نجيب سرور .. ذئب الشعر الشارد!

20/10/2015 - 9:59:56

نجيب سرور نجيب سرور

محمد رضوان

كان الشاعر والمسرحي نجيب سرور 1932 - 1987 ظاهرة أدبية مثيرة للجدل..


بدأ حياته شاعراً واعداً موهوباً ومخرجاً مسرحياً مجيداً وكاتباً للمسرح الشعري مميزاً.. كان شاباً وسيماً طموحاً درس في موسكو السابق وآمن بالفكر اليساري طريقاً ومنهجاً وتزوج هناك وأنجب وبطبيعته القلقة المتمردة الثائرة حاول أن يحطم الواقع لبناء حياة جديدة وأسلوب جديد للحياة وكانت فرحته كبيرة بالنهج الاشتراكي وذلك المد الثوري الذي لازم تجربة الزعيم جمال عبدالناصر فواكب بأدبه الشعري والمسرحي تلك الفترة سعياً لتحقيق العدالة الاجتماعية وتجسيداً المعاناة أهل قريته إخطاب بريف الدقهلية من الإقطاع والاستغلال وكانت فترة مضيئة مشرقة هي فترة ستينيات القرن العشرين حتي حلت نكسة 5 يونيو 1967 فانقلب كل شيء عنده وبدأت رحلة معاناته مع الحياة والمجتمع والواقع الاجتماعي والسياسي بعد أن شعرأن أحلامه القومية قد انهارت وأحس بأنه قد مات معنوياً وأثر ذلك علي حياته الخاصة ففقد توازنه النفسي والعقلي الذي أدي به إلي دخول مستشفي الأمراض النفسية والعصبية وانعكست هذه المعاناة علي إبداعه إذ جعلته يكتب بغزارة ووجد في المسرح الشعري خلاصاً لأزمته النفسية والعقلية والوجدانية وكأنه يحقق لنفسه التوازن الذي ينشده وفي هذه الفترة كتب مسرحيات: - قولوا لعين الشمس - منين أجيب ناس - ملك الشحاتين - الكلمات المتقاطعة.


وقد تزوج الروسية طالبة الآداب ساشا كورساكوفا، أم ولده الوحيد شهدي


عام1961 أثناء دراسة فن الإخراج المسرحي في موسكر


وقت التقيت نجيب سرور لأول مرة في مقر مجلة الكاتب علي نيل القاهرة في وأواخر عام 1975 تقريباً وكان شاحبا يبدو عليه السكون والوداعة والاستسلام بعد مناطحته لصخر الواقع ودار حوار معه حول شعره ومسرحه وأبديت له رغبتي في كتابه دراسة عنه فاتفقنا علي موعد للقاء وأعطاني تليفون منزله وعنوانه وكان يقع في أول شارع الهرم بعد نفق الجيزة لكن ظروف سفري إلي سلطنة عمان لأتولي تأسيس مجلة السراج في فبراير 1976 لم تتح لي إتمام هذا اللقاء.


ثم تابعت مسيرته ورأيته عدة مرات في مناسبات مختلفة وكان يبدو عليه السكينة والهدوء والصمت الطويل ولكن جرت بعد ذلك في النهر مياه كثيرة ومر بمحنة نفسية عصبية وفكرية كبيرة جعلته يتمزق ويتحول إلي شظايا إنسان فأصبح مثل الذئب الجريح الشارد في البرية الذي يحاول نهش كل من اقترب منه أو لم يقترب.


>>> 


ولد محمد نجيب محمد هجرس سرور في أول يونيه 1932 بقرية إخطاب مركز أجا بمحافظة الدقهلية بدلتا مصر التي كانت نموذجاً لسيطرة الإقطاع علي الأرض الزراعية وعلي مقدرات الفلاحين.


تلقي دراسته الإعدادية والثانوية بمدينة المنصورة، ولكنه كان يشارك في حركة الشارع المصري في تلك الفترة من خلال المظاهرات والتجمعات الشعبية ضد الملكية والاستعمار الإنجليزي والإقطاع.


والتحق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، لكنه في السنة النهائية ترك دراسة الحقوق ودخل معهد التمثيل، وعقب تخرجه انضم إلي المسرح الشعبي.


