أمين صالح .. حنين يتراوح بين شمال المخيلة وجنوب اللغة

20/10/2015 - 10:58:48

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. هدى النعيمي - كاتبة من قطر

    في رواية الكاتب البحريني أمين صالح "شمالا إلى بيت يحن إلى الجنوب" مفاتيح  تضيء الكثير من جوانب الرواية الحائرة بين اللغة والتاريخ، وبين الشمال والجنوب وبين الحلم والواقع. رواية حائرة بين الهوية الثابتة في المخيال الشعبي وتحولاتها التاريخية على مر الزمن، أيضا الحيرة ظاهرة بين الراوي وشخصياته إلى درجة لا تميز فيها الشخصية من الراوي بين الصفحات والسطور، هي رواية اللا مكان واللا زمان، حيث يتجه السرد نحو فضاء مفتوح غير محدد الملامح، وتتحول الشخصيات إلى كائنات عامة تتحدث لغة عالمية عالية المستوى لا تمت بصلة إلى قائليها، ولا تمثل خلفياتهم الثقافية والاجتماعية، ولا تحمل الكثير من سمات الواقع الذي يفترض أننا تنتمي إليه.


    القراءة النقدية لهذا النص تتقاطع مع الزمن، والزمن يُحدد عبر الحدث الأكبر وهو شركة النفط التي تزور المنطقة، أو منطقة ما لا يعرفها الكاتب، وهذا يقتضي الافتراض أن المكان الذي تتحرك فيه جميع شخصيات الرواية هو منطقة الخليج مثلا، ولكن الشخصيات المشغولة بأحلامها والبحث عن حلول ناجعة لمآسيها لا تحدث القارئ عن هوية مكانها أو منشئها، بل نكاد نراها متناثرة في هذا العالم الشاسع، وربما يكون الزمن مع إشارة الكاتب إلى عمال النفط، وهي إشارة لا تشي بزمن إذ لم ترتبط بمكان، وكذا هو الحال مع المرأة التي تمتهن التصوير في فصل آخر من الرواية، حيث لا أرى الزمن معلنا، بل يكاد يكون كالمكان المستتر في لغة فضفاضة، وشخصيات مرسومة بعناية قليلة.


    وربما كان بإمكاني الإشارة إلى قراءة أخرى، وهي أن شخوص الرواية قد وجدت في زمن واحد عبر أماكن عدة من هذا العالم، وأن الصوت الذي ينادي نحو الشمال إنما هو صوت واحد أو نفير واحد، سمعه هؤلاء الأغراب عن بعضهم البعض في آن واحد، ولكن كلا منهم سمعه بشكل يطمئن إليه قلبه ويريح سريرته، فالمرأة تسمعه ينادي لشمال يعيش فيه الزوج، والقاتل يسمع نداء نحو شمال يجد فيه الطمأنينة المفقودة، والفتاة تسمع نداء إلى شمال تلتقي فيه أمها المتوفاة. في كل الأحوال زمن الرواية محته سطورها التي لم تستطع محو المكان مع أن الباحث سيربط لاحقا هذا الشمال بالولايات المتحدة الأمريكية، استشهادا ببعض النقاد، فهذا النص من النوع القابل للتأويلات و"حمال أوجه" كما يقول الفقهاء والمناطقة، لكنه كالمعتاد يتناوله القارئ من منظور ثقافته، ويسقط عليه مكنونات نفسه، والكثير من رغباته الدفينة وهنا نتذكر تلك العبارة الساحرة التي يقولها كالفن لروزا في رواية  ايريس مردوخ "الهروب من الساحر": "لن تعرفي الحقيقة أبدا وستقرئين الإشارات بما يتفق مع أعماق رغباتك وهذا ما يفعله كل الآدميين، والحقيقة أنها ليست إلا "شفرة" لها حلول كثيرة وكل هذه الحلول صحيحة".


