الساكن الجديد

20/10/2015 - 11:02:16

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

مصطفى نصر - كاتب مصري

          تكررت خلافاته مع زوجته، مطالبها لا تنتهي، وهو راتبه ليس كبيرا. تحدثه دائما عن أخته المتزوجة من شقيقـها.


قال لها: إن أخاها تاجر غني، يكسب كثيرا، بينما هو مجرد موظف في الحكومة. عندما ضاق بإلحاحها، ترك لها البيت، وسكن في حي بعيد عن سكنه القديم. لكن زوجته أرسلت أخاها، فاتفقا على أن يتركها لبعض الوقت، ويدفع لها مبلغا من المال للإنفاق.


          سكن بيتاً من دورين. تمتلكه أرملة شابة، مات زوجها وترك لها هذا المنزل، تسكنه وتؤجر باقي شققه للإنفاق على نفسها. مر الشهر الأول لسكنه الجديد، كان يخرج في الصباح، يذهب إلى عمله، يتناول إفطاره هناك مع القليل من زملائه، وبعد خروجه من العمل، يجلس على مقهاه، يتناول قهوته، ويقابل أصحابه، ويأكل سندوتشات سريعة. ولا يذهب إلى بيته إلا مساء. يخلع ملابسه لينام.


قابل في هذا الشهر صاحبة البيت مرتين، فشقتها ملاصقة لشقته. وهو خارج في الصباح؛ لمحها تخرج شيئا من الباب، فلم ينظر ناحيتها، لكنه لمحها تتابعه في اهتمام. فنزل السلم مسرعا، حتى كاد يقع.


    والمرة الثانية قابلها على سلم البيت، لم يكن الوقت متأخرا، فقد أحس بالرغبة في النوم بعد خروجه من عمله مباشرة، فلم يذهب في هذا اليوم إلى مقهاه. كانت تهبط الدرجات في أناة. واجهته في جرأة. وبدأت هي بالتحية:


ـ أرجو أن تكون مرتاحا في سكنك الجديد.


أجابها في ارتباك. ولم ينس جمال وجهها، وخصوصا عيناها السوداوان الواسعتان. فتح باب شقته، وظل – رغم تعبه – مستيقظا، مبحلقا في سقف الحجرة، يتابع وجهها الماثل أمامه في كل جهة يتجه بعينيه إليها.


    وعندما حان دفع أجرة الشقة، دق باب شقتها، ففتحت، وأسرعت بالاختباء خلف ضلفة الباب المفتوحة، محاولة إخفاء جسدها عنه، فقد كانت ترتدي ثيابا شفيفة، تكشف عن الكثير من جسدها، قال:


ـ جئت لكي أدفع إيجار الشقة.


    مدت ذراعها البيضاء العارية، فوضع النقود في راحة يدها، وأسرع إلى شقته، ظل مفكرا فيما حدث له. نسى زوجته، لم يذكره بها سوى شقيقها الذي يأتي أول كل شهر لأخذ المال المتفق عليه. كان يسمع بعض سكان الحارة يأتون للحديث مع جارته، وكان يصيخ السمع لصوتها، ظن أنها تتعمد أن تسمعه ذلك الصوت الجميل، وأنها تكشف عن البحة فيه. قرر أن يعود إلى الشقة فور خروجه من عمله، لا يتأخر إلا قليلا، في شراء الغداء الذي يتناسب مع رجل أعزب. لا يستخدم الموقد إلا لصنع كوب الشاي الذي اعتاد شرابه بعد الغداء.


    في أول الشهر لم يجد مالا لدفع قيمة الإيجار. فشقيق زوجته جاء وأخذ ما يخص أخته، ولم يتبق له سوى جنيهات قليلة جدا لن تكفي لشراء طعامه طوال الشهر. أحس بالأسى وبالخجل منها. يعرف أنها تعيش من إيراد هذا البيت، ولو تقاعس الكثير عن دفع الإيجار، لن تجد مالا لتعيش.


          عندما فتح باب شقته استعدادا للخروج، سمع صوت فتح بابها، فكاد أن يعود ليتوارى عنها خجلا، نظر إلى بلاط الطرقة، وقال:


ـ صباح الخير.