في سنة 1959 سافر إلي موسكو في بعثة دراسية بكلية الآداب لدراسة الإخراج المسرحي.


كتب عدة مسرحيات من أشهرها «ياسين وبهية» عام 1964 قدمها مسرح الجيب، وهي رواية شعرية تمثل الجزء الأول من هذه الثلاثية ثم الجزء الثاني «آه باليل يا قمر»1966 وقولوا لعين الشمس 1972.


ومن مسرحياته «منين أجيب ناس» 1974.


من أعماله الشعرية:


- «التراجيديا الإنسانية»أولي مجموعاته التي تضم الأشعار التي كتبت من العام 1952 حتي عام 1959».


- «لزوم ما يلزم» كتبت في بودابست عام 1964 أثناء دراسته بها فن المسرح.


- سميات نجيب سرور «مجموعة رباعيات وقصائد هجائية لم تنشر تحتوي علي أبيات جارحة تخرج عن المألوف والعرف والتقاليد تعد سميات مذمومة بالفعل.


- بروتوكولات حكماء ريش 1978.


- رباعيات نجيب سرور «كتبت في الفترة من 74 - 1975».


- «الطوفان الثاني».


- «فارس آخر زمن».


- «أعمال شعرية في المنفي».


- أثناء دراسته في الاتحاد السوفييتي تزوج بروسية «ساشا» في إبريل 1961 وأنجب منها ابنه شهدي عام 1962.


- اندمج في عالم السياسة منذ شبابه المبكر وكان دائماً الصوت المعارض في كل المراحل السياسية سواء في عهد فاروق أو عهد جمال عبدالناصر أو عهد أنور السادات حتي أصيب في نهاية حياته بما يشبه الجنون فاندفع نحو الخمر، وانتابته حالة من الذهول وقتلته السياسة - والخمر - والمرأة، ورحل عن الحياة في عام 1978 فمات كالأبطال بحثاً عن بطولة 1931 - 1989.


وصدق الشاعر الناقد فتحي سعيد حين علق علي نبأ موت نجيب سرور أن ذلك ليس بالخبر الجديد، فقد مات نجيب سرور منذ سنوات خلت لكن نبأ إعلان وفاته تأخر طوال هاتيك السنين. بينما وقف جميع شعراء مصر ورفاقه من أهل المسرح والنقد يتفرجون عليه ويتندرون به.. أو يشاركونه عشاءه الأخير علي أكثر تقدير.


نم يا صديقي..


من حق قلبك أن ينام


فطالما حرموه أن يغفو وهو القلب الرقيق


كانوا هناك شاهري الأنياب والأظفار


في كل منعطف علي طول الطريق


نم يا صديقي..


نعم.. فقد أطلقت علي نجيب سرور رصاصة غادرة منذ عدة سنوات اخترقت ضلوعه وهتكت أعماقه واستقرت في صدره.. دون أن يتقدم أحد لانتزاعها من وراء الضلوع.


ولقد طوي نجيب سرور قفص صدره علي تلك الرصاصة الغائرة الغادرة وكأنه يقبض بالأنامل علي لؤلؤة ظفر بها من طول الغوص والسباحة في الأعماق.. وترك دمه ينزف.. ورغبته تتضاءل.. وطاقته تهدر في صمت وعلي مهل.. حتي لفظ الرصاصة القاتلة مع الرمق الأخير.


اغتيل نجيب سرور ذات ليلة منذ أعوام وعلي قارعة الطريق.. دون أن يخف لنجدته واحد من العابرين.. فانطلق كالذئب الجريح يعوي في وجوه الناس.. وفي طرقات المدينة دون جدوي.


وبدلاً من أن يبحث عن طوق نجاة أو ينزع الرصاصة من جسده.. آثر الاستشهاد حاملاً فوق صدره صليب الإدانة.. ففتح ذراعيه للموت وسلم نفسه طائعاً مختاراً لقاتليه: العلة والضياع.. وأطبق أصابعه فوق الرصاصة الملتهبة حتي احترق.. راضياً وقريراً وكان ذلك قراره الأخير الذي اختاره بمحض إرادته وكامل وعيه واعتبره طريق البطولة والخلاص.


وقف نجيب سرور في مهب الريح عاري الجسد يبحث عن وجهه في زحام الوجوه والأقنعة والضوء والضباب حتي اقتلعته العاصفة القادمة من غابات الشتاء.. فتهاوي مثل شجرة نخرها السوس!


آن «يا كيخوت» للقلب الجريح أن يستريح


وانقش علي الصخر الاسم


يا نابشا قبر حنانك ها هنا قلب ينظم


لا فرق من عام ينام وألف عام


هذي العظام حصاد أيامي فرفقا بالعظام..»


>>> 


وحفر نجيب سرور قبره بأظافره.. كما قال.. وكانت السماء أرحم قلباً من البشر فأطلقت عليه رصاصة الرحمة وآن له أن يستريح..


كان نجيب سرور يحمل أكثر من وجه لذلك.. كانت معاناته أثقل وأكبر وكان الثمن الذي دفعه فيها أغلي وأفدح..


كان من ذلك النوع الذي يمتلئ قلبه بالفن.. وتهيم روحه بالإبداع ويتوهج قلبه بالألم العميق.. وكان يحمل قلب شاعر.. وبراءة طفل.. وكم كيل له من هذين الجانبين.


كان يبحث عن شيء لا يجده دائماً.. كان فارساً بمعني الكلمة سيفه الكلمة رمحه القصيدة وجواده الريح.. يطير به إلي كل فج.. ويسابق الزمن علي غير هدي.. ويقاتل به أشياء غير مرئية.. ولكنه وحده يراها.. كان مخرجاً ومؤلفاً مسرحياً وممثلاً وزجالاً وكاتباً وشاعراً.


وكان وجه الشاعر فيه هو أقرب الوجوه وأحبها إليه.. فمنه كانت تشع ملامحه الأخري وتفيض وتتألق.. كان شاعراً يعتلي خشبة المسرح بدلاً من القافية أحياناً.. ويتقمص القصيدة ويتفوق الممثل فيه علي الشاعر أحياناً أخري.


وفي كل الأحايين.. كان وجه الشاعر هو الوجه الأصيل فيه.. يلمع ويتواري بقدر ما بدد من طاقته الشعرية وأراقها في دروب أخري كالتأليف المسرحي والإخراج والتمثيل ونسج المقطوعات الزجلية والمواويل والرباعيات.


ولقد أدرك نجيب سرور أصول موهبته.. وأدرك أيضاً أنه يبدد طاقته الكامنة في مسالك أخري.. حتي يلفت منه هذا الحدس وذلك الشعور في قصيدته «المهرج» التي كتبها قبل أن يدهمه التشرد والمرض بعشرين عاماً وأكثر وهو يبحث عن هويته في البدايات:


ودرست في الكلية القانون قانوناً لغابة


يتلي علينا من عصابة


وشغلت بالتمثيل.. لم أعشق من الأدوار إلا دور «هملت»


يا سيداتي كنت فلاح الملامح لا تلائم سحنتي دور الأمير


لكن تلائم دور «حفار القبور»


وهويت فن الرسم كنت أريده دوماً «نمر»


فيجيء دوما محض «قط»


وهويت من بعد القصص


وكتبت آلافا بأبطال كأدهم


ونظمت أشعاراً علي كل البحور


منها المقفي وفق ما قال الخليل


واللا مقفي..


فانهالت الأيدي وما كانت من الوزن «الخفيف» في الحالتين علي قفاي».


كان المسرح عند نجيب سرور.. هو قافيته المحببة الأثيرة.. وكان يري الكون مسرحاً مليئاً بالمساحيق والماكياج وللممثلين والنصوص والأدوار وحركتي إسدال الستارة وفتحها.. فاستعان بحدقة رجل المسرح علي قول الشعر وفي نفس الوقت كتب القصيدة بلغة مسرحية إن صح التعبير فأكثر فيها من الحوار والمنولوجات والكلمات المأثورة.. بل لم يتورع في أن يطعمها ببعض النكات والنوادر الشائعة أو يمزجها بسطور من العامية من تأليففه أو لغيره.. حتي تفرخ في أوانها.. ولا يقنع بخروجها إلي الحياة دون حيثيات فهو إلي جانب الشاعر فيه.. رجل مسرح يستطيع أن يحول خشبة المسرح تحت قدميه إلي قافية وأن يحول القافية في يديه إلي خشبة مسرح كما ذكرنا ومن ثم فهو يستثمر لحظة الحضور كرجل مسرح ولحظة الشعر كرجل كلمة استثماراً موضوعياً مأموناً يستمده من خبرته الملحمية المسرحية وتلازم هذه الخبرة مع نشيده الشعري.


