باب الفتوح عرض مخيب للآمال

20/10/2015 - 9:56:11

لقطة من عرض باب الفتوح لقطة من عرض باب الفتوح

محمود الحلواني - كاتب مصري

    "باب الفتوح" هو اسم العرض الذي افتتح به مسرح السلام بالقاهرة، منذ أربعة أسابيع، من تأليف الكاتب المصري الراحل محمود دياب، الإخراج لفهمي الخولي، البطولة ليوسف شعبان، ومحمد رياض، ومحمد محمود، وأشرف طلبة، مع  عدد من أعضاء فرقة المسرح الحديث، ديكور أسامة المنصوري، أزياء رباب البرنس، ألحان وتوزيع الموسيقار منير الوسيمى، أشعار محمد الشاعر، تعبير حركي حربي الطائر.


لا شك في أن ما طرحه نص مسرحية (باب الفتوح)  الصادر عام 1971، لايزال صالحا، كموضوع، للتعاطي مع لحظتنا السياسية، العربية، الراهنة، والتحاور معها، على الرغم من خلو هذه اللحظة من قائد منتصر ومُحرِر كصلاح الدين، وخلوها كذلك من أية انتصارات تذكر على مستوى الواقع المعيش؛ إلا لو اعتمدنا  ألعاب الإيهام الرديئة التي يروج لها البعض، بغرض صناعة صور ذهنية زائفة لزعيم هنا، أو انتصار هناك.


ولئن كانت لحظتنا الراهنة قد خلت من صلاح الدين، الزعيم المنتصر،  والجانب الإيجابي الذي يبني عليه النص اقتراحه، فإنها لم تخل أبدا من ذلك الجانب المظلم، الذي عُني النص بتعريته، والذي يعتبره التوأم الملتصق، والخطأ الملازم لحكم الفرد، حتى لو كان منتصرا، ألا وهو الاستبداد، وتغول سلطات دوائر الحكم أو (الحاشية) بما يؤدي إلى فسادها، واستحواذها، من دون الشعب، على عوائد أي انتصار قد يتحقق.


ذلك هو الجانب الذي عُني به النص، والذي من أجل تقييده ومواجهته  ابتكرت جوقة الشباب، ضمن  لعبتها المسرحية، التخيلية، نموذج  الثائر (أسامة بن يعقوب) حاملا معه كتابه / دستوره الشعبي، الثوري، المسمى (باب الفتوح) ودفعته للقاء القائد القوي، المنتصر صلاح الدين، لتكتمل  - بذلك، وحسب رؤيتهم - صورة الحكم كما يحلمون به: قائد قوي من ناحية، ودستور عادل يرتب حقوق الجميع وواجباتهم من ناحية أخرى. تمنع  حاشية صلاح الدين هذا اللقاء، وتطارد الثائر وكتابه في كل مكان، حتى  تنجح في قتله؛ الأمر الذي يطور رؤية الشباب: من ضرورة وصول الكتاب لصلاح الدين، إلى الإيمان بضرورة أن يحمل أفراد الشعب الكتاب في قلوبهم ووعيهم أولا، كضمانة لاستمرارية الفكرة، ولإمكانية الوصول بها  إلى أن تكون دستورا للحكم بعد ذلك، سواء وصلوا بها إلى صلاح الدين أو إلى غيره.


