محمد نور فرحات باحثا عن العقل

20/10/2015 - 10:59:46

محمد نور فرحات محمد نور فرحات

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

يحتوي كتاب "البحث عن العقل.. حوار مع فكر الحاكمية والنقل" للدكتور محمد نور فرحات على محاورات نظرية وتطبيقية مع أفكار يروج لها تيار الإسلام السياسي من فوق منابر المساجد، وفي مواسم الانتخابات، وفي تسجيلات سيارات النقل العام، وفي أحاديث وفتاوى يبثها التليفزيون.. أفكار ذات طابع عام جازم وباتر ونهائي.. أفكار تقفز فوق حقائق الواقع اليومي لتشهر في وجه الجميع آية من القرآن الكريم أو حديثاً من أحاديث النبي، أو عبارة من أحد الصحابة أو التابعين، فإذا اعترض أحد المفكرين على هذا الأسلوب الماضوي في معالجة مشاكل الواقع المعاصر، أو نصح بالتريث والتأني والتدبر للوصول إلى حلول للمشاكل تحافظ على ثوابت الإسلام ومقاصده الكبرى وغاياته النبيلة وتراعى في الوقت نفسه مصالح الناس، أو اعترض أحد على هذا الأسلوب الذي ينطلق من الجمود عند ظاهر النص ويؤثر الكسل العقلي على الاجتهاد والإبداع.. انطلقت أصوات غاضبة من تلك الجماعات، واتهمت المفكر بالشطط والجنوح والخروج على ما هو معلوم من الدين بالضرورة.


بسبب هذا المنحى السلفى في تناول الأمور تتراكم مشكلات المجتمع وتزداد تعقيداً، وتتفاقم الآثار السلبية لبقائها دون حل، يناشد المتضررون شيوخ الفتوى أن يجدوا لهم حلولا ترضى ضمائرهم، وتحول بينهم وبين الوقوع في الحرام، لكن الفكر السلفي القائم على الالتزام بحرفية النصوص دون تدبر معانيها وغاياتها لا يجيب عن كل ما يطرحه عليهم الناس من أسئلة إلا بإجابات مثل: نقل الأعضاء حرام، وثائق التأمين حرام، تنظيم النسل حرام، فوائد البنوك ربا، سياحة الأجانب في بلادنا حرام، كل المرأة عورة ولا مكان لها خارج البيت... إلخ.


أما على المستوى السياسي فيروج أتباع هذا التيار لشعارات لها نفس الطابع الجازم والنهائي: الإسلام هو الحل، التطبيق الفوري للشريعة، تطبيق الحدود، الشورى للحاكم لازمة وغير ملزمة... إلخ.


تلك أفكار وشعارات لا تتردد في معاهد العلم أو بين المتخصصين ولكنها تنتشر بين الجماهير في المساجد والزوايا ومجالس الفتوى ومنابر الخطابة في حملات الدعاية الانتخابية، وهي أفكار تشيع التطرف والتعصب، وتملأ الفضاء الثقافي بالغيبية واللاعقلية وهو ما يتصدى له الدكتور نور فرحات في هذا الكتاب بالعلم والمنطق والبرهان والقراءة الداعية للتراث العقلاني الفقهي.


يكتب د. فرحات في الفصل الأول: هناك تساؤلات مشروعة لا بد من الإجابة عليها، ومخاوف مبررة لا بد من طمأنتها، تساؤلات عن العلاقة بين الحكم القانوني الثابت والواقع الاجتماعي المتغير. وماذا نأخذ وماذا ندع من تراث فقهنا الإسلامي، وأي معيار نتبع، وما هو المضمون الفعلي لمبدأ المصلحة، وأي المصالح أولى بالاعتبار؟ وما هو موقف الأقليات غير المسلمة من الاحتكام لشريعة دين غير دينهم؟


قضايا هذا الحوار جادة وشديدة الأهمية لأنها تنبه الوعي العام إلى أخطار تحيق بالوطن، وتحذر من عاقبة القفز بالمجتمع إلى المجهول، أو إلى تجارب فاشلة شاهدناها في دول الجوار، ولذلك كان لا بد من ضبط المصطلحات وصقل الكلمات وتحديد المعاني.


بدلا من وصف طرفي الحوار بالإسلاميين والعلماينين يفضل نور فرحات وصفهم بأهل العقل وأهل النقل، أهل العقل هم من يعطون مساحة كبيرة للعقل عند مناقشة أمور الدنيا مع الالتزام بمقاصد الشرع الحنيف، وأهل النقل هم من يجهرون صراحة أو ضمنا بقصور العقل عن تفهم المصالح الاجتماعية، ويرون أن المصلحة كل المصلحة فيما أتى به النقل.


يلقى المؤلف الضوء على حقيقة مهمة في حياتنا الثقافية هي غيبة قدرتنا على الإدراك العلمي للتاريخ، بل فتور الرغبة في هذا الإدراك، لقد عرف التاريخ الإسلامي طائفة كانت تجلس في المساجد وتسرد على الناس قصصا وأساطير وحكايات كاذبة ووقائع مزيفة أضاعت معالم الحق. وحتى الآن مازال وعينا بالتاريخ مختلطاً بتلك القصص الأساطير، من ذلك مثلاً أننا نتوهم أن التاريخ الإسلامي تاريخ مجتمع من الملائكة المعصومين، لا نتصور أنه تاريخ بشر يخطئون ويصيبون.


