وحـشة النهار .. دهشة السرد بين الحكاية والسيرة الذاتية

20/10/2015 - 10:49:16

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

فرج مجاهد عبد الوهاب - ناقد مصرى

يقتحم الروائي السعودي خالد اليوسف، فضاء الرواية القائمة على أساليب السرد السيري، على مستويات سردية مفتوحة على عوالم متدخلة تقتحم أجواء (البيت، الأسرة، الصحراء، الحب، الجنس، شركة أرامكو) مع اختلاف العادات والتقاليد المرتبطة بالمعتقد، حيث يفاجئنا التخييل القائم على الجن ومرويات الذئاب والتداعي التذكري، مما يجعل قارئ روايته "وحشة النهار"  يحتار في تحديد مسارها الاصطلاحي.


 هل هي حكاية ناهضة بأحداث تتحرك على مسار التتابع الحدثي السردي، سواء أكان المحكي عنه واقعياً أو متخيلاً، حيث نهض بهذه الأحداث شخصيات محددة، في زمان ومكان معينين، وهذا ما حفلت به الرواية، خاصة وأن أحداثها تقع في صحراء، أجواؤها مفتوحة على الخيال والتخييل، وأبطالها أشخاص محدودون مقيدون بعوامل الصحراء وما تفرزه من قصص وحكايات، على رأسهم بطل الرواية (سهيل) الذي قام بمقام الراوي العليم والخبير السارد للأحداث والنقلات سواء الحركية أو النفسية بوساطة ضمير المتكلم الذي يحكي أحداثاً ويروى وقائع منها ما هو حقيقي ومنها ما هو متخيل، فيقدم أحداثاً ويؤخر أخرى، يستحضر ما فات، ويستشف ما هو آت، وهذا ما يجعلها مع جنس سردي آخر، يحيلها إلى مصطلح السيرة الذاتية، حيث السارد يقدم فصولاً من حياة السارد نفسه، مما خلق تماهياً واضحاً بين الشخصية والمؤلف، يدفع قارئها إلى تلقي النص بشكل تلقائي، مزدوجاً، يلتبس فيه التخييل الروائي بالمرجعي التذكري.


والمؤلف يشتغل على أسلوب روائي كاشف لكل من:


1- شخصية البطل وتماهيه، المبدع نفسه كراوٍ سارد وإنسان مشارك في بناء معمار الرواية.


2- الغوص في مفاصل الصحراء وما أفرزته من حكايات حول الذئاب والمراعي وقاطنيها.


3- عنصر التخييل ومرويات الجن، وحكايات الذئاب والصيد.


وكلها عناصر فاعلة، أسهمت بشكل أو بآخر في ترسيم مسار الرواية الذي بقى بين الحكي، ونسيج الحكايات، وبين السيرة الذاتية التي تكشف حياة البطل وهو يروي تفاصيل حياته بحلوها ومرها. "هذا نهار الصيف الطويل الممتد في أعماقي من دون نهاية، ووحدتي في بيت تعاشرني فيه الأشباح، وأصوات خفية أسمعها بين فينة وأخرى، وأحس بحركة الجان المضطربة".


من إيقاع هذه الأحاسيس المختلطة يفتح ذاكرته يروي حكاية ولادته في صحراء مترامية لا يوجد فيها غير أمه وأبيه الذي قام بتوليدها لتلده ويسميه أبوه "سهيل" يرتمي في أحضان الحياة، ويجد نفسه في بيت خربٍ متهالك، متساقط الأسقف والجدران مهجور منذ سنوات عشر لم يعد صالحاً للسكن إلا أن الروح النابضة تبقى في بيتنا الذي لا يتجاوز عمره الخمسين عاماً منذ وزعته شركة أرامكو على منسوبيها.


ويروى تفاصيل أسرته، أمه الشيعية العراقية التي أحبها وتزوجها، عشق الأب للصيد الذي أوقعه في موقف إنساني جعله يهجر الصيد، تفاصيل عشقه ل "غزيل الصلبية" التي رآها في الصحراء وأحبها ومارس معها عشقاً رائعاً من نوع خاص، وينتقل من خلال اعترافاته بين نقلات سردية متعددة، الزوجة الأم والمذهب المختلف عن مذهب أبيه، وتوصيف حياة الشيعة، وتوصيف مدينته التي تقع وسط الطريق الدولي للشمال، "ومدينتي ليست مدينة تضاهي مدني الحاضرة، وليست ذات تاريخ سليل، أو مجد عظيم، أو حضارات متراكمة، إلا أنها بلدة عصرية"، ولعل من أكثر ما كان يقلقه ويُقربه في الوقت نفسه ذلك الجو الصحراوي الذي يبدع في وصفه، وينتقل إلى دراسته في مدينة (سياتل الأمريكية) ومدينة (هيوستن) والعودة فاشلاً، فتحوله الشركة التي أوفدته للدراسة والتخصص إلى مجرد عامل، ليعود إلى غزيل التي زارته في مكان عمله، ويأخذها إلى بيته، ويجهز لها الحمام ويقف معها تحت الماء كطائرين تعانقا بعد طول غياب، "ووجدت إحساسي الهائج في ثورته لم يهدأ إلا بقبلات لكل مكان أصل إليه في جسمها الرخامي، ورحت ألعق بلساني ما علق على وجهها من صابون وشامبو وكأنه بمذاق الشيكولاته مع الفانيللا المثلجة".


