قدر الكاتب في البلاد غير الديمقراطية

20/10/2015 - 10:31:50

مظاهرات المهاجرين فى أوربا مظاهرات المهاجرين فى أوربا

أليف شافاق - ترجمة: حسـين عيد - ناقد ومترجم مصري

نجد كلمة أدب في التركية "أدبيات"، من الجذر نفسه مثل "أدب"، وتعني "حسن الخلق"، أو "صحيح أخلاقيا". وقد وجدت دائما لهذا النسب اشتقاقا واحدا يؤسس له إلى حد ما. ولدى الكتّاب تناقضات لا حصر لها، وشخصيات متعددة، لكن لا توجد كلمة "لطف" بين صفاتنا الأساسية.


 إننا نميل، في الحقيقة، إلى أن نكون مخلوقات أنانية مع عصاب مخبإ بعناية وغرور، معروض بشكل صارخ. تمتلئ محفوظات الأدب العالمي بحكايات عن روائيين وشعراء، كانوا - طوعا أو كرها - يرهبون الشعب، الذي كان من سوء حظه أن يحبهم.


   ومع ذلك، ويا للغرابة، فإنّ نفوسنا طيّبة، رغم أننا قد لا نكون كذلك بالضرورة، لأننا نتغيّر حين نكون في خضم كتابة كتاب. نحن نتغيّر، وأجرؤ على القول إننا نصبح أشخاصا أفضل. يكون الروائي دائما أكثر حكمة عندما يكون داخل رواية عنه عندما يكون خارجها. تشكّل القصص رواتها بقدر ما يشكل الرواة قصصهم. نكون شخصا مختلفا حين نبدأ كتابا، وعندما يكتمل بمضي الوقت، فإنّ شيئا عميقا بالداخل قد تحول إلى الأبد. للقصص قوى داخلية خاصة بها، ومثلما يكتب أيّ شخص قطعة من خيال بشهادته، فإن الكتاب أقل سيادة على عبيد سفينة مقارنة بالعبيد الكادحين لتلك القوى الغامضة.


    من المثير للاهتمام، اليوم، أن تلك السلطة قد اكتشفت بواسطة عدد كبير من الناس الذين لديهم القليل ليفعلوه مع الأدب. تهتم الصحافة المطبوعة، أو الرقمية، التليفزيون والبث الإذاعي، الإعلانات، الأوساط الأكاديمية، العلاقات العامة، العلوم الشعبية، علم الأعصاب، حتى التمويل والتسويق، يهتم الجميع بكيف تحكي قصة لعدد أكبر من الناس.


   يعتبر الروائيون وكتاب القصة القصيرة هم الأبطأ نوعا في الاستجابة إلى هذا التطوّر. بينما نظلّ نكدح في جزرنا الصغيرة، على افتراض أنّ فن القص حق مكتسب لنا، يجري وضع قصص في أماكن أخرى قيد الاستخدام من قبل غير الكتاب. ويمكن لتمحور عالم القصة الجديد المتسع هذا أن يكون مثيرا للسرور لو لم يكن هناك خطر غير مرئي تحته، حيث يوجد بين رواة القصص اليوم للمرة الأولى بعض أرقام غير متوقعة من المتطرفين.


    لقد اكتشف المتطرفون اليوم سلطة سرد القصص، وهم يستغلون ذلك ببذخ لنشر ثقافة التعصّب. وقد كان لدى الحركات الاجتماعية طوال فترة السبعينيات، مفكروهم. اليوم لدى الجماعات الأصولية الإسلامية في الشرق الأوسط إلى الحركات اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء أوروبا، من القومية الروسية الفائقة، إلى الاستبداد الديني في تركيا، والأيديولوجيات الطائفية، رواة قصص خاصتهم، تقدم للشباب مجموعة قصص يؤمن بها، عن طريق وسائل الإعلام الاجتماعية والطباعة، قصص حقيقية أو وهمية، يتقاسمها المصابون برهاب الأجانب من كلّ الأنواع.


    تتوالد القصص في المجر، السويد، النمسا، فرنسا، ألمانيا، ومؤخرا القوميين المتطرفين في المملكة المتحدة، حول المهاجرين الذين يدمّرون نسيج مجتمعهم. ويتم في الوقت نفسه، تغذية المشاعر المعادية للغرب التي كتبتها الأسطورة القائلة إن الغربيين ليس لديهم قيم للأسرة، وأنهم يركلون أطفالهم إلى الخارج بمجرّد بلوغهم عمر البلوغ. أصبحت تلك القصص أدوات لصور نمطية وعقائد. في عالم يخلط بين "تشابه: sameness" و"آمن:safety "، و"بساطة: simplicity" مع "وضوح: clarity"، فإن المتعصّبين يستفيدون من القصص من كلّ جانب أقصى استفادة ممكنة.