منذ بداية الدعوة الإسلامية وثمة سؤال مطروح على العقل الإسلامي: إذا كانت النصوص المقدسة متناهية ووقائع الحياة غير متناهية، كيف يحكم المتناهي غير المتناهي؟


للإجابة عن هذا السؤال انقسم جمهور الفقهاء إلى فريقين: أهل الحديث وأهل الرأى، أو أهل النقل وأهل العقل، أهل الحديث يغلبون النقل على العقل، وأهل الرأي يفسحون مكاناً للعقل إلى جوار النقل، وقد حفل تاريخ الفقه الإسلامي بمفكرين عباقرة حاولوا كل من زاويته الانتقال بالمجتمعات التى عاصروها من النقل إلى العقل، ومن الرواية إلى الدراية، ومن التقليد إلى التجديد، ولكن الغريب أن هذا التراث العقلاني ظل في بطون الكتب والدراسات الجامعية، بينما ما يروج بيننا اليوم هو أقصى درجات هذا الفكر تزمتاً وتعصباً وابتعاداً عن العقل واحتقاراً له، وأكثرها تمسكاً بالطقوس والشكليات، وتكفير الآخرين واحتقارهم واستحلال دمائهم. إن ما يسود بيننا هو فكر العوام الذين لا يعرفون من العلم سوى القشور، والذين يسوقون الجماهير إلى معتقدات ورثناها من عصور الانحطاط وهي أبعد ما تكون عن الإسلام دين الحق والعدل والحرية.


بعض الفقهاء الذين يأخذون النقل لا يميزون بين ما هو قطعى وما هو ظني، ما هو معقول وما هو غير معقول، ما هو مرتبط بظروف محددة مكانية وزمانية وما هو صالح للتطبيق في كل مكان وزمان.


ولكن متى بدأ اجتهاد الفقهاء في توخى المصلحة العامة حتى لو بدت مخالفة لظاهر النص المقدس؟


بدأت مع عمر بن الخطاب حين أوقف قطع يد السارق في عام المجاعة رغم عموم نص الآية، وحين أوقف سهم المؤلفة قلوبهم من مصارف الصدقة رغم صريح نص الآية، وهناك العديد من الأمثلة الأخرى التى توضح لنا منهج عمر في التعامل مع النصوص وتغليبه الحكمة والمصلحة والمقصد على ظاهر اللفظ والشكل.


يتساءل الدكتور نور فرحات: لو كان عمر بن الخطاب موجوداً بيننا اليوم هل كان يرضيه ما وصل إليه المسلمون من صحوة الشعور والحماس الديني مع غيبة العقل والحكمة؟


هل كان يرضى عن اكتفاء المسلمين من دينهم بالشكل والمظهر والطقوس مع الإنكار للجوهر والقيمة والمعنى؟


هل كان يرضى عن حرص الرجال على إطلاق اللحى وارتداء الجلباب القصير، والهرولة إلى الصلاة في الدواوين على حساب وقت العمل؟ هل كان يرضى عن قهر الحرية والعقل والرأى واغتيال المصلحة الاجتماعية باسم الدين؟ هل كان يسكت على النصب الجماعي لشركات توظيف الأموال بحجة اجتناب الربا؟ هل كان يسكت عن قهر المفكرين بدعوى الردة؟ أو اغتيالهم جسدياً ومعنوياً بحجة خروجهم على الإسلام؟


إجابة هذه الاسئلة معروفة على وجه اليقين: إن عمر ما كان ليرضى، بل كان سيبادر إلى تغيير هذه الأوضاع بيده ولسانه وقلبه، لأن فهم عمر العقلاني المستقيم للإسلام يختلف عن الفهم الخاطئ له المتمسك بالشكل والطقس واللفظ، أما النهج الآخر فهو، التخلف والتدهور والإنحطاط المتوارى في عباءة الإسلام.


يفهم عمر الشريعة باعتبارها السبيل إلى حفظ المصالح ودرء المفاسد، وقد كان منهجه في إيثار المصلحة الاجتماعية على ظاهر النص مصدر إلهام لإنتاج فكري عبقري ظل سارياً في فكر أبي حنيفة ومالك بن أنس والشاطبي والحنابلة والشافعي والغزالي.


إن العلاقة بين النص والواقع ليست بالبساطة والسذاجة التى يتصورها عوام الفقه وصبية تكفير المجتمع، ومنذ وجد المسلمون أنفسهم بعد وفاة النبي يواجهون مشاكل الحياة المتجددة وقد بذلوا قصارى جهدهم في استنباط الأحكام من الشريعة وذلك بعد أن وقفوا على أسرار التشريع، وعلموا أنها شريعة خالدة تسير الناس إلى ما فيه سعادتهم والمحافظة على مصالحهم.


وقد أبدع فقهاء المصالح والمقاصد فقها لا يضيق على الناس دنياهم ولا يلحق بهم العنت، واستندوا في ذلك مبادئ إسلامية مثل لا ضرر ولا ضرار، وأنتم أعلم بشؤون دنياتكم، وسد الذرائع، ودرء المفسدة أبدى من جلب المنفعة.