    ويتوقف أمام مفصل مهم في حياته، يعود من خلاله إلى مراحل دراسته واكتشاف مهارته في الفن وتحوله إلى فنان تشكيلي، وخلافـه مع أستاذه الجديد الذي أحبطه بحجة أن رسم وتجسيد الأجساد الكاملة حرام، لنفتح بعد ذلك عن طريق أستاذ سوري يلتقيه في إحدى المكتبات على شهية القراءة "يزعم كثير ممن أجالسهم وأصادقهم إني قارئ نهم وأني لا أفوت فرصة للإطلاع واقتنصتها"، فيعود إلى الحي القديم للشركة الذي يوحي بهجران أهله له ووصف بيته المتهالك: "بيتكم هذا مهجور منذ سنين طويلة وقد استوطنته الجن بعدكم، وطردت جيرانكم. هم لا يعلمون ماذا أقدم للجان، وماذا يقدم الجان لي! لا يعلمون أن من أتعايش معهم في بيتنا القديم هم من خلق الله المطمئنين المؤمنين، وهم الذين يزيلون القاذورات والرجس وما تبقى من الأطعمة، وهم من كان الأمر بالعبادة قبلنا فلهم الأولوية في هذا"، ويسرد في تخييلاته كثيراً عن الجن ودرجاتهم وما ورد في سورة الجن ليعترف بأنه لم يأخذهم حرزاً أو تعويذة "فهم جيران سكن ارتضوا بحالي فلم أؤذيهم".


لذلك بقى شغوفاً بغزيل وقد استعمرت قلبه وكيانه، وتصيبه الحمي وهو عندها فيبقي في خيمتها ترعاه "لا تتركيني وحيداً مع نفسي، أنا لا أحتمل غيابك، ولن تهنأ عيناي من دون رؤيتك".


يعود إلى بيته وهو يعاني حالات نفسية خانقة، تدفعه إلى أحاديث الجان والتخييل حول من يسكن منهم معه لتبدد من خلال تهيئاته أنه لم يحس يوماً أنه على علاقة غرامية مع نساء الجن اللواتي يعشن معه، حتى ظن أن من يسكن معه من الجن ذكور لا نساء لهم أو معهم، وأن كل النساء اللواتي ضاجعهن في نومه هي من صنع خياله الذي يستحضر نساء لا شكل واضح لهن. ويرى من خلال ما يتخيل أن غزيل هي المرأة الكاملة في كل شيء يطلبه الرجل في المرأة وهي الأنثى الآسرة الشائكة النافذة بفتنتها وغنجها ودلالها، "الليل في بيتي يفتقد النساء وهو ليس كبيوت الأخرين حين هجعتها".


ويصل بعد ذلك التطور إلى أن: "الأسطورة التي يتوارثها الناس ليست إلا خيالاً لا يتلامس مع الواقع ولا يتفق مع عقولهم الفارغة للتسلية، أو للتأكيد على شيء يريدونه، وما من أثر لهذه الموروثات الخرافية في عصرنا بعد صدمة الحياة المعاصرة". ومن خلال العيش في وهم الليل والنهار يقع مريضاً فقد شفى من غزيل ولم يشف من الوهم والهم، ليبقى وحيداً مع الصحف وأخبار مرض أنفلونزا الخنازير متذكراً قول أبيه "العيب ليس في التوقف والتراجع عن العمل، العيب في استمرار الاستسلام والاقتناع بأنك انتهيت".


يزداد المرض عليه فيلجأ إلى القرآن الكريم، يقرأ سورة ياسين، يحس أن الدمع يخط "بحرارته في مقلتي وعلى خدي، وصلت الحرارة والغصة إلى حنجرتي، لكن ذكري لله لم ينقطع، أنا لا أستطيع البلع، حينها رددت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فكان صداها يضج في أذني وأزيد فأرددها بخضوع وهدوء".


على هذا الشكل التناولي كان من المفروض أن تنتهي الرواية على هذه النهاية الرائعة والمفتوحة على التساؤل والتشويق، إلا أن المؤلف أضاف فصلاً أخر كنت أتمنى أن لا يضيفه لأنه حرق النهاية الرائعة بزيارة أخيه مشاري برفقة أخيه مشعل ليجدا "سهيلاً مستلقياً على ظهره ووسادته العالية تحت رأسه، وظهره منتصباً للأعلى وقد سقط الرأس إلى الخلف، وعيناه زائغتان وإصبع سبابته مرفوع والمصحف على صدره"، ويأتي رأي الطبيب الشرعي أن وفاته طبيعية وقد مضى عليها إحدى وأربعون ساعة تقريباً.


لم يكن هذا الفصل مبررا وجوده حرق النهاية المفتوحة وحولها إلى نهاية تقليدية أقل من عادية، وأيا كانت الأسباب التي دفعت المؤلف إلى اختيار هذه النهاية فإنه قدم شكلاً روائياً حمل دهشة السرد وهو يتماهى بشكل فني بين مسرود الحكاية التي حملت الشوق والتشويق وبين مسرود السيرة الذاتية الناضجة التي قدمت صورة واقعية لحياة أسرة ضمن مجتمع يدخل أبواب التطور بعد اكتشاف النفط وشركة أرامكو من خلال نقلات سردية جمعت مفرزات المكان وذلك الزمان في وحدة روائية متماسكة ناهضة على لغة رشيقة متماسكة لتشير إلى قاصٍ مبدع يقدم إضافات فنية واضحة إلى مسيرة الرواية السعودية المعاصرة.