إحياء شعرية «اليقين» .. قراءة فى ديوان «الشيخ» لعلى منصور

20/10/2015 - 10:50:37

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. محمد السيد إسماعيل - كاتب مصرى

يتخلص الشاعر على منصور فى ديوانه «الشيخ» وفى أغلب دواوينه السابقة مما شاع فى القصيدة الحديثة من هيمنة شعرية «التساؤل» و«الشك» و«احتمالات» التعدد والنسبية التى تعد من أقانيم الحداثة الأساسية ، يتخلص من كل هذا لكى يدخل فيما أسميه بمرحلة «إحياء» لما شاع فى «المتن» الرئيسى للقصيدة العربية من شعرية «اليقين» على اختلاف نوعيات هذا اليقين ومستوياته فقد ظلت القصيدة العربية مرتبطة بمجموعة من المطلقات التى تبدلت من مرحلة إلى أخرى لكن جوهرها ظل ثاتباً يقينياً لايقبل الشك أو مجرد التساؤل بدءاً من مطلقات القبيلة العربية مروراً بمطلقات الدين الجديد ولعل قول الرسول لشاعره حسان بن ثابت «أهجهم وروح القدس معك» ممالة دلالة على صراع «اليقينيات» .


ثم توزع هذا «اليقين» الجامع إلى العديد من «اليقينيات» التى تمثلت فى الفرق الإسلامية المتصارعة مع بدايات العصر الأموى ورغم الدافع السياسى لهذه الفرق والذى تمثل فى الصراع حول «الخلافة» فقد نتج عنها مجموعة من القيم والمبادىء التى تعمقت مع العصر العباسى وأضيف إليها بعد آخر على مستوى الأجناس الكبرى المنضوية تحت الإسلام فما يعرف بظاهرة «الشعوبية».


كان هناك - إذن - «يقين» ينطلق منه الشاعر وإيمان بأن الشعر قادر على أداء «رسالة» ما حتى وإن لم تتجاوز المستوى الأخلاقى الذى يراه الشاعر مدخلاً لـ «بناء العلا» بما تحمله هذه الصفة من أبعاد حضارية «ولولا خلال سنها الشعر مادرى بناة العلا من أين تؤتى المكام». إن رجوع على منصور لهذا التصور وإيمانه بدور الشعر الأخلاقى والوعظى أحياناً يعد - فى تصورى - مغامرة محفوفة - دائماً - بالمخاطر التى قد تهدد شعرية القصيدة ، ولا أعنى بذلك أن الشعر غير ملتزم بشىء أو أنه فاعليه مجانية أو أنه أقرب إلى روح «الموسيقى» المتخلصة من الوظيفية فميا يرى «جان بول سارتر» الذى أعفى الشاعر من مبدأ «الالتزام» رغم دعوته الشهيرة إلى التزام غيره من الأدباء . فالحق أن قدرة الشعر على تغيير رؤية الإنسان لنفسه وللوجود تظل من السمات التى لا تتحقق شعرية القصيدة إلا بها .


«الاختيار» حق الشاعر ، فمن حقه أن يرى أن الشعر «بابه الشر فإن دخله الخيرلان وضعف» كما كان يقول الأصمعى ومن حقه أن يرى أن الشعر بابه الخير والفضيلة والممارسات الحياتية التى تؤكد قيم التواصل الإنسانى .


غير أننى لا أنظر للشعر على هذا النحو لأن مايعنينى منه هو «التشكيل» أولاً وآخراً لأنه مناط «الشعرية» وغايتها ولأنه قد يوحى - وهذا هو الأهم - بدلالات تتجاوز «قصدية» الشاعر ودووافعه الأولى .


