هل انتهت الفلسفة ؟

20/10/2015 - 10:03:14

شعار ثورة 25 يناير 2011 شعار ثورة 25 يناير 2011

د. حسن يوسف طه - كاتب مصري

    كثيرا ما سمعنا عن نهاية الفلسفة أو من ينادى بأنه لا أهمية للفلسفة أو من يقول لك "بلاش فلسفة". كان أوجست كونت يتصور ويعتبر أن الفلسفة مرحلة من مراحل التفكير الإنساني وتنتهي بوصول التفكير إلى مرحلة التفكير الوضعي أو العلمي. كان يتصور أن الوصول إلى التفكير العلمي هو المرحلة المطلوبة والمنشودة للإنسان وساعتها تنتهي الفلسفة وتسلم رايتها للعلم. كما رأت المدرسة الوضعية المنطقية وأتباعها سواء آير أو فتجنشتين أن مهمة الفلسفة هي البحث عن المعنى والدلالة للقضايا التي لم يتمكن العلم من تحليلها. إذن الوضعية المنطقية حصرت مهمة الفلسفة في تحليل القضايا والأفكار والألفاظ، ولكن ما حدث أن كل تلك الاتجاهات والمدارس ذهبت إلى عمق التاريخ وبقيت الفلسفة معلنة عن ذاتها وأهميتها والسبب ببساطة أن الفلسفة هي الإنسان. في الفلسفة يجد الإنسان نفسه التي تقوده إلى ما يجب أن يكون، فترشده إلى مواطن الزلل والخطأ. الفلسفة في حقيقتها منارة هادية يحتاجها الإنسان عبر رحلته في الحياة، وكلما زادت المشكلات زاد الاحتياج إلى الفلسفة.


    إن الفلسفة هي حاضنة للدهشة ومفجرة للسؤال. الفلسفة هي التي تتمكن من إطلاق (الماينبغى) للإنسان ورسم معالمه في العالم البعيد، أو لنقل إنها ترسم له العالم المثالي أو الافتراضي بلغة العصر. و(الليس- بعد) بلغة ارنست بلوخ.


    الفلسفة هي تفجير لآفاق الأمل المنشود والمرغوب. والفلسفة دوما تربط الإنسان بالسماء محاولة منها تذكيره أن الحقيقة الكلية في أفق السماء العليا وعلى الإنسان محاولة الوصول إليها.


    لدي قناعة أن الفلسفة الحقة هي القادرة أن تصل للجميع وللبسطاء سواء نصف المثقف أو نصف المتعلم. فمهمة الفلسفة تكمن في قدرتها على مداعبة العقل لتجعله يتغير أو يحاول أن يتغير. وهذا ما انتبه إليه كل من زكى نجيب محمود وعبد الغفار مكاوي. تلك نماذج كان لديها قناعة راسخة بأن الفلسفة أبدا لن تكون لها قيمة ولا فائدة إلا إذا تمكنت أن تخاطب الجميع في كافة مستوياتهم. وفى مجال دور الفلسفة في تغيير المجتمع فإننا نسأل: هل نحن في حاجة إلى التغيير؟ بعد أن قامت ثورتان عظيمتان في مصر (25 يناير 2011، 30 يونيو 2013)؟ الإجابة بنعم. صحيح قامت الثورة في مصر، ولكن لماذا قامت الثورات؟


    قامت الثورات من أجل أهداف اجتماعية وآمال شعبية تود أن تتحقق. فوجدنا شعار الثورة الأولى "عيش، حرية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية". وقامت الثانية من أجل إعادة الهوية المصرية بعد أن رأينا ما حدث بعد سرقة الثورة الأولى 2011 فهب الشعب من أجل إعادة الهوية المصرية إلى جانب تحقيق المطالب المنشودة والمأمولة. ولكي يتحقق ذلك فلا بد من أن توجد وسيلة لتحقيق ذلك. فلا يعقل أن نفكر بالطريقة نفسها التي كنا نفكر بها. ولا يمكن أن نسير الطريق بالآلية نفسها التي كنا نسير بها. إن الأمر مختلف وعلينا أن نقتنع أننا في حاجة إلى نمط فكرى وطريقة عمل جديدة تجعلنا قادرين على تحقيق ما نريد وما نأمل. هذا هو لب التغيير وجوهر التغيير.