يمكننا تلخيص مقولة النص إذن في عدم كفاية أن يكون الحاكم قويا، وقادرا على تحقيق الانتصارات في ميادين القتال، وأنه لا غنى لذلك الحاكم القوي عن أن يسترشد، بل أن يقيد نفسه  -عند ممارسة سلطاته - بدستور ثوري يحمل فكرا سياسيا واجتماعيا حديثا، يرتب الحقوق والواجبات بالعدل فيما بين دوائر الحكم والمحكومين،  ومن ثم  يقضى على الاستبداد والفساد في دوائر الحكم من ناحية، ويلبي أشواق الناس في نيل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، من ناحية أخري، فيضمن بذلك تماسك لُحمة الدولة، ومن ثم قدرتها على مواجهة أعدائها، عبر تعزيز أواصر الانتماء الشعبي، ومتانة البنيان الاجتماعي، يقول محمود دياب على لسان بطله الثائر، المتخيل أسامة بن يعقوب في كتابه المتخيل (باب الفتوح): لو أنّا حررنا الناس جميعا، ومنحنا كلا منهم شبرا في الأرض، وأزلنا أسباب الخوف.. لحجبنا الشمس إذا شئنا، بجنود يسعون إلى الموت، ليذودوا عن أشياء امتلكوها واكتشفوا كل معانيها.


إن تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية، والأمن - حسب التضمين السابق - هو الضمانة الوحيدة لأن ينهض الناس للدفاع عن أوطانهم، وهو ما تستكمله أيضا تلك الجملة: (ما من شيء يدفع عبدا أن يستشهد ليصون الحرية للأسياد، أن يحمى أرضا لا يملك فيها شبرا، أن يحرس عينا لا يُسقى منها جرعة ماء، أن يمنح دمه ليحيا جلادوه).


ذلك خطاب النص الذي من أجله ذهب الكاتب ليستعير أقنعة ومرويات من التاريخ العربي والإسلامي، ليطل منها على حكاية  لحظته الاجتماعية والسياسية، المأزومة، فيما بعد هزيمة يونيو 67، التي وضعت أسطورة الزعيم والقائد الفرد على المحك، وكشفت عدم صلاحيتها للانفراد بالأمر، من دون وجود دستور اجتماعي وسياسي ثوري وعادل.


العرض الذي أخرجه فهمي الخولي، حاول الاستفادة من قدرة النص على الحياة  في أكثر من زمان ومكان، ما بقيت مشكلة الحكم الفردي قائمة، فامتلأ بإشارات وغمزات توزعت على حكاية السياسة المصرية عبر أكثر من حقبة سابقة. غَّير العرض هوية بطله الثائر من أسامة (بن يعقوب) الهارب من أجواء الهزيمة في إشبيلية، زمن انحسار الوجود العربي في الأندلس، إلى أسامة (بن منصور) القادم من مصر، كما غيّر العرض من هوية العدو، فجعل في إمكانك أن ترى العدو الإسرائيلي، ومعاهدة السلام المصرية، في عهد الرئيس السادات، وهو ما صاغه في بعض جمل الحوار مثل ذكره ترديد أبيات من قصيدة "لا تصالح" لأمل دنقل،  وكذلك في تفسيره لبعض الأحداث، وهو ما يمكنك من أن تقرأ في ضوء هذه الصياغة.. استحواذ سارة اليهودية وابنتها على منزل العجوز (أبو الفضل) وغير ذلك من إشارات تصلنا بالشارع السياسي المصري، منذ الستينيات.


لم يوفق العرض - حسب قراءتي - في أن يشكل لنفسه إطارا إيهاميا متماسكا، وإيقاعا حيا، من شأنه أن يمسك بلحظاته المتنوعة، وعناصره المختلفة في نسق محسوس، محافظا على اهتمام وانتباه المشاهد ووضعه تحت السيطرة. لقد بدا العرض مفككا، تتجاور فيه اللحظات والعناصر ولا تتصل. يمكنك بسهولة أن تستغرق في  كوميديا محمد محمود (عماد الدين الأصفهاني) حتى تنسى تماما انفجارات محمد رياض (أسامة بن منصور) وصراخه الثوري ومحورية خطابه بالنسبة للعرض، كذلك لن تفهم لماذا استعان العرض بالغناء، لاسيما وهو لا يضيف شيئا،  لا على مستوى الخطاب، ولا إلى الانفعال، ولا إلى الإيقاع ، ولا إلي التشكيل، ولن أقول العكس هو الصحيح، حيث لم يكن من الممكن أن يضر الغناء بشيء، هو مفكك أصلا، ناهيك عن أن ألحان (منير الوسيمي) وأسلوب الغناء ينسيانك أنك تشاهد عرضا دراميا؛ حيث تنتمي الألحان بكلماتها إلى التطريب، أكثر من انتمائها إلى التعبير والغناء المسرحي، الذي أقامه سيد درويش، كما لن تفهم لماذا تم استدعاء شاعر هو( محمد الشاعر) لكتابة الأغاني،  بينما كانت لغة المؤلف أكثر ملاءمة وتعبيرا، خاصة وأن لغة دياب تكاد تقترب في مواضع كثيرة من لغة الشعر، والجمل التي ضمّنّاها هذا المقال خير دليل.