تتحرك شعرية هذا الديوان داخل مدارات ثلاثة تتبدى منذ القصيدة الأولى ، وهى : الإنسان والطبيعية والزمن ، فإذا كان «الإنسان» ذا طبيعة متبدلة تتحرك بين «النقائض» فإن «الطبيعة» تظل مصدر الخير والحكمة والانضواء تحت مشيئة أعلى يرتهن وجودها بها ، بينما يظل الزمن على علاقة تناقض مع «الجسد» بينما يؤكد حكمة «الروح» ويقينها ، ولنتأمل هذه القصيدة (صه) : «النباتات يا صاحبى / النباتات !! / تهرب الحكمة من لغونا / وتلوذ بصمت النباتا !! / حتى إذا ماهرمنا / وصرنا شيوخاً .. صامتين / عادت أدراجها وتوسدت تجاعيدنا !! / وربما أطلت من عيوننا / وابتسمت لحماقات اليافعين» («الشيخ» على منصور ص9 دار شرقيات ط أولى 2005) والملاحظ أن الزمن هو الذى يدفع الإنسان إلى التماهى مع الطبيعة ومحاولات «التوحد» معها حتى يصبح - بفعل الموت الجسدى - جزءاً منها ويضع الشاعر مقابلة بين «اللغو» و«الحكمة» ، كما يصنع درجة من التماثل أو الارتباط الشرطى بين «الصمت» و«الحكمة» التى تهرب من اللغو وتلو بصمت النباتات أو صمت الشيوخ ، فهل كان عنوان القصيدة (صه) زجراً لهذا اللغو وامتداحاً لـ «الصمت» ؟ هذا ما توحى به القصيدة وهو مايتجاوب مع ما أثر عن امتداح «الصمت» فى التراث العربى وما صرح به صلاح عبدالصبور فى إحدى قصائدة حين رجا من رفيقه أن يلتزم «الصمت» لأننا لو استسلمنا لغواية «الكلام / اللغو» لرأينا الدنيا مخلوقاً بشعاً واستعذينا «الموت» ، على أن القصيدة - فى تصورى - تعد إرهاصاً لتيمة أخرى سوف تظل فاعلة على مدار الديوان وهى تيمة «وحدة الوجود» واستشرافه أو تشوفه لما يلم شتاته أو تفرقه من صوت «إلهى» جامع ، هذا «الوجود» الذى يجمع الزمنى : «اطمأنت الظهيرة» ، والطبيعى «وابتهجت هاهنا أشجار توت ورمان» ، وإنسانى : «تحلقت الملائكة غلاماً ، يا للغلام !! الغلام ذو البشاشة / الغلام ذو الصوت المبلل بالنعمة والرضوان» (من قصيدة «فى تقديم التلاوة» ص11) .


ولاشك أن هذه التيمة (وحدة الوجود) قد ساعدت على شيوع بعض الظواهر البالغية من قبيل تراسل الحواس وبناء الصور الاستعارية من قبيل وصف الصوت بأنه مبلل بالنعمة والرضوان ، وأنسنة الكائنات على سبيل الحقيقة لا المجاز مثل قوله «الشوارع كلها مكفهرة / والزحام خانق !! / سوى أنه ما من شجرة واحدة / قد قطبت الجبين» (ص15) (أنصت ، لسورة الحديد ، يا بنى) / وربت ثانية على كتفى / ثم ابتسم للشجرة / الشجرة التى تقرأ / برواية ورش عن نافع» (ص26) إن على منصور لايقدم «مجازاً» بل يقدم حقيقة تتماثل مع ما صرح به كتاب الله حين أكد أن كل شىء يسبح لله «وإن من شىء إلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم» ، وعلى هذا المستوى يمكن أن نتعامل مع قصيدة »أحببن صوته ، مثلك ، يا آمنة» التى تصور ثلاث زهرات جاردينيا تهمس لربة المنزل ألا تغلق المذياع حتى يكملن ترتيل سورة مريم مع الشيخ «محمد صديق المنشاوى !!» .


إن ما سبق يمثل - عند الشاعر - الواقع الحقيقى أو حقيقة الوجود وإن كانت تفوق قدرتنا على الإدراك ، فى حين يبدو الواقع فى صورة أقرب إلى الفانتازيا ولنتأمل القصيدة التى تحمل هذا العنوان (فازنتازيا) : «الشاعر المسكين / الشاعر الذى تحدث فى قصيدته / عن جنيه ينزف دماً / فوق مانشيت (الانتعاش الاقتصادى) عن فتاة فجرت خصرها عن حاجز/ وأخرى تفجر خصرها فى الأغانى !! / عن المحمومين بالسؤال : أفائدة البنوك حرام أم حلال ؟! / بينما اللصوص يعبرون فى هدوء / بأموال المحمومين !!» (ص39) هذه التناقضات الحادة بين الحقيقة والوهم وبين واقع المقاومة وواقع الفساد هى التى تصنع صورة الفانتازيا المؤلمة .


نحن إذن أمام عالمين : عالم ظاهر دنيوى ملىء بالتناقضات والفساد ، وعالم خفى عميق مشمول بالإرادة الإلهية : «قالت صخرة فى البرية : أيها العابر ، انتبه قبل أن تموت / أيها الخائر فى الليل / واللاهث فى النهار / هلا وضعت رأسك مرة فى حجرى / وسمعت تسبيح الملكوت» (ص17) . وربما كان انقسام الوجود على هذا النحو مما يفسر توظيف الشاعر لظاهرة الحلم بوصفها نافذة للاتصال بعالم الغيب وهذا ما نجده - مثلاً - فى آخر قصيدة «المنور بيقينه» حيث «حلقت طيور / وانبعثت موسيقى مطمئنة / لتفتح شرفة رحبة / تطل على ملكوت باذخ .. لشهيد) (ص24) وكما يتبدى الحنين إلى عالم الملكوت المفارق للحياة الدنيا فإنه يتبدى - كذلك - إلى صورة الأب الغائب الذى يجد صعوبة فى استدعائه : «وإذ فشلت فى استعادة وجهك وجهك البعيد - يا أبى - بكيت ثانية / وتبللت ، من جديد ، وجنتاى بالدموع» (31) .


هذه التيمات الموضوعية تستدعى بالضرورة تقنيات فنية مغايرة وقد ظهر ذلك فى توظيف مايمكن أن نسميه بأسلوب الحجاج الذى يقوم على نأمل اللغة وما يستتبع هذا من استنتاجات منطقية حين نقرأ مثلاً : «الكلمات أيضاً ، قد تضل طريقها إلى المعنى يا أصدقاء / فاليسوعيون - مثلاً - أتباع يسوع / فكيف يكون «اللواطيون» إذن الذين لم يتبعوا لوطاً» (ص27) . كما نجد - فى قصائد أخرى - توظيف الشاعر لأسلوب الحكمة بإيجازها وتكثيفها للمعنى يقول فى «ذات مرة ، حدث نفسه» : «كما يبدو فى بعض القصائد مايسمى بأسلوب التعديد المعتمد على تواتر الإيقاع والتكرار (انظر قصيدة «شيخ القراءات السبع» ص55) . وفى قصيدة «همهمة تماثيل مصرية» نجد تضميناً خفياً لقصة «يوسف»: «ثمة من تربص بالضمير، ضمير إمنحوبى ، واستدرجه لبئر سحيقة / متى يارب تأتى سيارة / ويرسلون واردهم» (ص41) ويعتمد الشاعر - كذلك - على مايمكن أن نسميه بـ «تحديد الصورة» عن طريق التكرار والتفصيل كما يبدو فى هذا النموذج : «أما نحن / فصخب ولقط / منحب مزر / ولغط رث / ولا شىء آخر / فقط .. صخب ببعث على اشمئزاز / ولغط يثير رثاء» (ص37) .


وفى قصيدة «كأنها سياج» تتحول قيمة «الحرية» - وهى معطى معنوى - إلى ممارسات حياتية من خلال توظيف نمط الصورة المشهدية حيث تتحول «صناديق» الاقتراع إلى مزهريات وحدائق وأراجيح أطفال وعربات رضع تدفعها أمهات فرحات فى الطرقات (ص43) . وبالفعل فإن الحرية لاتبدو إلا فى ممارستها لأنها - أولاً وآخراً - فعل حياة وليست مجرد شعارات تفتقد مصداقيتها .