لم يتبين ملابسها، قالت:


ـ أهلا بك. تفضل.


سار خطوات في طريقه لدرجات السلم، ثم قال دون أن ينظر إليها:


ـ معذرة لأنني لم أدفع إيجار الشقة للآن.


اقتربت منه وقالت:


ـ على مهلك.


    أسرع وهو هابط، أخذ الدرجات العديدة في خطوة واحد. وما أن خرج من باب البيت، حتى أحس بالارتياح. تمنى لو وجد في طريقه مبلغا كبيرا من المال ليسدد منه إيجار الشقة.


   ظل في مكتبه شاردا، سأل زملاءه: هل هناك نقود سيصرفونها لنا في القريب؟


أجاب زميله ساخرا:


ـ لقد صرفنا راتبا منذ أيام قلائل.


    أحس بالتعاسة، وتمنى لو ترك البيت نهائيا، لكنه لا يمكن أن يعود لزوجته، العودة إليها معناه أن يعود للشجار الذي لا ينتهي.


          مر الشهر بصعوبة، كان يتحاشى لقاءها. يتابع خطوات ساقيها على درجات السلم، وينظر من العين السحرية عليها وهي تفتح باب شقتها، كانت في كل مرة تطيل النظر إلى باب شقته.


    في الشهر الثاني زادت حدة ارتباكه المالي. طلب من شقيق زوجته أن يخفض المبلغ الذي يأخذه منه شهريا، لكن الرجل قال:


ـ كنت سأطالبك بأن تزيده قليلا، فأختي في حاجة لشراء ثياب هذا الشهر.


    بعد مرور أيام قليلة من الشهر، فوجئ بجارته تدق باب شقته، عرفها من صوت خطواتها من باب شقتها حتى بابه. فتح الباب وهو يعلم سبب حضورها إليه:


ـ أستاذ، إنك لم تدفع شهرين.


أحس بالخجل الشديد:


ـ صدقيني، أنا في غاية الأسف، لكن...


ابتسمت قائلة:


ـ لولا حاجتي الشديدة للمال ما جئت إليك.


قالت هذا وعادت إلى شقتها.


   ليلتها لم ينم، فكر في البحث عن عمل إضافي ليسد ديونه. لكنه لم يجد عملا مناسبا، ولم يجد من يقرضه. حتى جاء الشهر الثالث. لم يستطع أن يبقي مبلغا يكفي لسداد قيمة إيجار شهرا واحدا من الثلاثة. فارتدى ملابسه وذهب لزيارة صديق في بيته، سيطلب منه قرضا.


    قابله زميله بترحاب شديد، فهما لم يتقابلان منذ شهور عديدة. لكن عندما طلب القرض منه، اعتذر الصديق فزوجته حامل وفي حاجة لعلاج.


   وعندما شرع في الاستئذان والعودة لبيته، صاح صديقه:


ـ إنك تقول إنها أرملة، وصغيرة في السن وجميلة.


ـ حقا هي كذلك.


ـ فلماذا لا تتزوجها؟


ـ أتزوجها؟!


أكدت زوجة صديقه على ذلك:


ـ الحل هو أن تتزوجها.


ـ لكنها تعرف مدى ارتباكي المالي!


قالت زوجة صديقه:


ـ لا تهتم، فأنت في حاجة إليها، وهي في حاجة إليك. وأنا على استعداد لأن أفاتحها في الموضوع.


    لم يكن متحمساً للفكرة، فهو شديد الإعجاب بها، لكنها حتما سترفضه، ستظن أن عرض الزواج من أجل الهروب من عدم سداد إيجار الشقة.


          جاءت زوجة صديقه لزيارتها، وعرضت عليها الأمر، بعد أن أثنت على أخلاقه، وظروفه التعسة مع زوجته.


فقالت الأرملة:


ـ أعرف كل شيء عنه. وأتمنى الزواج منه.


وفوجئت الحارة بالساكن الذي أصبح زوجا لصاحبة البيت. فعاش معها في شقتها، وبحثا معا عن ساكن جديد للشقة التي كان يسكنها.