الشعر في فلسطين المحتلة عام 1948 .. قصائد تشبه الشعراء

20/10/2015 - 10:48:16

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

إعداد وتقديم: تحسين يقين - ناقد أدبي وفني من القدس المحتلة ، له مؤلفات في أدب الرحلات

    في مسيرة الشعر الجماعي تشبه مسيرة الشاعر نفسه، وينطبق عليه في مراحل تطوره ومراحله العمرية ما ينطبق على الجماعة؛ فقد تجد اتجاهات الشعر الفلسطيني الحديث والمعاصر ممثلا بسيرة الحياة الشعرية لشاعر سبعيني أو أكثر، لسبب طبيعي يتعلق بانفعالاته الشعورية والفكرية تجاه ما يجد في الحياة الفلسطينية موضوعيا بشكل خاص، وما ينفعل هو به على المستوى الذاتي إنسانيا، وما يتفاعل بين الموضوعي والذاتي.


   والمكان الذي نحن إزاءه هو فلسطين المحتلة عام 1948، والزمان هو هذا الزمن. وما المكان والزمان بمنأى عن المكان الفلسطيني والعربي والعالمي، ولا عن الزمان -التاريخ، خصوصا في استمرار العامل الموضوعي المؤثر على الأفراد والشعب.


    في هذا الملف، نحن في حالة استطلاع واكتشاف وتأمل أيضا. كما أننا في حالة تفكير في التاريخ الأدبي من جهة، وتفكير باتجاهات الشعراء/الشاعرات من جهة أخرى.


    ثمة اتجاهات واضحة تتعايش ولا تتناقض، تكمل روح الإنسان الفلسطيني الباقي هناك، وقد تكون مجتمعة لدى شعراء وشاعرات، وقد تكون ظاهرة بتركيز نحو اتجاه محدد، خصوصا لدى الجيل الجديد، الذي يحاول الاهتداء لصوته الخاص، في ظل التحولات العميقة التي أثرت على الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده، بما فيه المكان الأصلي، علما أننا وجدنا نضوجا للشعر شكلا ومضمونا باتجاهات ناقدة لدى أصوات، تتجاوز المضامين التقليدية للشعر الغنائي. ولعلّ من تلك الأصوات أصوات نسائية طموح نحو التغيير الفكري والثقافي.


    نستطيع أن نجمل بعض من استطعنا رصده من اتجاهات شعرية، من خلال الاطلاع على جزء من الإنتاجات الشعرية للمشاركين في هذا الملف، آملين أن نكون قد وفقنا نحن وهم في اختيار تلك القصائد.


    وأستميح قراء "الهلال" عذرا في التركيز على المضامين أكثر من الشكل الفني، علما أن إيراد الشعراء هنا يتم وفقا للاتجاهات لا للتقييم الإبداعي.


    ولعلنا نزعم أن اتجاهات الشعر في فلسطين المحتلة عام 1948، تتراوح ما بين الهموم الموضوعية الوطنية والقومية، والهموم الجامعة بينها وبين النزعة الإنسانية الفردانية، وبين الشعر الذاتي، ونختتم بالشعر النقدي فكريا وثقافيا؛ ونراها تجتمع ليس في الشاعر نفسه كما أسلفنا، بل في القصيدة الواحدة نفسها.


    وهكذا فإننا نرى أن تلك الاتجاهات لا تبعد عن اتجاهات الشعر الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة (فلسطين 1967)، ولا عن الشعر في الشتات، بل لم تبعد كثيرا عن اتجاهات الشعر العربي. أما أهمية ذلك دلاليا فهو قدرة الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة عام 1948، في الشعراء/ الشاعرات تحديدا في الانسجام مع الهم الفلسطيني والعربي، دون نسيان الذات المبدع في ظل الانطلاق الشعري إنسانيا، لدى معظم القصائد هنا، سوى من وجود محدود للخطاب المباشر، والذي ما زال يمثل اتجاها معنويا وفنيا. وهذا يعني حيوية الشعر والشعراء، وحيوية البقاء الوطني والقومي والإنساني.


