انتظار

20/10/2015 - 11:00:41

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عبد الرحيم التوراني - كاتب من المغرب

    وقفت ترقب من النافذة عودته. الدنيا ظلام ولا أحد في الخارج. لفحتها هبة برد قارس. لوت حول عنقها شالا أبيض من حرير، وفي رأسها نبت سؤالها المتجدد:


ـ لماذا يصر كل ليلة على بهدلة نفسه آخر بهدلة وتعطيل مخه حد التلف.


وأضافت بعد تردد تساؤلا آخر:


ـ لماذا يصر على التمادي في إهمالها وتركها وحيدة، تأكلها الهواجس والحيرة والوساوس المدمرة؟


    سمعت هدير سيارة، وبدا لها خيال شخص يترجل وهو يتمايل، مترنحا أمام باب العمارة. أقفلت النافذة وتنهدت حامدة الله على سلامة عودته، ثم هرعت صوب الباب تنتظر.


    لما طالت وقفتها عادت إلى النافذة تتعثر في ذيولها تتمتم حائرة. شاهدت نفس الخيال المترنح ما يزال يمشي متمايلا أمام العمارة. نادت بصوت خفيض حتى لا توقظ من ناموا من الجيران:


ـ سعيد.. سعيد.. أتسمعني.. ما لك لا ترد؟


    لوحت بيديها وأطلقت صفيرا خافتا. حاولت أن تميز ملامح زوجها. راودتها شكوك في أن يكون صاحب الخيال المترنح هو من تنتظره. زاد خوفها لما أصبحت ترى أكثر من خيال يترنح أمام البناية. فركت عينيها. دلت رأسها. سقط من عنقها الشال الحريري بين قدمي صاحب الخيال. صدرت منها صرخة لا إرادية. قررت أن تنزل لتستطلع الأمر وتسترد الشال. هو هدية منه. تساءلت في سرها ربما يكون سعيد نسي مفتاح الباب الخارجي، أو لديه مشكلة مع الشخوص التي رأت. وجدت المصعد معطلا. نزلت على السلم. لما وصلت إلى الطابق الثالث شاهدت سعيد يهم بدخول الشقة التي على اليمين، شقة جارتها المطلقة.


   صاحت آمرة:


ـ ماذا تفعل أيها السكير الخائن؟ إلى أين أنت داخل؟ توقف.


    بتثاقل التفت الرجل صوب مصدر الصوت. ارتبكت المرأة وارتج عليها. لم يكن سعيد. اعتذرت بتوسل. خرجت الجارة غاضبة يتطاير لسانها شررا بزبد الكلام البذيء. وصفتها بالمجنونة.


ـ إذا ما كنت حقا مجنونة فعليك مراجعة الأطباء ودخول "الترانتسيس".


    تراجعت المرأة في ذعر وخجل، أكملت هبوطها. في الطابق الثاني اصطدمت بشخص صاعد فأمسكت بخناقه:


ـ عذبتني الله يعذبك. أترى إلى أين أوصلتني؟ تشتمني من لا تساوي التراب الذي أمشي فوقه.


  دفعها الرجل بلطف:


ـ الله يهديك يا رقية.. أنا إبراهيم البواب.


ـ البواب؟


ـ سمعت ضجيجا وسط العمارة وجئت أتفقد الأمر ليس غير.


   سألته عمن كان يترنح أمام الباب الخارجي.


   رد البواب:


ـ لا أحد. لم يمر أحد من هذا الشارع منذ ساعات.


ـ والسيارة التي توقفت وأنزلت أحد الأشخاص؟


ـ لم أر أي سيارة يا سيدتي.. فقط الكلاب والقطط الضالة هي التي تتسكع في هذا الليل البارد.


ـ وسعيد؟ ألم تشاهده؟ هل ما زالت هناك حانة مفتوحة في هذا الوقت المتأخر؟


    لم يرد إبراهيم على سؤال المرأة الحائرة. سألها لماذا لم تركب المصعد؟


ـ المصعد معطل يا إبراهيم.


    أوضح لها أن المصعد غير معطل وفتحه أمامها متوسلا بأن تعود إلى مسكنها.


   وضعت إصبعها على الزر الخامس وعادت إلى شقتها. أغلقت خلفها الباب. سمع البواب حديثها اليومي مع زوجها، تؤاخذه على إدمانه وتبديد ماله على عاهرات البارات الرخيصة.


    ثم سمع توددها له أن يقترب منها وأن يقول رأيه في لباس النوم الجديد المثير الذي ترتديه. ابتعد البواب وركب المصعد نازلا وهو يحوقل ويطلب من الله أن يعافي المرأة المسكينة ويأخذ بيدها.


    في الصباح لما دخل بيته وجد امرأته تنتظره، حدثها عن امرأة الطابق الخامس التي توفي زوجها منذ عام بسرطان الكبد.


  قاطعته زوجته:


ـ المسكينة .. أما زالت تنتظر؟


•        "الترانتسيس" تعني بالفرنسية 36، وهو رقم جناح المرضى النفسانيين بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء.