ثورة فكرية تناقش الثوابت المتوارثة

20/10/2015 - 10:01:28

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. منى حلمي - كاتبة مصرية

"الاقتصاد محرك التاريخ".. دائما كنت أتحفظ على هذه المقولة التى يؤمن بها الكثير من الأفراد، والمجتمعات. لقد تخرجت فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم اقتصاد، بجامعة القاهرة. ورغم دراستى العميقة، المكثفة، للأنظمة الاقتصادية، والمتغيرات الاقتصادية، والنظريات الاقتصادية، لم تتغير قناعتى. بل ازدادت رسوخا.


    "الفكر محرك التاريخ".. هذه هى قناعتى دائما. إن الاقتصاد، فى أول الأمر ونهايته، هو نتاج "طريقة" معينة للتفكير. هو انعكاس، وترجمة، وتجسيد، لمنهج محدد فى التفكير.


    "الاقتصاد محرك التاريخ".. وإذا سلمنا بهذه المقولة، علينا أن نتساءل: ما الذى يقف خلف الاقتصاد؟ منْ الجندى المجهول، على أكتافه، يصعد الاقتصاد؟ إنه "الفكر"، الذى ينتج القيم، ويحدد الأولويات، ويتبنى السياسات. هو القوة الدافعة التى تقف أمام الاقتصاد، وليس خلفه. هو الدليل، والقائد، والخريطة، التى توجه، وترشد.


    إن أوجه الإنفاق، للفرد أو الجماعات، تتحدد أساسا، بالعقلية التى تستهلك الأشياء، وليس بكمية الفلوس المتوفرة. وبالتالى فإن الصراعات السياسية والاقتصادية، على مدى التاريخ حتى الآن، هى فى الأصل، صراع بين أنواع من الفكر. والفكر هو الفلسفة، هو "طريقة التفكير"، أو "كيف نفكر".


  ومن الطبيعى والمنطقى أن تعبر السلوكيات، أو الأفعال، عن اختيارات "طريقة التفكير"، وانحيازات "كيف نفكر". وينتج من هذا ما نسميه، الثقافة (الفكر + الفعل).


    كل فرد إذن، له ثقافته. وكل مجتمع، له ثقافته. من هذا المنطلق، نرى أن الثورة الدينية، التى نحتاجها الآن، بعد ثورتين عظيمتين، وبعد تفشى الإرهاب المسلح، هى ثورة فكرية، فى المقام الأول. أى ثورة فى الثقافة. فى "طريقة التفكير"، أو "كيف نفكر؟".


    والثورة تعنى "التغيير الجذرى"، فى علاقتنا بالدين، ونظرتنا إلى الطقوس الدينية، ومفهومنا عن حرية الاعتقاد الدينى. وليس مجرد إعادة ترتيب الأولويات، وتغيير وجوه الشيوخ، والفقهاء، والأئمة، وحرق الكتب التكفيرية، والإكثار من الجرعات الدينية، فى الإعلام، والرقابة على المساجد، وتوحيد موضوع خطبة الجمعة من قبل وزارة الأوقاف، كما يحدث الآن. هذه سلوكيات "ترقع" الثوب القديم. بينما نحن نحتاج، إلى "ثوب" جديد.


    إن الثورة فى علاقتنا بالدين،  وفى علاقة الدين بالحياة، تجعلنا نحدد هل الدين فى خدمة الحياة، أو الحياة هى التى تخدم الدين. وهو سؤال يمس عضويا، وبشكل أساسى، النظرة الذكورية للمرأة، ودور الفنون والإبداع، فى تغيير الحضارات، ومدى توافر الحريات الخاصة والعامة، ومدى تقبل إلغاء خانة الديانة، وإقرار الزواج المدنى بجانب الزواج الدينى، أو بديلا عنه، ومدى ارتباط غياب العدالة الاجتماعية، بمنشأ، وانتشار الإرهاب باسم الدين، ومدى تقبل مناقشة الثوابت، والمسلمات.


    يعتقد البعض، أننا يمكننا إحداث الثورة، والتغيير الجذرى، دون المساس، بما يُعرف بالثوابت. لكن هذا طرح، منْ يريد النزول إلى البحر، دون أن يبتل. إن أولى خطوات الثورة هى بالضرورة مناقشة ما توارثناه، من ثوابت، ومسلمات، وبديهيات.