    إن تقمص الشخصية لدرجة الاندماج بها أمر قد يكون محموداً في المسرح والسينما ولكنه ليس كذلك في الرواية، فليس محمودا في الفن الروائي أن تقوم اللغة النابعة من مصدر واحد بمحو الحدود بين الشخصيات لدرجة لا يستطيع القارئ تمييزها، فالراوي يلغي جميع وجود الشخصيات، ويجبرها على تقمص لغة وأحلام ليست لها. الراوي هنا لا يميز - على حد استنتاج  الناقد والأكاديمي الجزائري الدكتور عبد الملك مرتاض -  بين "الشخص والشخصية"  وخطورة هذا الخلط يؤدي إلى نتيجة غير محمودة فنياً، أيضا تجعل الشخصيات "تلعب أمامنا وليس معنا"، وهذه إحالة ذكية إلى أن الفن لعبة مشتركة بين الكاتب والقارئ، إن أخل الكاتب بها فقد شريكه الحماس للمتابعة.


    ولا بد هنا من الإشارة إلى التماهي بين الرواية بين أيدينا، ورواية الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال" فهي تفرض نفسها انطلاقا من عنوان رواية أمين صالح "شمالا إلى بيت يحن إلى الجنوب" فهذا العنوان هو خلاصة تجربة مصطفى سعيد بطل رواية الطيب صالح الذي بحث عن خلاصه شمالا، فلما اكتشف الزيف الشمالي عاد لمتابعة حلمه جنوبا ليختفي ذات فجر في نهر، تاركا خلفه الكثير من الألغاز والأسرار، وهذه مقارنة ضرورية - ربما - لتقديم إضاءات كثيرة كتب عنها باقتدار الناقد السوري جورج طرابيشي في "شرق وغرب.. رجولة وأنوثة "، وطبعا كان كما هو معروف يستخدم الغرب بمعنى الشمال كما تجلى في روايات سهيل ادريس وتوفيق الحكيم وغيرهما.


    ومن المؤكد أن الكاتب كان يعي أن روايته مفصولة عن الواقع ومشحونة بالرموز حيث تتأرحج على صفحاتها شخصيات ضائعة لا تقف على أي أرض ولا تملك أي قرار ولا علاقة لها بأي واقع، وهذا ما لا يخفى على القارئ، وكذلك تعترف عليه شخصياته، ففي أحد الفصول تقول الشخصية: "نحن لا نقدر على أن نفعل شيئا لأننا شخوص في رواية يسردها راو غريب، عاشر الكتابة زمنا حتى صار لا يرى واقعه إلا من منظار خياله، حيث العوالم المتخيلة أكثر جمالا وفتنة من عالمه اليومي".


     عند أمين صالح يغير الراوي عدة اثواب، ولكنه يتمسك بطريقته التعبيرية وكثافة لغته الشعرية بشكل أعلى بكثير من الروح الروائية التي يفترض أن تحرك الشخصيات في حبكة مرسومة متقنة، حتى أن الكاتب يتملكه حب بعض الشخصيات فيهمل سواها، ويسهب في الغناء بلغته الشاعرية ولكن بصوتها على مدى مساحات من الرواية، لتحتل المرأة التي تبحث عن الزوج مساحة قد تصل إلى ربع الرواية وهي الوحيدة التي يمكن أن نستثنيها من التنميط، وربما كان ذاك لتنوع الحكي عند المرأة، وثراء حكايتها وهي تنتقل من مرحلة إلى أخرى لتصف قصة الحب والزواج ثم الإنجاب حتى فقد الطفلة، ومن ثم فقد الزوج الذي ذهب ولم يعد، وهي في كل مرحلة من تلك المراحل امرأة مختلفه تحكي عن نفسها، ويسترسل الكاتب في الحديث بصوتها ولكن بلغته كما تعودنا: "تجرجر ذيل ثوب مسه لهب كامن في نسغ الارض، تجرجر نهارا كهلا كان يحصي خسائره وهو يرنو متململا إلى الغيب القادم من بعيد، تجرجر أنقاض غياب يترك أطلاله وآثاره في مسالك من يعاني هذا الغياب إمعانا في إيلامه".