كذلك فإن أزياء الشابتين المشاركتين في الجوقة، والذي من المفترض أنهما تبحثان مع زملائهما عن الحقيقة، وتحاولان معهم إجبار التاريخ أن ينطق بها، لا تبدو مقنعة ولا متسقة مع هذا السعي، لا أتحدث عن حريتهما وتمثيلهما لشباب اليوم  هنا، إنما أتحدث عن ملاءمة الزى للدور، ولقد كان مثيرا للضحك - بالنسبة لي - أن أرى فتاة ترتدي "الشورت"، وأخرى ترتدي الجينز المقطع على الفخذ، على الموضة، منهمكة في أداء جاد، تؤدي خطوات شبه عسكرية، أو تردد الأناشيد الحماسية. هذا إن جاز في الواقع فإنه يصبح غريبا على المسرح، كذلك كانت حركة فتاة  أخرى،  في مقدمة المسرح، مريبة وغير لائقة لعرض من المفترض أن يكون جادا.


أفهم أن المخرج أراد أن يجمع نماذج مختلفة تمثل شباب اليوم، ولكن ظني أنه لم يعط أهمية إلى ضرورة أن تتسق ملامح هؤلاء الشبان، وملابسهم وحركاتهم، مع ما يشغلهم، ويؤرقهم.


لا حلول مبتكرة على مستوى بناء المنظر المسرحي؛ ديكور (أسامة المنصوري) ثقيل، تحول في بعض المشاهد إلى عبء على الخشبة.. وهو عبارة عن عدة نماذج على  شكل الفانوس أو القنديل، تم توظيفها كأبواب، حوانيت، مسجد، مدينة مغلقة، دائرة حصار إلخ.. نعم كان دالا على الهوية الإسلامية للمكان، ولكنه بدا - مع ذلك - محايدا ومنفصلا وبلا روح، بألوانه وإضاءته، كذلك بدت (العربة الحربية) التي يتنقل بها كبير الجند زائدة على الحاجة، مجرد حلية متحركة على المسرح، أشبه بلعب الأطفال.


في إطار هذا الانفصال والتفكك على مستوي بنية العرض، تطفو الموهبة الشخصية، وتملأ الفراغات، وتستهلك - بقصد أو بدون - زمن العرض، لحسابها الخاص، وهو ما ظهر واضحا في مساحة التأثير التي صنعها (محمد محمود/ عماد الدين) لنفسه، حيث طغى حضوره الكوميدي بقوة على مناطق التأثير الأخرى، التي ربما كانت أكثر احتياجا للمساحة الأكبر من التأثير، والتي حاول فيها (محمد رياض/ أسامة بن منصور) وإن اتسم أداؤه بنوع من المبالغة والخطابية الزاعقة. ولم تتح مساحة الدور التي  شغلها الفنان الكبير يوسف شعبان أن يحتل مساحة تأثير أوسع، وقد بدا لي أنه لم يحاول بذل الكثير من الجهد لتأطير الشخصية التي يلعبها، ومنحها الحضور الذي يسكنها عالمها الدرامي. كذلك لم يجد (أشرف طلبة /  كبير الجند) ما يضيفه إلى أشرف طلبة.


"الناس في بلادي"  قصيدة صلاح عبد الصبور الشهيرة كانت هناك أيضا، دون داع.