مصير حرية الفكر فى النظم الثيوقراطية أو العسكرية

20/10/2015 - 10:04:44

إحدى الحضرات الصوفية إحدى الحضرات الصوفية

د. محمود إسماعيل - كاتب مصرى

حرية الفكر فى مصر الإسلامية - إلى أى مدى؟


معلوم أن حرية الفكر شرط أساسى لتناميه وازدهاره؛ لذلك تشكل مطلبا أساسياً للنخبة المفكرة على مدار الزمان والمكان، والحديث عن حرية الفكر - بهذا المعنى - تعنى حديثا آخر وهو المصادرة على تلك الحرية من لدن خصومها المتمثلين فى “السلطة” كنتيجة طبيعية لاصطدام المقاصد والمصالح. إذ تستهدف السلطة الحفاظ على الوضع الراهن وتكريسه والإبقاء عليه، ففى ذلك إبقاء على وجودها وضمان لاستمرارها.


أما المفكر، فتتحدد مقاصده وغاياته فى تغيير “الأمر الواقع” أو على الأقل تطويره وإصلاحه، والارتقاء، به نحو الأفضل، خصوصا إذا ما كان “مفكراً عضويا” حسب مفهوم “جرامشى” لذلك فالصدام بين القطبين حتمى ومنطقى، خصوصا إذا ما كانت السلطة استبدادية طاغية..


وننوه بأن “السلطة” لا تقتصر على النظام الحاكم وحسب؛ بل غالبا ما يصطنع الحاكم صنائع من المفكرين من الذمم لتبرير سياساته وتسويغ أيديولوجية الحكم. وعلى العكس فثمة من الحكام من عرفوا بالاستنارة واتسمت سياساتهم بإقرار العدل والنظام، عندئذ يختفى الصدام بين المفكر والسلطة، وينبرى المفكر لترشيدها وتنويرها وحثها على المزيد من الإصلاح والتسامح، وتوسيع دائرة الحرية الفكرية، الأمر الذى يشجع المفكر على الإبداع والابتكار.


وخلال العصور الوسطى الإسلامية، شهدت المجتمعات الإسلامية النمطين معا، وإن كان نمط الصدام بين المفكر والسلطة هو الأرجح والأعم، ويرجع ذلك لأسباب سوسيو - سياسية فى المحل الأول، سوف نعرض لها بعد قليل. إذ كانت النظم الحاكمة فى الغالب الأعم إما ثيوقراطية، بالادعاء أو عسكرية بالتغلب، ومن ثم صادرت على حرية الفكر، وكرست الدين لتبرير وتكريس الاستبداد واصطنعت “فقهاء السلطة” وأغدقت عليهم، وجندتهم لمناوءة وتجريم الخصوم الذين كانوا يمثلون فقهاء المعارضة، فأفتوا بكفرهم ومصادرة ممتلكاتهم وتحريض العامة على إحراق كتبهم.


بديهى أن تتعاظم ظاهرة المصادرة على الفكر خلال عصور وحكومات “العسكر تاريا”، وغدا الصراع بين “أهل السيف” و “أهل القلم” نغمة متواترة فى “أدبيات” تلك العصور، وكان ذلك من أهم أسباب “انحطاط” الفكر وتعاظم أزمته المتوارثة عن عصور الظلام، أما عن تاريخية الفكر بين الحرية والمصادرة؛ فتلك قوام منهجنا فى تناول موضوع هذه الدراسة . إذ من الخطأ والخطل الاكتفاء بمجرد رصد الظاهرة رصدا وصفيا تجريديا بمعزل عن تقصى الأسباب والعلل - فى الحالين معا - والتى لا يمكن الوقوف عليها إلا من خلال الوقوف على الخلفية السوسيو - تاريخية التى أفرزت النمطين معا - الحرية والمصادرة حسب معطيات الواقع الاقتصادى -الاجتماعى والسياسى . فقد اقترنت عصور “حرية الفكر” بسيادة نمط الإنتاج البرجوازى الذى أفرز نظما “متبرجزة” خلال قرنين يتيمين على مدار الإطار الزمانى الطويل للتاريخ الإسلامى . بينما اقترنت آفة المصادرة على حرية الفكر بسيادة نمط الإنتاج الإقطاعى الذى غمر العالم الإسلامى بأسره- وضمنه مصر بطبيعة الحال - وأفرز نظما أوتوقراطية وعسكرية مسئولة عن تخلف الفكر الإسلامى ووأد تياراته العقلانية والتجريبية المبدعة.


فى ظل تلك النظم، جرى الخلط بين الدين والفكر؛ وكرسا معا لخدمة السياسة، وكانت النتيجة هى الفشل والإخفاق فى كافة تلك المجالات.


وقد أسهمت مصر بدور محورى فى الحضارة والفكر الإسلامى لكن وجب التحفظ - فى هذا الصدد - فى الحديث عن فكر مستقل عن الدين والسياسة، حتى فى مجال الفكر الدينى نفسه. وحسبنا أن مصر لم تنجب فيلسوفا واحدا بقدر ما أنجبت من فقهاء ومحدثين، كما كان دورها فى مجال علم الكلام، ثانويا، وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة إسلام المصريين المتسم بالاعتدال . هذا فضلا عن كونها لم تشهد قيام دولة مستقلة كبرى تجتذب العلماء والمفكرين إلا فى العصر الفاطمى، الذى يمثل أزهى عصور ازدهار الفكر الإسلامى بها.


وحتى فى مجال العقائد والفرق، شهدت مصر وجودها جميعا، دون أن تنتج إبداعا يذكر؛ لا لشىء إلا لأسباب ترجع إلى طبيعة إسلام أهلها الذى يتسم بالفطرة والاعتدال؛ ممثلا فى مذهب أهل السنة دون غيره من المذاهب الأخرى التى لفظتها البيئة المصرية.


على أن سمة الاعتدال تلك لم تخل من إيجابيات . فلم تشهد مصر ذلك الصراع الدموى بين المفكرين والسلطة، ولا بين الفرق الدينية، ولا المذاهب الفقهية السنية، كما كان الحال فى الأقاليم الأخرى من “دار الإسلام”.


ومع ذلك، وجدت الظاهرتان - الحرية الفكرية والمصادرة- بمصر؛ وإن بدرجة أقل حسب المعطيات التاريخية الموحدة فى سائر الأقاليم، حيث شهدت نفس النظم والحكومات، وعرفت سائر الاتجاهات والتيارات الفكرية التى شهدها العالم الإسلامى؛ كنتيجة طبيعية ومنطقية لوحدة الصيرورة التاريخية فى “دار الإسلام”.


فخلال عصر الولاة فى مصر؛ ظهرت مدرسة الفسطاط التى أبدعت فى مجال العلوم الدينية- وخاصة فى الفقه - حيث أنجبت الإمام الشافعى “بفقهه الوسطى” الذى يعول على الرواية والدراية فى آن. كما شهدت وجود المذاهب الفقهية الأخرى التى تطورت وتطوعت مع معطيات البيئة المصرية، حيث تقاربت وتحاورت، دون رفض أو نفى للآخر، بما يؤكد خصوصية نوعية فى مجال التسامح والحرية؛ الأمر الذى كان من وراء تميز الشافعى الذى أبدع “علم أصول الفقه”.


كما شهدت مذاهب الشيعة المختلفة- خصوصا المعتدلة كالمذهب الزيدى - فضلا عن المذهب الخارجى الإباضى المعتدل، ومع ذلك ظل المصريون موالين لمذهب أهل السنة والجماعة . ولم يحل ذلك دون مصادرة ولاة مصر على حرية تلك المذاهب التى اضطرت إلى “الستر” و “التقية”.


كانت حرية الفكر - النسبية - تلك نتيجة لسيادة نمط الإنتاج البرجوازى خلال الفترة ما بين منتصف القرن الثانى ومنتصف القرن الثالث الهجرى. ونظرا لعدم قيام “ثورة برجوازية”، كانت حرية الفكر المتاحة جد محدودة - وإن فاقت بقية الأقاليم الأخرى - حيث جرى التسامح بصورة واضحة مع أهل الذمة فى مصر. وكان ذلك من وراء خصوصية  مصر - إلى حد كبير - فى تعاظم إسهام مفكريها وفقهائها فى بناء صرح الحضارة العربية الإسلامية.


على أن انتكاس “الصحوة البرجوازية الأولى” وسيادة الإقطاعية من منتصف القرن الثالث القر إلي مننضف الرابع الهجريين، أفضى على الصعيد السياسى إلى استقلال مصر عن الخلافة العباسية، لتشهد حكما إقطاعيا عسكريا ممثلا فى الدولتين الطولونية والإخشيدية.