    تزعم حركات اليمين المتطرف عبر أوروبا أننا سنكون أكثر أمانا وسعادة وثراء إذا كنا جميعا من النوع نفسه. تغسل الأصولية الإسلامية دماغ الشباب بالتفكير في أنهم ليس لديهم شيئ مشترك، ليس فقط مع غير المسلمين، ولكن أيضا مع أولئك المسلمين الذين لا نتفق معهم.


    وسواء تمّ اجتذابهم بالسيوف والصلاة، أو مع الصليب المعقوف والوعود، فإنّ الحدود بين "نحن" و"هم" تتفاقم. لكن تلك حدود متخيلة. ومن سيكون أفضل من كاتب، مخلوق من خيال، كي يشكك في المعازل العقلية التي تحاول الأيديولوجيات المتطرفة اصطيادنا بها؟


    لا تتحدث السياسة  والأدب اللغة نفسها. إذ في حين تزدهر السياسة على التعميمات، يرعى الأدب الفروق الدقيقة بحنان. يصنع الأول من ثنائيات صلبة، بينما الأخير من مياه متدفقة. وفي حين تسهب السياسة في بيان كيف نختلف عن الآخرين، يظهر الأدب مدى التشابه فيما بيننا حتى مع أولئك الذين يبدون أنهم الأبعد. لذلك يقال، أنه ليس لدى المؤلفين غير الغربيين علاقة مختلفة مع السياسة عن زملائهم الغربيين. بينما الكتاب من الأراضي التي ماتزال الديمقراطية تشكل فيها أملا بعيد المنال، مثل تركيا، باكستان، نيجيريا، ومصر، فانه ليس لديهم رفاهة أن يكونوا غير مبالين بالسياسة. أما بالنسبة للمؤلفين غير الغربيين، فإنّ كل قراءة نمنحها لهم، كل مهرجان نحضره، يكون من المرجح أن نسأل أسئلة سياسية أكثر من تلك الأدبية أو الفنية.


    ولكن ليس المؤلف غير الغربي فقط هو الذي ينبغي عليه أن يولي انتباهه إلى عالم السياسة اليوم. ليس بعد الآن. عندما جرى اختطاف سرد القصص من قبل المتعصبين من كل الجهات، سواء طالب المؤلفون باستعادة الفن والبراعة أم لا، لأنّه سؤال يعنينا جميعا.


    تطرق السياسة في هذه الأيام الباب من قبل مؤلفين غربيين. هل سيقومون بفتح الباب والسماح لها بالدخول أو يظلوا في انتظار أن يبتعد الضيف غير المتوقع بعيدا؟ وماذا إذا كان الضيف قد جاء إلى هنا ليبقى؟ هناك ما يكفي للفهم بأنه حتى في أقصر رحلة لأي مكان في الشرق الأوسط سيتم اكتشاف أن هناك فجوة معرفية مقلقة قد فتحت بين مناطق مختلفة من العالم يتصاعد فيها للأسف عدد الأشخاص الذين لا يؤمنون بأنّ حقوق الإنسان والمرأة وحرّية التعبير هي قيم عالمية. لا يوجد بلد أو مجموعة بلدان في مأمن من جنون مستمر. لا تربط العولمة بيننا ماليا وتقنيا فقط، ولكن تتشابك أيضا قصصنا وبالتالي مصائرنا.


    واجب الكتاب أن يبنوا جسور تعاطف. هذا لا يعني أن تكون رواياتنا سياسية. ينبغي علينا الاستمرار في كتابة نوع القصص الذي نريد أن نكتبه.


   ولكن في الوقت نفسه، يجب أن نتحدث عن الديمقراطية والتعددية والكونية والتعايش، من خلال حملات ومشاريع اجتماعية، وشبكات العمل، وأعمال المجتمع. الكتاب مخلوقات متفرّدة. ولكن هذا قرن جديد مع معضلات لم يسبق لها مثيل. نحن بحاجة إلى ترك مناطق راحتنا والانخراط مع العالم الذي نستمد منه قصصنا. يجب على كل منا أن يجد طرقا لتحقيق ذلك دون المساس بحريتنا الفنية أو تفرّدنا.


   قالت دوريس ليسنج، ذات مرة عن حقّ، إنّ الأدب يعتبر تحليلا بعد الحدث. يواجه الكتاب، اليوم، سواء المؤلفون الغربيون وغير الغربيين بتحد: هل يمكن أن نكتب، نفسّر، ونحلل، ليس لما بعد الحدث، بل أثناء الحدث؟!


(جريدة "الجارديان": الأحد 22 مارس 2015.)


أليف شافاق، أكثر روائية تركية مقروءة، حائزة على عدة جوائز. نشرت ثلاثة عشر كتابا، منها تسع روايات، وثلاثة كتب مقالات، وكتاب مذكرات، وآخر رواياتها "المهندس المتدرب" التي نشرت ترجمتها بالمملكة المتحدة في نوفمير 2014. وقد ترجمت كتبها إلى أكثر من أربعين لغة. وهي ناشطة أيضا في وسائل الاعلام الاجتماعية بأكثر من 1.6 مليون متابع.