ديوان عيد النساج .. القصيدة امرأة

20/10/2015 - 12:28:30

محمد عيد إبراهيم محمد عيد إبراهيم

هشام حربي - شاعر مصرى

    كبصمات العين التى تميز شخصاً عن آخر، ستدرك من جملةٍ محملةٍ بالحياةِ كبذرةٍ مهيأةٍ لدورةٍ تنتظر تربتها الخصبة، ومن احتشاد أفعال تمر متقافزةً على حروفٍ لم تحتمل ما يفيض من طقوسِ إنباتٍ تدخر مخزونها ربما لجيلٍ سيأتى، وستدرك نصاً تحوم حول كلِ حرفٍ فيه روحٌ مثابرةٌ ترفض التقولب وتفيضُ بالتجريب الذى لا يقر، فترى محمد عيد إبراهيم بهدوءِ من أثقلته رُؤاه الثائرةُ، فى تجربةٍ تكتسب غناها من اتساعها وتنوعها وحضور مبدعها فى كل صورةٍ، حتى أنه ليكاد يصر على أن يكون مثالا واقعيا على هدم مقولة رولان بارت موت المؤلف، فمحمد عيد إبراهيم يصر على الحضور بتراكيبه المبتكرة وجمله المكثفة وصوره المبهرة بطزاجتها وعبق تراثيتها فى آن، يشارك المتلقى وهو ينفث ثراءً باذخاً ويجمل ما يحتمله النص من تصورات وإرهاصات.


ويظل الشعر شفرة تستعصى على من لا يبذل لها ما تستحق، وهى تعطى من المعانى المتعددة أضعاف ما يرتجى الجاد المثابر، ويظل لكل شاعر حقيقى بصمته التى بها يُعرف ولو لم يكتب اسمه على نصوصه، حيث تفتح القصيدة كنوزها بتناولٍ يختلف عن تناول ما سواها.


    يبدأ الديوان بقصيدة ) 24X24 وهى تمهد للحدث الأكبر بمرضٍ يبقى الإنسان عالقاً طوال اليوم، وسط كوابيس ملونة بينما الملاك الحارس تدور مطببةً وراعيةً، لتطمئن إلى مجرد البقاء:


"عقلى فى صفحةٍ، لتئن أوهامى، بينما ملاكى الحارسُ


تمضى من حولى طيلة الوقت


وأناملها المريمية على جبينى بعض الوقت


لتتأكد من أننى لا أزال ضمن هذا العالم ولم أطر"


    ويعود الإنسان إلى أصله الماء فلا يتناول غيره ربما تطهّراً وتمهيداً لدخول عالم الحقيقة الذى يأخذ عنوانا معاصراً فى هذا الديوان "مات الأدمن" ربما ليوحى بالإمكانات التى أصبح يملكها الأب المعاصر والتى لا تتجاوز "أدمن" صفحةِ تواصلٍ اجتماعى يحرص على أن يبقى ضمن المجموع وإن تجاوز بعضهم وربما من باب دور الأدمن أن يصور تلقى موته من زوايا مختلفة بحسب أعضاء الأسرة، إلا أنه يختصر الأمر فى حزن محبٍ وفرح من جعلوا تراتب الأجيال حجاباً، وربما يجر ذلك للحديث عن جيل السبعينيات: أهم من اشتكى من المجايلة وربما ليس هذا مجاله الآن!


"يحزن من يحبنى عن حق: مخلصٌ دءوب


ويفرح أنصار "المجايلة حجاب": المشرحة تلم،


عنيد تنفتح سعادته كلما قيدناه"


    يبرز الموت برؤاه من زوايا عمرية متباينة تشى بالراحة فى انتظار السابقين، ويصور الموت بحالة من التحرر "تحت النفق" إشارة لجحيم دانتى ربما "حلمى تحقق" "أهيم بقدمى" وتأكيد الأم "لا تخف هنا سترتاح" مع موسيقى تستهل الإقامة وعلى جانب "نوتى" فى قارب ربما استدعاء للتصور المصرى القديم:


"على جانبٍ، نوتىٌّ فى قاربٍ ينادى


برأسه ظلٌ من سحاب"


    ثم تتداعى الذكريات لمسيرة حياة رأى الشاعر فيها نفسه جديراً بمكانةٍ استحوذ عليها "مكين" رغم أن القصيدة تصرّح بثلاث حالات من الرفض حُفرت فى ذاكرةِ الشاعر كما فى قصيدة "المرأة والكلب" إلا أنه يسجل أنه أخيرا استطاع أن يربط المرأة التى قد تكون القصيدة ليلاعبها وحده.