    نحن لم ندخل إلى دائرة التغيير فكل شئ كما هو (فالما قبل) مثل (الما بعد) بمعنى أن ما قبل الثورة أي نمط التفكير هو هو لم يتغير ولم يتبدل، بل من المؤسف أن الأمور تسير إلى الأسوأ.


    الثورة تعنى تغيير الأساس والجوهر وليس الظاهر والعرضي. ولا فائدة في ثورة تغير أشخاصا أو مظاهر سطحية لكن الأساس والنظام كما هو. هنا تفقد الثورة معناها ومغزاها. وقد أشار زكى نجيب محمود إلى أن "الثورة هي أن يتغير الأساس، أن يتغير النمط أو المنوال، تغيراً يتبعه بالطبع أن يتغير المحصول الناتج، وأن تتغير الأوضاع والقوانين، بما يتناسب مع الأساس الجديد، أو النمط الجديد. والمنوال الجديد".


    والسؤال: هل تم وضع قواعد وقوانين نتمكن من خلالها مواجهة الإرهاب ومواجهة ومحاسبة كل الجماعات المخربة؟ هل تم وضع قوانين تتماشى مع الواقع الراهن بحيث نتمكن من محاكمة كل الخونة والفاسدين. أم أننا مازلنا على قوانيننا القديمة التي لا تفعل شيئا وتطيل المدة ومن ثم يفلت الجميع من العقاب ونجد أنفسنا في خاتمة المطاف كأننا لم نقم بثورة لأن الأمور تسير من سيء إلى أسوأ!


حاجتنا للفلسفة


    كلما ازدادت المشكلات داخل المجتمع ، وعقم الفكر على مواجهتها وحلها. هنا نقول إننا في حاجة إلى الفلسفة ولعل هذا ما جعل أفلاطون ينادى بالحاكم الفيلسوف لأنه كان يدرك أن الفيلسوف لديه الحلول للمشكلات. إن الفلسفة هي القادرة على مواجهة المشكلات بما لها من قدرة على التحليل والتناول المنطقي. ربما هي لا تضع الحلول الآنية للمشكلات. ولكنها تكشف عن سبب تلك المشكلات وتثير التساؤلات حول تلك القضايا فيتضح السبب المباشر في المشكلات التي نعانى منها.


وفى مصر نعانى من العديد من المشكلات. والسبيل لمواجهتها هو الفلسفة. بها يتمكن الذهن المصري من كشف مناطق الزلل ومن ثم يضع الحلول التي يمكن أن تواجه مثل تلك المشكلات. هذا إذا كنا جادين حقا في وضع حلول للمشكلات. ففي أغلب الأحيان لا يراد للمشكلات أن تحل، فمثلا العدالة الاجتماعية.. هل كل طوائف المجتمع راغبة في تحقيقها؟ أيضا أحيانا يكون التوجه السياسي نفسه هو الذي يريد ويرغب في عدم الحل أو وضع الحلول لأنه هو المستفيد، وبوجودها يضمن البقاء والتسلط والهيمنة. ومما يؤسف له أن مجتمعنا المصري يكفر بالفلسفة وبضرورتها وبمشغليها.