لو لم يقلها شكسبير


قبلي.. لقلت الأرض مسرح


والناس فوق الأرض محض ممثلين


فتح الستار علي البداية


ضم الستار علي النهاية


لم يبق غير الصمت من بعد الرواية


ما أشبه المسرح خلوا.. بالضريح!


ومن هنا لم يكف شاعرنا عن البحث الدائب لاكتشاف شكل جديد يتمدد فيه.. دور غريب يلعبه علي مسرح الحياة حتي لو كان هذا المسرح هو ضريحه الذي يبنيه لنفسه فهو يعرف تماماً قضيته - وهو مزود بخبرة سنوات الاغتراب والنفي بعيداً عن وطنه.. ويعرف لمن يغني ولكنه لا يقتنع بالشكل.. ولا يعترف بلقب الشاعر فقط فيكتب الشعر بلونيه المقفي والجديد.. والفصحي والعامية ويعزف علي سجيته ويود لو كان له جناح «فرجيل وهومير» أو يمتلك قيثار «دانتي» ويراع «شكسبير».. أو فارس الفرسان «بايرون» أو رائد التجديد «أبي العلاء» أولئك الذين أحبهم دون سائر الشعراء فنهل منهم وارتوي ويتمني في ضوء ما تنوء به أعماقه من رؤي وعوالم وما يختلط ويضج به وعاؤه الفني لو وجد شكلاً لم يطرقه أحد من قبل.. قناعاً لم يتقنع به فارس سواه.. «ألفاظاً لم يعرفها الناس» وأنه آت بما لم يستطعه الأوائل، ولكن كيف ويداه قصيدتان:


أجود باللهيب لحظة وأنطفئ


وإنه من البحار موجة علي السطوح


تقوم في غرورها لتنكفئ


ولكنه بالرغم من باعه القصير كما يقول يطاول ويجاور النجوم ويقص ويحكي عن «بهوت وعن ياسين وعن بهية» فيود لو جعل من «بهوت» «طروادة» ومن قصتها الإلياذة أو كوميديا إلهية.. أو رحلة خالدة كأناشيد «هارولد».


إن الشاعر نجيب سرور هو الشخصية الأولي والبطولية في كل أدواره الفنية التي لعبها علي مسرح الحياة ومن ثم فهو قادر علي اندفاعه الجنوني يهدهد تجربته ويستجيب لها ويرقد.


ولم يكن ذلك غائباً عن موهبة نجيب ولكنه كان غارقاً حتي أذنيه في قاع طاقاته.. تتكاثر عليه ويفجرها علي هواها عازفاً عن نقد الأصدقاء الخلصاء.. لاهياً عن موهبته الحقيقية بحثاً عن دور جديد لم يلعبه من قبل أو قول جسور لم يسبقه إليه أحد حتي ولو جانب آداب اللياقة:


 


يا سيداتي معذرة


إن كنت قد جانبت آداب اللياقة


أنا لست أعني فتنة الغلمان ما كان «ابن هانئ»


في الحق لوطيا.. ولكن اللواطة أن تقول..


ما لا تريد.. أو أن تريد ولا تقول»


ولقد قال نجيب سرور ما أراده وبجسارة وعلانية.. حين أعياه وجرفته لذة الاكتشاف ولعبة التمثيل قام. بتمثيل دور لم يلعبه شاعر ولا مخرج ولا ممثل قبله.. حتي البؤساء الحقيقيون.. أمثال «عبد الحميد الديب» لم يجرؤوا علي أن يؤدوا نفس الدور علانية وإن لعبوه خفية.