وبديهى أن تنتكس النهضة العلمية والفكرية فى هذا العصر، ويتبنى حكام مصر المذهب الأشعرى السنى الذى صادر على حرية الفكر، وأصابه بالعقم، ففشى التقليد وتقلصت العلوم الطبيعية والرياضية، وذاعت الخرافات والشعوذات على حساب العقلانية والتجريب. ولم يخطئ “محمد أركون” حين ذهب إلى أن العالم الإسلامى بأسره - وضمنه مصر بطبيعة الحال - شهد حملة ضارية على المذاهب الكلامية والفرق الدينية - خصوصا الشيعة - فضلا عن اعتبار علوم المنطق والفلسفة والفلك والهندسة محض “هرطقات” بل إن علماء الحديث - الشيعة والمعتزلة - ضربوا بالسياط وصودرت ممتلكاتهم، وأحرقت كتبهم، وعاشوا فى فقر ومسغبة؛ على حد قول باحث معاصر، ناهيك عما حل بأهل الذمة من اضطهاد، وإلزامهم بلباس خاص، ورسمت صور الخنازير والقردة على أبواب دورهم. وتعاظم اضطهاد الحنابلة لفقهاء المذاهب الأخرى، ومال فقه الشافعى إلى ترجيح النقل على العقل.


وظهر فى مصر - كسائر الأقاليم الأخرى - علم “الخلافيات” بما يعنى دمغ الخصوم بالكفر والإلحاد واستباحة دمائهم، وإحراق “مدوناتهم” ولا غرو؛ فقد شهدت مصر صراعا حادا بين المالكية والأحناف، كما فر الكثيرون من علماء المذاهب الأخرى إلى بلاد المغرب والأندلس، هربا من الاضطهاد والمصادرة.


إبان “عصر الصحوة البرجوازية الثانية” من منتصف القرن الرابع إلى منتصف القرن الخامس الهجريين - تنفس المشتغلون بالعلوم الدينية والدنيوية الصعداء فى ظل المناخ “ الليبرالى” الذى أتاحه الفاطميون بعد استقلالهم بمصر عن الخلافة العباسية.


ونظرا لكون جل الخلفاء الفاطميين من المشتغلين بعلوم الحكمة، ولأن دعوتهم جرى دعمها بالفلسفة والطبيعيات؛ فقد أحدثوا نهضة فكرية وعلمية غير مسبوقة، إذ شجعوا العلماء والحكماء - الذين وفدوا إلى القاهرة - على الإبداع والابتكار، وأقاموا “الأزهر” الذى كان جامعة إسلامية يؤمها الدارسون لتلقى العلوم الدينية والدنيوية، فازدهرت العلوم الدينية بعد أن اكتسبت نزعة “هيومانية” دنيوية، كما شهدت العلوم الدنيوية طفرة كبرى بعد اعتماد المنهج العلمى التجريبى.


وما يعنينا هو أن “حرية الفكر” كانت من وراء هذه النهضة، إذ تسامح الفاطميون مع أهل الذمة؛ حتى تقلد بعضهم منصب الوزارة، بل إن الوزير “يعقوب بن كلس” - النصرانى - كان من وراء هذه النهضة . كما جرى عقد “المناظرات” الفكرية والدينية فى مناخ من التسامح. ذكر “كلود كاهن” أنه كان غير مسبوق، فلم يصادر الفاطميون حتى على آراء وأفكار الزنادقة والملحدين، وأتاحوا للمذهب السنى التطور، وحفزوا فقهاءه على التخلى عن التعصب والجمود، ولا غرو؛ فقد عينوا قضاة من أهل السنة فى دولتهم الشيعية الإسماعيلية؛ فكان الفقيه “الدمنهورى” يفتى وفق آراء كافة المذاهب حتى لقب بلقب “المذاهبى”، ونجم عن ذلك تقارب وتواصل بين أهل الملل والنحل فى دولة الفواطم، كما شجعوا المفكرين على الكتابة فى فن “السياسة” بروح نقدية.