    ولعلّ الشاعر الكبير حنا أبو حنا في قصيدته "كيف يُغْسَلُ عن شارعٍ ثاكلٍ قَمَرُ الأرجوان؟" قد أعلن عن هوية هذا النوع من الشعر:


"هذه الأرضُ


أقرأها نبتةً ً


مثلما راحتي !


في الفؤاد خريطة فتنتها


....


من سنديان الجبالِ


إلى النخلِ في الغَوْرِ


من شاطئ البحر.. للنهرِ


من شفة الجرحِ حتى جذور الدّموع


نوّصَ العمرُ


لم تخْبُ نار الهوى"


    في حين يعزف الشاعر العميق حسين مهنا على هذا اللحن الأساسي مستخدما لغة أخرى تجمع الذات والعام في قصيدته "فطائر بقل وفرح"، حيث يربط الشاعر بين حياة الأسرة وتاريخها عبر وصف الجدة- والأم وبين الوطن:


"سَنَةٌ أُخْرى تَنْضافُ الى سَنَواتِ العُمْرِ،


وما زالَتْ تَجْمَعُنا نَقَراتُ أَصابِعِها حَولَ الطَّبْلِيَّةِ


وَهْيَ تُعِدُّ فَطائِرَ بَقْلٍ شَرِبَ صَفاءَ المُزْنِ


وغَذَّتْهُ الشَّمْسُ


وأَرْضٌ تَعْرِفُنا من وَقْعِ خُطانا"


   ولعلنا نجد هذا الاتجاه واضحا في قصيدة "الشيخ والبحر" للدكتور فاروق مواسي، وإن نزع إلى الرمز واللغة الإيحائية:


"تَسْأَلُ أَمْواجٌ مُتَكَرِّرَةُ الإيقاعْ


في صَوْتٍ مُلْتاعْ


عَنْ غَيْبَةِ شَيْخْ


فَأَمانَتُهُ في القُمْقُمِ في القَاعْ"


   في "سقُوُطُ المنافي" للشاعرة إيمان مصاروة، نلمس الهم القومي بشكل مباشر، في نزعة عروبية تجمع بين ما يحدث من استلاب للأوطان:


"يا دمشقُ


أما لحزنِكِ من غيابٍ


يا طفولتَنا البريئةَ


في رِواقِ الياسمينْ"


    أما اتجاه الجمع الموضوعي والذاتي فنزعم أننا وجدناه في التجارب الآتية لدى كل من الشاعرة سلمى جبران والشاعرين جريس ديبات وتركي عامر. ومأساة سلمى جبران فجّرت قريحتها الشعريّة من جديد، فأخذت تنظم تعبيرا عن حزنها ومعاناتها ووحدتها؛ فنراها تارة في ثوب أمّ شابّة وحيدة تواجه مصيرها بطول صبر وأناة وطورا نجدها في ثوب المرأة المتحدّية كلّ القوانين الاجتماعيّة التي تحدّ من حريتها وممارسة إنسانيّتها.


    أما الاتجاه الذاتي المستغرق في الذات عشقا وتأملا، فنجده لدى الشاعرتين رانية أرشيد وآمال رضوان؛ وكلتاهما تحتفي بالجسد وتنحاز إليه، باعتباره الملازم للحب، فالخلاص في الحب يكون به ومن خلاله.


    أما اتجاه النقد الاجتماعي والفكري الشديد فنجده في قصيدة "الشرق" للشاعرة الدكتورة نداء خوري.


    وأخيرا، نرجو أن نكون قد وفقنا في إنجاز هذا الملف، علما أن هناك شاعرات وشعراء نجلهم ظلوا خارج الملف، إما لسعة الملف، وإما لعدم القدرة على التواصل.