"لا أريد أن أكسر رومانسية أحد


أو أرفع جوهرة التاج لأقضى طاعة


لكن تولاها أبونا من قبل "أوفيد" فى تحولاته"


"احتلت على المرأة: "عندى حلوى كالشهيق"


راسماً مصير حركتنا وخيطينا المعطرين


ما بين فاعلٍ رحيمٍ ومفعولٍ رجيم، بمنظورٍ تجديدى"


    ومن قصيدة إلى أخرى يتوغل الشاعر فى الماضى متحدثاً عن الذكريات، ليس كنوع من النوستالجيا ولكنه بوعى المصحح والمشير إلى نقاط تحتاج الى إضاءة لتتكون الصورة من مجموع جوانب الحياة المتعمقة فى تجارب شديدة الخصوصية مثل حالته فى رحلته إلى بغداد


"همٌ وانتظار عملٍ،


لك سريرٌ فوق السطح، تحمل مرتبتك وتصعد


كأنك تحت أمريكا العلوية"


    ولقائه بالشاعر المناضل عفيفى مطر المنفى فى بغداد


"عفيفى مطر قرب مبنى الإذاعة


شارع عبد الناصر، ظهرٌ محنىٌّ ويركبه جمل


مدير إذاعة مصر الحرة، منفياً من السادات


يوميا يبث رسالة، ويعاديه حتى العراقيون


كمن يمضغ الدم فى حلقه


أنصفه"


    أما الشاعر فيلخص ما حاوله من جهد ربما لم يرض بنتائجه إلا أنه يعلم تأثيره على أجيال تليه:


"زرعت زهرة عبادٍ بأرضى


احترقت


كم حزيناً سيفرح بأحلامى"


    وأحيانا بتحليل للواقع كما فى قصيدة "تحت ظل النسر":


"ضرب ديكارت مقعد الوعى ببوز حذائه


لا تفكر فالنسر موجود


المستبد العنيف من دون وجهٍ يتلمسنى


كالأعمى السعيد


لكن المستبد اللطيف ببالى كالوعى النظيف"


   ولكن يطل عيد النساج ملخصا دورة حياة الوطن:


"قد أحتاج قوة إبراهيم كى أبعث الحكاية من مفاصلها الأربعة


قد أحتاج أن يعم النظام حتى تنجلىَ السكينة


وقد أنضوى مع يونس فى حوته


قلبى حزينٌ مثل بيضةٍ فى سلةٍ فُقدَت"


   وهناك، أخيراً، ملاحظة فى الشكل، فالمفردات تأتي إيروسية كثيرة فى الديوان، وفى الدواوين السابقة، وهى فى سياق يدل على إعادة البدء والصياغة الجديدة كما تبدأ الحياة على نول المتاح من طرق إيجادها فى إطار قد يوحى بالحرية، وبالسعى لاقتناص المتعة كما فى "ركبتاى فى السطر الأخير كالمرق" و"الخصيم فى الغزوة" و"أخت الملازم" و"ختام الصعيدية"، ولعل ذلك يجعلنى أربط دلالة عنوان الديوان؛ فهو النساج أى من يبدأ النسج على نول جاهز، على عكس ما راج عن قصيدة النثر التى جاءت تقوض لتبنى جديدا كل الجدة.


    وفى نهاية أخرى للقصيدة يقول:


"لا تتمنّ أكبر من قلبك


أمام بيت حياتى أطير بجناحين دافئين


......


لا يفسد النور من وسخ الندى"


    "عيد النسّاج"، ديوان جديد، وليس الأخير، لشاعر له جماليات تصر على التفرد والتحدى والاستمرار.