فى الزمن الآتى. الحقيقة قد تغدو أشباحًا. والأشباح لا ترتد حقيقة. فكيف يكون الوئام؟)


    أرعبها صمته. قالت “إما أنْ تعبر ما حدث، أو يتوقف كل شىء".


 (روحى مُعلقة فى مهب الريح على سطح قطار الزمن. روحى تجمّدتْ هناك، فكيف يكون اللحاق بها؟ خاصمنى الزمن فتشكــّـل عدوًا يبثنى الرعب وأبثه المقت. استفحل العداء والستار الأخير لا تملكه إلاّ قبضة الموت)


قالت “سأرتدى الروب وأذهب معك إلى البلكونة” قال “لن أقف فى البلكونة. سأشرب كوب ماء وأحاول النوم” قالت “هذا أفضل".


    فتح الثلاجة. أحسّ بلدغة فى ظهره. حكّ موضع الألم. أحس بلدغة بين الفخذيْن. انتشر الألم فخلع ملابسه كلها. تأملها وهو ينفضها. مشى بكفه على جسده. لم يجد شيئـًا. ارتدى ملابسه. فتح البلكونة. شعر بضربات الهواء على وجهه وصدره. أطلّ على العتمة الشفيفة. حاول أنْ يرى الشارع من موقعه المُرتفع بالطابق السابع. ثمة غلالة بنفسجية تـُغلف كل شيء. تضاعف الألم. تغلغل إلى الحلق. مشى فى الدم. تحوّل إلى شعور بالاختناق. خلع ملابسه كلها. لم ينفضها. مشى إلى البلكونة عاريًا. استعذب خفقات الهواء. أحسّ أنه يرتقى أعلى ذرى الصفاء. غاب عن كل شىء. انتفى من وعيه كل شىء. اختفتْ البراغيث واختفى وجه الرئيس. اعتلى سور البلكونة. لم يشعر بعريه. انتفى الجسد من بؤرة الإدراك. أسلم نفسه لأجنحة الصفاء.