بديهى أن تنتكس “حرية الفكر” بعد سيادة “الإقطاع العسكرى” على ركام “الصحوة البرجوازية الثانية” - حول منتصف القرن الخامس الهجرى- حيث ابتلى العالم الإسلامى بحكومات “العسكر المتغلب” الذى استعان بفقهاء السلطة من الأشعريين السنة المتعصبين، فدخل الفكر الإسلامى - من ثم - طور “الانحطاط”؛ على حد تعبير “ابن خلدون” لقد ابتليت مصر - كسائر الأقاليم - بهذه الظاهرة خلال حكم الأيوبيين والمماليك. ونعلم أن صلاح الدين روج لفكر “الغزالى” النصى الغيبى القائم على ثالوث من الأشعرية والمذهب الشافعى والتصوف التهويمى الطرقى. وأسس المدارس - على غرار “نظامية” بغداد - بهدف محاربة سائر مذاهب قوى المعارضة؛ فضلا عن تحريم العلوم الدنيوية وتجريم المشتغلين بها بعد اتهامهم بالزندقة والمروق. ولا غرو؛ فقد أشعل صلاح الدين النار فى “دار الحكمة” واتخذ من جلود الكتب أحذية لجنده وعبيده، كما أعدم “السهروردى” الفيلسوف الصوفى الإشراقى، وأمعن فى تعذيب وقتل من تمذهب بالمذهب الإسماعيلى.


لذلك غابت العلوم الطبيعية إلى الحد الذى ذكر فيه أحد مؤرخى العصر ... “اندب العلم وأهله وإرثه وحامليه، وابك رسومه، وحى طلوله، وسلم عليه تسليم الوداع”.


 ولا غرو؛ فقد تحول علم الطب إلى خرافات وشعوذات، والفلك إلى تنجيم والكيمياء إلى “سيمياء” وأصبحت الرياضيات من العلوم المهجورة، وحرم النحو لأن جل علمائه شيعة أو معتزلة، ولكونه يعتمد على المنطق، بل إن “علوم الأوائل” برمتها جرى اعتبارها “من تلبيس إبليس”.


ووصل التعصب المذهبى ذروته، حتى بين المذاهب الفقهية السنية، فدارت معارك دامية بين الشافعية والحنابلة، وكرس الشافعية فقههم - الذى تحول إلى النقل على حساب العقل - لتبرير سياسة السلاطين الجائرين من الأيوبيين والمماليك، واختزل “علم الكلام” فى الرد على المبتدعة المنحرفين فى الاعتقاد عن مذاهب السلف.


لقد كان هذا الانحطاط العلمى والفكرى نتيجة حتمية للتعصب الدينى والمذهبى والمصادرة على حرية الفكر.


وكان من البديهى أن يتمخض عن ذلك رد فعل؛ فعبر أدباء المعارضة عن رفضهم هذه السياسة والتنديد بالسلاطين وفقهائهم.


يقول أحد شعراء العصر:


قاض إذا انفصل الخصمان ردهما


إلى الخصام بحكم غير منفصل


يبدى الزهادة فى الدنيا وزخرفها


جهرا، ويقبل سرا بعرة الجمل.


كما عكس الأدب الشعبى تسلط وتعصب السلطة العسكرية الأيوبية، كما هو الشأن فى الروايات المنددة بالأيوبيين فى شخص وزيرهم “قراقوش”؛ بل لم يتورع العوام عن التنديد بسلاطين الأيوبيين والمماليك أنفسهم جهرا وعلانية.


لذلك؛ كتب بعض المؤرخين فى “أدب السياسة” بهدف نصح الحكام وترشيدهم، ورد “المقريزى” الفساد السياسى والإدارى والكساد الاقتصادى إلى الحكام وسياساتهم المشتطة. كما طالبهم “ابن الأعرج” بالعودة إلى “الشورى” أما “السيوطى” فقد رد هداياهم واعتكف بمنزله احتجاجا؛ بينما ندد “ابن حجر” بسياسة التعصب ضد أهل الذمة؛ خصوصا بعد مصادرة أموالهم وانتهاك حرمة كنائسهم . أما “ابن تيمية” فقد حاول صياغة دعوة فى “الإصلاح” ذات طابع سلفى ؛ لذلك أودع السجن.


خلاصة القول؛ إن حرية الفكر كانت مرتبطة بمناخ “الليبرالية” الذى أشاعته نظم “متبرجزة”، وأن المصادرة عليها جرت من قبل نظم إقطاعية ثيوقراطية وعسكرية متعصبة دينيا ومذهبيا. كما أن العصور التى شهدت حرية الفكر كانت جد محدودة بالقياس إلى عصور التعصب والمصادرة، بما يؤكد رؤيتنا عن “تاريخية” الفكر.