ذلك هو دور الهائم الطريد.. السائر في الطرقات علي غير هدي الباسط يده للناس أشعث أغبر رث الخلقة مرقع الثياب.. حافي القدمين.. يستجدي المارة وينحني علي الأرض يلتقط أعقاب السجائر.. أو يلقي بنفسه أمام عجلات السيارات.. ويرفع عقيرته وسط الميادين بألوان الشتائم والسباب.. ويكلم نفسه ويزعق ويشهق ويبكي ويمسك بعصا من الحديد يلوح بها في الهواء ويرسم بها الكلمات والإشارات ويربت بها علي ظهور المارة ورواد المقاهي ويحك بها ظهره ويتوكأ عليها ويتصنع العرج.. ويجمع النقود.. ويغشي الحانات الرخيصة ويفترش أسفلت الطرقات.. ومنحنيات الكباري.. وينام في المحطات والحدائق.. وتمسكه الشرطة وتضربه وتوجه له أقذع التهم.. ولا يكف أو يفيق.. ويمر به أصدقاؤه فيتجاهلهم أو يكيد لهم بالقول والإشارة.. وتتفاقم حالته ويندمج في دوره حتي يعرف أمره كل الناس في القاهرة وكأنه كتب قصيدة جديدة اشتهر بها أو أنه ممثل يتضاعف عليه المتفرجون كل كتفي بتحية واعية سريعة ويواصل أداء الدور.. ويدخل هناك، ويستعيد الشعر فتحي سعيد بعض ذكرياته عنه فيقول


"عندما اسألتة عن تلك التعرفات هل هي عمل فني جديد غريب.. قام به وكأنما أعيته مواهبه الأولي فقرر اختصار المسافة.. وإدانة العصر والقيام بحملة إعلان يائسة بائسة.. يجني بها شهرة عابرة دفع فيها أكثر مما أخذ.. وقال هو: حين عاد وأفاق:


بل دور جسور لا يجرؤ واحد فيكم أن يلعبه.. وصرخة عالية أطلقتها نيابة عنكم معشر الشعراء والفنانين ومن أجل ولدي «شهدي» وأولادكم الذين في مثل نضارته وسنه لأنكم جبناء.. لا يجرؤ واحد منكم علي فعل ما فعلت.. كنت أعقل منكم وأذكي.. كنت فدائياً.


وكان حماسه وتدفقه يقطع عليك طريق الجدل معه أو مغاضبته وليت ما فعله نجيب سرور.. في سنواته الأخيرة من ضياع وإتلاف وانتحار بطيء عاد عليه بفائدة.. أو علي الشعراء الذين أناب نفسه عنهم في إعلان صرخة التمرد والقهر بنفع بل عاد عليه بجسد معتل وكبد مقروحة وقولة حق قالها هي اعتراف عفوي منه بصدقه وحقيقة المأساة فيه وحوله:


كبدي خذوه


يا ناهشي الأكباد هاكم فانهشوه


وليرحم الله الضحايا يرحم الله الضحايا


لا .. لا تبالغ ما لهذا الحد أنت لهم ضحية


أخطأت أنت كما هم أخطأوا


أو علي سرا ثالثاً خلف الخطأ..


إنا لتعجزنا الحياة..


فنلومها.. لا عجزنا..


ونروح نندب حظنا..


ونقول هذا العصر لم يخلق لنا..


هو عصرنا..


لكننا لسنا به الفرسان..


نحن قطيع عميان يفتش في الفراغ عن البطولة..


والأرض بالأبطال ملأي حولنا..


ملأي.. ولكن باللصوص!


>>> 


عاني نجيب سرور في سنواته الأخيرة من ظروف نفسية وإنسانية ووفكرية عميقة أفقدته توازنه النفسي وظل يستعيد ذكرياته مع زوجته ساشا التي تزوجها في موسكو أثناء دارسته بها فن الإخراج المسرحي وعاد إلي القاهرة ولم يلتق بها إلا بعد سبع سنوات حين حضرت إلي القاهرة هي وابنهما شهدي ليلتئم الشمل واستوحي في تلك الفترة قصيدته «مرحبا إلي الفرج» وترجمها بالروسية التي أهداها لزوجته وقال فيها:


عبرت ألف بحر، ألف صحراء وجئت


أوغلت في الثلوج، في الصخور، في الوصول خضت


غرقت ألف مرة وألف مرة طفوت


كبوت ألف مرة وقمت


حملت صخرتي علي كتف


والروح فوق كف


وطالت الطريق، أظلمت وكشرت ولم أقف


وجنت الرياح والرعود، أبحرت ولم أخف


تمزق الشراع والجناح والذراع جف


لكنني أتيت


ثم يخاطب ساشا زوجته مناجيا بعد أن حضرت إلي القاهرة:


