فيلم الأم .. رسائل سياسية مباشرة تدعو للمصالحة

20/10/2015 - 9:53:14

صباح الجزائرى فى فيلم الأم صباح الجزائرى فى فيلم الأم

عبد الكريم قادري - ناقد سينمائي جزائري

    سلّط المخرج السوري باسل الخطيب من خلال آخر أعماله السينمائية الضوء على زوايا عدة من المعاناة التي يُمكن أن تمر بها المرأة السورية، وهو الرهان الذي رفعه الخطيب من أجل إخراج ثلاثية تُعنى بهذه القضية، حيث بدأها بفيلم "مريم" ثم ـ"الأم" وسينتهي بقيلم "سوريون" الذي يتم إعداده حاليا، وسيكون جاهزا خلال بداية السنة القادمة على أكثر تقدير.


    لعب المخرج في فيلمه "الأم" إنتاج 2015، على قصة مستوحاة من أحداث حقيقية، كان الراهن السوري مسرحا لها، إذ تدور أحداثها في قرية نائية، بطلتها أم تعيش وحدها "لعبت الدور صباح جزائري"، تموت فجأة، لينعكس هذا الحدث الرئيسي ويصبح المحرك الرئيسي لباقي الأحداث، ليدخل بعدها الأبناء الذين فرقتهم الحياة والحرب، في سباق محموم مع الزمن  لحضور جنازة الأم، والاجتماع بها من جديد، ردا لجزء من الجميل الذي غمرتهم به.


    كانت رحلة الأبناء للعودة إلى ضيعتهم محفوفة بالمخاطر، حيث الرصاص والانفجارات والموت في كل شبر من سوريا، لتكون فرصة الوصول إلى بيت الأم واللحاق بجنازتها منعدمة إن لم تكن مستحيلة، لكنه رهان رفعه الأبناء، خاصة ابنتها التي تعارض النظام السوري وتعيش في فنادق لبنان "أدت الدور ديما قندلفت"، وهي من المطلوبات من طرف القضاء بسبب نشاطها المتواصل والمعادي، لكن إصرارها على إلقاء نظرة أخيرة على والدتها كان أكبر من كل خوف، لذا قررت عبور الحدود السورية اللبنانية وهي على يقين بأن اسمها مسجل، وسيقبض عليها بمجرد أن تطأ قدمها الأراضي السورية، والمهم في كل هذا حسب تقديرها أن تحاول.


    وفي خضم كل هذا ومن أجل أن يُكسر خط السرد، يقوم المخرج برحلات العودة إلى الماضي عن طريق تقنية الفلاش باك، حيث يُظهر علاقة الأم مع جارتها "أدت الدور سلاف فواخرجي"، وهي علاقة مبنية على الحقد والكراهية، بسبب أحداث وقعت بين العائلتين في الماضي، وقد حاولت الأم جاهدة إصلاح هذه العلاقات لكنها عبثا تحاول، لعمق الجراح، أما الجارة فتعيش حياة الترقب والرتابة في ضيعتها، بعد أن استيقظت في أحد الأيام ولم تجد زوجها بجانبها، هذا الأخير اختفى بدون سابق إنذار.


    تجتاز الابنة الحدود اللبنانية، وعندما تصل إلى النقطة السورية يتم توقيفها، ويبدأ الضابط في سلسلة تحقيقاته معها، عن تصريحاتها السابقة ضد البلد، ومواقفها، ونشاطها، وعن السبب الرئيسي الذي جعلها تدخل سوريا من جديد رغم علمها بأنها مطلوبة، وبعد حوارات طويلة وصلا إلى الجانب الإنساني، حيث سمح لها الضابط بأن تذهب لجنازة أمها بشرط أن تفي بوعدها وتعود له ليقوم بإجراء التوقيف، وفي الوقت نفسه يحاول بقية الأبناء الاتفاق من أجل اللحاق بأمهم، لكن هناك من هو خائف، وهناك من يرفض الفكرة، وهناك من يتردد.


    في الضيعة تفاجأ الجارة بعودة زوجها من جديد، لتدخل في مرحلة صدمة معه، تسأل عن السبب فيعدوه إلى انخراطه في المعارضة المسلحة، التي بدأها بإعطاء المعلومات، ليجد نفسه متورطا معهم ولا يستطيع مغادرتهم لأنه سيتعرض وعائلته إلى التصفية، وقد جاء للقرية رفقة مجموعة منهم للقيام بعملية فيها، أما من الجهة الأخرى فتموت الأم ولا تجد من يقوم بمراسيم جنازتها سوى جارتها التي كانت الأحقاد تملؤها، حيث عم الصلح معهما، وقامت بتجهيزها للدفن، وعندما خرجت بها بدأ الأولاد يلحقون تباعا بالجنازة، بعد أن عانوا الويلات في الطرقات، لحقوا بقبر والدتهم، واجتمعوا من جديد، حيث جمعتم الأم بعد أن فرقتهم الدنيا.


    جاء الفيلم محملا بالرسائل السياسية الواضحة التي  تنادي بالمصالحة بين أبناء سوريا الذي يتقاتلون، ليكون دور الأم ما هو سوى إسقاط مباشر على الوطن، الذي وإن تعددت الاختلافات سيجتمع فيه الإخوة الأعداء من جديد، ليكون التصالح والالتفاف حول الوطن،  وقد سبق أن صرح المخرج باسل الخطيب قائلا إن الفيلم ما هو سوى "دعوة للمصالحة"، ما جعله ينغمس في الخطاب المباشر ما أنقص من محمول الفيلم الجمالي، وجعله يغرق في المباشرة، التي انعكست بجلاء في الحوار و الأحداث، ما ترك المشاهد يحس بأنه أمام حلقة من مسلسل تلفزيوني، وليس في مواجهة فيلم سينمائي، إذ يختلف المحمول الفني لكل لون، وربما الانغماس الكلي لباسل الخطيب في الأعمال الدرامية جعله يتعامل مع الفيلم بالأدوات الدرامية نفسها، خصوصا وأنه أخرج حوالي 28 مسلسلا تلفزيونيا، مقابل بضعة أفلام روائية.


    فيلم "الأم" 90 دقيقة، من إنتاج المؤسسة العامة للسينما، كتب نصه وأخرجه باسل الخطيب، ولعبت فيه أدوار البطولة كل من صباح جزائري، وديما قندلفت، ونورا رحال،  وهو ثالث الأفلام الروائية الطويلة للمخرج، بعد فيلمي "الرسالة الأخيرة" و"مريم"، وقد اكتسب باسل الخطيب أدواته الفنية والإخراجية من خلال دراسته بكلية الإخراج السينمائي والتلفزيوني في معهد السينما بموسكو، حيث تخرج سنة 1987.