أبي عبد الله خيرت

20/10/2015 - 9:58:14

عبدالله خيرت وعبد التواب يوسف عبدالله خيرت وعبد التواب يوسف

د. نهى عبد الله خيرت - مترجمة مصرية

   عندما راودتني فكرة كتابة رسالة إلى أبي في ذكري رحيله الخامسة عشرة، وجدت أنها المرة الأولى التي تواتيني فيها الجرأة كي أتحدث عنه بهدوء، فرغم طول المدة إلا أن حزن الفراق كما لو كان أمس فقط، وقد يكون السبب الرئيسي وراء الكتابة هو شعوري أني أنجزت أو نفذت وصيته، وهي حصولي على درجة الدكتوراه.


    ولد أبي ونشأ في إحدى قرى محافظة دمياط وتحديداً "كفر البطيخ" في 14/8/1934 وتوفي في شهر ميلاده 30/8/2000، لم تكن نشأته في القرية ترضي طموحة وتطلعاته، فلقد كان يشعر أن الحياة في الريف والعمل في الحقول نوع من القيد لا يلائم حريته وانطلاقه الفكري، ونشبت مشاحنات عديدة بينه وبين أبيه واشتد الخلاف عندما أراد أبي استكمال تعليمه في الأزهر، وتخرج فيه وعمل في القاهرة. ولعل اتقانه وافتتنانه باللغة العربية مرجعه الأزهر، ورغم أني لم أعاصر تلك الحقبة إلا أنه كان كثيرا ما كان يحكي لي عنها ولكن ما عاصرته هو حرصه الدائم على العودة إلى قريته في المناسبات والأعياد، وأرجعت ذلك من وجهة نظري إلى أنه لم يكن رافضا لحياة القرية، ولكن معترض على بعض الأشياء. السبب الثاني هو إحساسه بالذنب تجاه خلافه مع والده حول الإقامة في القاهرة، ثم إنه لم يستطيع التنكر لعاداته خاصة وأنه الابن الأكبر وكان يتوجب عليه زيارة شيقيقاته في المواسم، وكان في تلك الأسرة مواهب، أخوه الأوسط "القطب" الأصغر "محمود" كان لهما محاولات أدبية وشعرية. أرجعت حرص أبي على زيارة قريته إلى الخوف من فقدان الهوية أو أن تصوره الخيالي عن المدينة لم يتوافق مع ما وجده في الواقع.


    أبي هو مثلي الأعلى، وأكثر شخص مرهف الحس قابلته، حيث ظل لسنوات يطلب منا التحدث بصوت منخفض لأنه الوسيلة الفعالة للتواصل، سافرت أنا وأبي وأمي وإخوتي إلى نيجيريا في أواخر السبيعنيات وأوائل الثمانينات، وكان أبي يدرس اللغة العربية في جامعة سكوتو، وكان يحظي بتقدير زملائه وطلابه، وكان يحتل مكانة عالية نتيجة إتقانة للغة العربية التي كان يعتبروها وسيلة للتقرب إلى الله، حيث إنهم يحفظون القرآن دون أن يفهموا معانيه، ويؤدون المناسك بحذفيرها وإن اضطروا إلى إبداء عنف حتى يرضوا الله، ولكننا لم نمكث هناك فترة طويلة حيث نشبت حروب أهلية واضطرننا إلى العودة، ورغم أن مكاسبنا المادية تكاد تكون صفرا من تلك الرحلة إلا أنها أثرت فينا بصورة كبيرة حتى أن رسالتي لنيل درجة الماجستير كانت عن نيجيريا، وتحديدا "ولاية كانو".


    واصل أبي كتابة القصة، بعد أن فازت إحدى قصصه بالمركز الأول في مسابقة نادي القصة عام 1969. وله مجموعات قصصية منها "رحلة الليل"، و"شمس الصباح البعيدة"، وتحولت إحدي قصصه إلى فيلم قصير. وقد ظل لمدة طويلة مدير تحرير مجلة (إبداع)، وكان العمل في الهيئة العامة للكتاب "معرض الكتاب" بالنسبة له ولجميع العاملين في الهيئة عرسا يتم التحضير له، وكان أبي أحد الجنود المجهولين في هذا الحدث سنويا، وكان يحرص على أن يصحبني، والتجول في المعرض متعة كبيرة، وأذكر أني حضرت العديد من الندوات لكبار الكتاب والشعراء. وقد تلقيت دعوة لحضور معرض 2015، وعقدت مقارنة بين ندوات عبد الله خيرت وسمير سرحان وندوات هذا العام فوجدت أن الرواد انفضوا عن المثقفين والشعراء والأدباء والتفوا حول ندوات الفنانين مثل محمد رمضان وغيره. هل ما طرأ علينا هو ما دفع الشباب للإحجام عن الاطلاع والقراءة والاكتفاء باستخدام الوسائط المتعددة؟


    تفرد واختلاف أبي منذ البداية ألقى بظلاله على حياتي منذ نعومة أظفاري فلقد حرص على إلحاقي بمعهد الباليه، لإيمانة بالفنون الراقية، ولم أستمر في المعهد طويلا، وتساءلت فيما بعد: هل لأن الدراسة الأكاديمية كانت تستهويني أكثر أم لأن هذا الفن لم يكن يلقى القبول لدى المجتمع كما هو الآن، فشعرت بالنفور منه ولم أشعر بالألفة معه؟ كان أبي حريصا على ترغيبي في العلم والثقافة منذ صغري، فيمدني بالكتب، وكان يأتي ومعه أوراق، وأسأله عنها فيقول إنها "تجارب الهواة" يختار أفضلها لينشرها في المجلة، وقد أصبح أغلبهم من المحترفين.


    سافر أبي وعمل في مجلة "القافلة" السعودية التابعة لشركة ارامكوا، واستكمل ما كان يقوم به في مصر، واستطاع أن يطور المجلة. كتب مقالا عن "القناطر الخيرية" أذهلني عندما قرأته. وحين عاد للعمل في الهيئة كنت قد أصبحت طالبة في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ورغم أني لم أكن متفوقة إلا أن حلماً جديداً بدأ يراوده، هو أن أكمل دراستي العليا. حصلت على الليسانس وحدثت بين وبين أستاذ فاضل لن أنسى صنيعه معي ما حييت مقابلة في الجامعة، وكان يرى أن مستواي أفضل من "تقديرتي" أو درجاتي، وأشار علي أن أكمل دراستي العليا في معهد البحوث والدراسات الافريقية، والتحقت به واستكملت دراستي العليا، وعمل أبي في هذه الأثناء بمجلة "سطور" حديثة الصدور آنذاك، وكانت تشرف عليها سيدة من أفضل من قابلتهن الدكتورة فاطمة نصر، وفي هذه المجلة اكتشف أبي أغوارا جديدة في نفسه، وهي تحليل التراث الشعري والنثري، وكان هذا مجالا جديدا، لذا كثيرا ما كنت أراه يمزق الورقة التي كتبها عدة مرات، وسألته فقال إنه مجال جديد عليه ولكنه ممتع، وهو يبحث في هذا التراث عن جماليات لم يتطرق إليها غيره، وهذه التحليلات تم جمعها في كتاب "سطور مضيئة من التراث"، وهو مرجع مهم في إحدى الجامعات السعودية.