ياو احتي علي الظما من ربع قرن


يا فرحتي من بعد حزن ربع قرن


يا نجمتي يا كعبتي من ربع قرن


أنا هنا، أنا هنا، أنا هنا ولم أمت


أنا هنا، ولم أمت ولن أموت


كانت بمفرق الطريق بيننا علامة


يا حلوتي وكنت لا أفك حرف


لكنني قرأت بعد جهد:


يا بخت من يرود سكة السلامة


يا هول سكة الندامة


يا ويح راحل بغير عود


سميات نجيب سرور


التقي نجيب سرور مع زوجته ساشا في موسكو لأول مرة 12 مارس 1957 وتزوجا في إبريل 1961 وأنجبا ابنهما شهدي في 12 يناير 1962 ثم تركها وعاد إلي القاهرة وحده في فبراير 1963 وظلت بعيدة عنه لسبع سنوات


تزوج خلال وجوده بالقاهرة الفنانة المسرحية والسينمائية سميرة محسن عام 1968 ثم حدث بينها خلاف حاد فطلقها بعد شهور من زواجة منها ثم أطلق قصائدة النارية الجارحة "سميات نجيب سرور" عرف عري الوسط الفني وفضح بعض الممارسات اللا اخلاقية وهي من القصائد الممنوعة.


كتب «سميات نجيب سرور» وهو في حالة مرض نفسي وجسماني فتجاوز فيها كل الخطوط الحمراء وكانت أحواله النفسية تزداد سوءا وإحباطا بصورة مستمرة كتبها بالعامية في مائتي بيت وكما كان عنوانها بذيئا جفلت القصيدة بالكلمات العارية الجارحة حتي عدت من الأدب المكشوف فأصبحت كالمنشور السري الذي يتداوله الناس خفية والحقيقة أن نجيب سرور في «سمياته» تلك أهدر إمكاناته الفنية والشعرية في قصيدة بذيئة تفتقد لأدني درجات الجمال الفني بعكس قصائد الشاعر الصعلوك عبدالحميد الديب الممنوعة التي امتازت بتعبيراتها الفنية العالية وصورها المبتكرة رغم تجاوزها للأعراف والتقاليد.


في «هسمياته» حاول نجيب سرور تحطيم كل ما أمامه وتشويهه: الوطن، والقيم، والأعراف، والفن، والأدب وكانه شمشون يريد تحطيم المعبد عليه وعلي أعدائه.


نجيب سرو بشعره الرائع يجب ألا نربط بينه وبين سمياته تلك.


ثم اجتمع شمله مع ساشا وابنه شهدي في 7 أكتوبر 1970 حين التقي بهما في ميناء الإسكندرية بعد وصول السفينة التي أقلتهما بعد أن أرسل لها يناديها من القاهرة:


انتظريني، ليس كما انتظرت بنيلوب


انتظريني كما إيزيس


حين خرجت تبحث عن حبيبها وتلملمه


وهي الأبيات التي كتبها لساشا عام 1963 قبل أن يفارقها إلي القاهرة.


>>> 


تفاقمت أزمة نجيب سرور النفسية والإنسانية والمعيشية في سنواته الأخيرة وسيطرت عليه فكرة جهنمية أنه مضطهد وأن هناك من يلاحقه ويطارده وبدأ المرض يهاجمه بضراوة فوقع جريحاً، وأصبح لا يسيطر علي تصرفاته وفقد توازنه النفسي والعصبي وأصبح يشاهد في ملابس رثة يمشي المسافات الطوال وهو يصرخ بكلمات مبهمة.. وأصبح كالذئب الجريح الشارد الذي حاول أن يسدد الطعنات الدونكشوتية لما يتصوره مطارديه ومضطهديه حتي رحل عن الحياة في 24 أكتوبر 1978 عن 46 عاماً وزوجته ساشا بعيدة عنه في موسكو مع ابنهما شهدي توفي في منزل شقيقه ثروت بمدينة منهور ودفن في قريته إخطاب وهكذا آن للذئب الجريح أن يستريح بعد رحلة معاناة وضياع وتمرد استهلكت حياته وقواه وعقله .