    الفلسفة هي نقطة البدء والأساس الجوهري لأي حضارة، ووضوح هذا الجوهر يجعل الحضارة تصل إلى الذروة وتصبح علامة في التاريخ الإنساني. ولكن عندما يتحجر الفكر وينعدم السؤال هنا تنهار الحضارات وتفقد قدرتها على البقاء. وعلى ذلك يمكن أن نفهم لماذا انهارت الحضارة المصرية القديمة أو اليونانية أو حتى الإسلامية. السبب ببساطة هو الجمود والثبات والاكتفاء بالشروح والنقل وهذا المعنى أشار إليه برتراند رسل في كتابه (حكمة الغرب). فقد نضب معين الحضارة المصرية القديمة حينما عادت الأمة المصرية تمجد الماضي. أما الحضارة اليونانية فقد خبت حينما لم تستطع أن تأتى بأرسطو آخر واكتفت بأن عاشت على أمجاد عسكرية حققها الإسكندر الأكبر. وكذلك في الحضارة الإسلامية، حينما اكتفى السلفيون بفكر الغزالي في (تهافت الفلاسفة) و(إحياء علوم الدين) وحورب العقل والفكر فكانت نكبة ابن رشد وإحراق كتبه في القرن الثاني عشر دليلا على أن الأمة لم تحتمل جرأة الفيلسوف وعبقرية الفكرة.


    والفلسفة بحث في الجذور بمعنى أنها تتعقب الأشياء الظاهرة لكي تصل إلى جوهرها ، والوصول إلى جوهر الأشياء يفسر لنا كل الأشياء سواء الظاهري أو غير الظاهري . أيضا نقول إن الفلسفة هي التساؤلات أو مجموعة التساؤلات التي تثيرها إزاء الأشياء. والتساؤل ينشأ من الدهشة. فالأشياء التي تدهشني تجعلني أتساءل، والتساؤل يثير تساؤلا وهكذا.


    والواقع أنه مهما تفرقت كلمة الفلاسفة حول موضوع الفلسفة، ومنهجها، وغايتها، فإن الكل مجمع ـ أو شبه مجمع ـ على القول بأن التفلسف هو ضرب من النظر العقلي الذي يهدف إلى معرفة الأشياء على حقيقتها. ولعل هذا هو ما حدا بالفيلسوف الأمريكي المعاصر رويس إلى القول إن "المرء يتفلسف حينما يفكر تفكيرا نقديا في كل ما هو بصدد عمله بالفعل في هذا العالم".


    وهنا نتساءل متى يتمكن العقل المصري من أن يفكر بطريقة نقدية؟ كيف يمكن أن نضع كل شئ موضع السؤال؟ إن أهمية الفلسفة في أنها تسأل مثلا: ما الهدف من التعليم؟ هل التعليم وطريقته تصلح لكي تسير بالمجتمع إلى الأمام؟ هل حقا هناك من يريد أن يطور التعليم؟ ومن المعروف أن إصلاح التعليم سيؤدى لإصلاح السياسة وترعرع الديمقراطية ولكن هناك من لا يريد ذلك. وعليه فإن الجهود تبذل لضرب التعليم وتحطيمه وتخريج عقول سطحية ليس لديها قدرة على التفكير أو النقد أو التحليل.


    هذا مثال بسيط لنبين مدى أهمية الفلسفة في المجتمع المصري. نحن في حاجة إلى أن نسأل ونتساءل عن كل ما يحيط بنا في واقعنا ولا نقبل ولا نسلم بكل شئ تسليما أعمى. لا بد أن نحدد معاني الكلمات التي نلوكها دوما بلا تحديد للمعنى، مثل (الإيمان)، (شرع الله)، (الشرعية)، (المواطنة)، (الليبرالية)، (العلمانية)، (الإرهاب)، (العنف)، (المصالحة). كلها كلمات تتردد على أسماعنا وهناك من يُحمّل الكلمات الكثير من المعاني والدلالات مثل السوفسطائيون في اليونان في التاريخ القديم. وهنا تحدث المشكلات وهنا نجد ذلك التباين بين فئات المجتمع. وبالفلسفة يمكن أن نحدد مثل تلك الألفاظ تحديدا دقيقا وعن طريق المناهج الدراسية في مراحل التعليم قبل الجامعي، ونحدد الطرق السليمة لكي تصل المعاني الصحيحة إلى القاعدة العريضة المعتدلة في المجتمع. فإذا توقفنا عند تلك الكلمات وتأملنا مدى ما يحدث في المجتمع من مشكلات أدركنا على الفور كم نحن في حاجة ماسة إلى الفلسفة.