    ويمكن القول إن جميع شخصيات الرواية فقدت شيئاً من ذاتها ليصيبها الضياع وليصير قدرها أن تبحث عن جزئها المفقود والمكمل لها، وهو ما تأتي به الأحلام تباعا، لتمثل عودة المفقود في لحظة لا علاقة لها بالزمان أو المكان، بل بالخيوط الحريرية والمخملية للحلم، فإذا ربطنا الحلم بالحنين، صار الحنين إلى ذلك الجزء المفقود من الهوية هو الحلم الذي يتجسد أحيانا في صوت مجهول لشخصية مجهولة، فالقاتل المأجور وقع في غرام ملاك الموت منذ أن وقعت عيناه وهو طفل في الثانية عشرة من عمره على جسد امرأة جميلة ميتة، فأخذه هذا الغرام إلى محاولة مواجهة الموت أو استحضاره قسراً، بدءا من شنق القطة إلى شج رأس الجرو، ومن ثم إلى الضحية الأولى وهي زوج الأم، ولكن الرغبة في استحضار ملاك الموت لم تقف عند حد، بل جاءت بالمجهول تلو المجهول ممن يطلب إليه أن يخلصه من الحياة، فيسأل القاتل الذي لا نعرف عنه سوى أنه قاتل: "لماذا أنا الذي تطلب منه أن أنهي حياتك"، فيأتي الجواب ذاته من المجهول تلو المجهول تلو المجهول: "لقد رأيتك في حلمي".


    مع رواية من هذا النوع المغرق في الخيال الشعري، من المجدي أن تدرس تحت لافتة روايات الوهم أو التوهم أو التخييل المرتبط بالفانتازيا، حيث رواية أمين صالح هذه بلا أسوار، ويمكن لأكثر من شخصية ان تقتحم حلمها لتصنعه "ود لو يدعو البحر إلى وليمة في الحلم"، أو "حين استلقى على سريره وأرخى أهدابه، سمع طرقا على صدغه، ثم رأى غزالة تدخل حلمه"، وترتفع هذه الحالة الفانتازية لتجعل للاحلام ذات الطابع الشخصي مسرحا ومشاهدين ولتشمل الآخر الذي يدخل الحلم ليري ما يحدث كمتفرج صامت أولا، ثم ناطق صباحا يحدث صاحب الحلم عن حلمه لأنه كان هناك أيضا "كنت هناك في حلمك..، رأيت ما رأيت"، وهذا يعني أن الحنين متوحد عند صاحب الحلم، ومشاهديه وأن هذه الحالات جماعية ولا تخص شخصية بعينها الأمر الذي يحيلنا إلى التاريخ بمفهوم "جاك لوجوف" الذي لا يراه في المعارك والحروب ويوميات الساسة، بل في الكامن غير المنظور في الناس والمجتمع "إن تاريخا يتناول القوى الكامنة تحت السطح هو وحده التاريخ".


    ولا بد من الوقوف طويلا عند الحلم لأنه العصب الحقيقي الذي يشد هذه الرواية ويجعلها أقرب إلى "مشاهد فانتازية" مبعثرة يربطها خيط غير مرئي، ولولاه لظهر تفككها واضحا للعيان، مع ملاحظة أن الأحلام المبنية على الفقد، هي الثيمة التي تدور حولها الشخصيات التي لا يجمعها روائيا إلا صوت شجاع ينبع من حلم ليدعو إلى التوجه شمالا، فالأحلام ليست صنيعة لباس الليل فقط، ولا بنت النوم، لكن الأهم منها ما يكون بمتناولنا، لكننا لانشغالنا بتفاصيل الحياة اليومية لا نراه، "ثمة أحلام لا تحصى تحيط بنا، تدور حولنا، تحوم فوقنا.. لكنها غير مرئيه، غير ملموسسة، غير محسوسة، كل ما علينا فعله، أن نمد اليد ونقطف حلما".