المخرج الحكواتي المغربي حكيم بلعباس : أغوص مباشرة في التاريخ وأروي لأواسي نفسي قليلا

20/10/2015 - 9:51:21

المخرج المغربى حكيم بلعباس المخرج المغربى حكيم بلعباس

ماهر عنجاري - ناقد سوري مقيم في فرنسا

    عين ثاقبة تنقب عن الحقيقة بكل تجلياتها، عين لا تعرف القولبة ولا تكترث للحدود أو للتعريفات الأكاديمية، وأخرى متفردة بذاتها تحلق في فضاء هذا العالم الرحب، لتنقل لنا الكثير عن كل تلك الزوايا المهمشة والمنسية. عين تصنع السينما بأدوات بسيطة، ولكن بأفكار عميقة، تنبض بكل إيقاعات الحياة والحب.


    هناك على ناصية حلمه يعمل بدأب وروية. إنه المخرج الحكواتي المغربي حكيم بلعباس. خجول وهادئ لكنه نهر جارٍ، يحفر مجراه بمائه المتدفق الهادر، لا يوقفه شيء، يجود علينا بجديده المنتظر، ليضيف بطريقته الخاصة الكثير لعالم السينما. طالما جمعتني به الكثير من المحافل السينمائية، والجلسات الخاصة، ولم يدر بخلدي يوما أن أجري معه لقاء، لكن رغبة شديدة في استشراف عالمه قادتني إليه، فكان هذا اللقاء:


•        عندما تخرج فيلما وثائقيا خياليا، هل تختار بوعي هذا القالب أم هي طريقة للهروب من صنع فيلم روائي؟


ـ لا أدري بالضبط، فلا الأمر هروب ولا خيار. يبدو فقط أني أدركت في محطة ما من محطات عملي أنه من المستحيل بالنسبة لي أن أعطي صورة مفبركة عن الأحداث وعن الشخصيات. عملي هو توصيف لحقيقة ما. فعلى سبيل المثال، يتمثل أفضل تعريف لأداء الممثل في غياب الأداء نفسه، وبالتالي، فإن الممثل حين يعيش اللحظة المتخيلة فإنه يتلبسها بعمق حقيقته هو ذاته. وأنا كثيرا ما أحاول التمييز بين التمثيل الحقيقي وبين المفتعل. علمني ذلك معلم المسرح الكبير صاندي مسنر، الذي عرّف «التمثيل» بانعدام التمثيل.


•        كما في حالة زينب عندما تتكلم مع حبيبها هاتفيا في فيلم «محاولة فاشلة لتعريف الحب»؟


ـ نعم، هو نوع من الاستيعاب، والمشهد كان أكثر صدقا مما لو أنني فرضت عليها نصا مكتوبا. هناك أيضا المشهد الذي تتحدث فيه زينب مع والدتها. هذا المشهد لم يكن مخططا له، حتى أنني كنت أفكر بتصوير شيء آخر، ولكن بالمصادفة يرن هاتف الممثلة، فتستغرق في حديث تطابق تماما مع ما أبحث عنه. لذلك تركت الكاميرا تدور وتلتقط تلك اللحظة العفوية، وللسبب نفسه سجلت الصمت خلال هذه المحادثة.


    لقد استغرق مني الاستعداد لفيلم «محاولة فاشلة لتعريف الحب» خمس سنوات. أقابل الناس، استكشف الأشياء، وأحضر نفسي للإبحار. وهكذا، التقيت بالعجوز وزوجها (في مشهد قيامها بتغسيل زوجها) أخبرني الناس وقتها أنهما أعرق زوجين في القرية، ففكرت أنه علي القيام بشيء ما مادام فيلمي يروي قصة حب. تابعت تلك العجوز وهي تنظف زوجها بمحبة وحنان، فقررت أن أحتفظ بالمشهد.


•        لكن هذا المشهد في الفيلم لا يوضح العلاقة التي تجمع العجوز بهذا الرجل.. هل هو زوجها، أخوها أم عشيقها؟ ما ينبعث من الفيلم هو الحب، والحب لا يعرف الحدود. ما يعني أنك تعتقد أن لا حدود في الحب. فهل تنتفي الحدود برأيك بين الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي؟


ـ تماما، كما أنه في الحب لا حدود بين الرجل والمرأة، ولا بين الأخ والأخت، هناك فقط المحبة، كذلك الأمر برأيي في عالم السينما، فلا حدود بين الفيلم الروائي والفيلم الوثائقي، هناك فقط الحقيقة.


•        كيف تصنع أفلاما وثائقية وأنت في حياتك العادية قليل الكلام؟


ـ لا أحب تضييع وقتي. أسعى دائما للوصول إلى صلب الأشياء، وبسرعة. وأعتبر نفسي مثل الراوي، أغوص مباشرة في التاريخ. أروي لأواسي نفسي قليلا.


•        هل هذا يعني أنك تفكر بصناعة سينما خاصة بك اسمها «سينما بلعباس»؟


ـ لا أفكر بشيء من هذا القبيل، ولا أعتقد أن لدي الإمكانية لتحقيقه. أحاول كل مرة الامتثال للقواعد السينمائية التي تعلمتها في الجامعة والأفلام التي شاهدتها وأعشقها، ولكن في النهاية يرتفع عندي الحدس، وأشعر بأن شيئا يتحداني، فأقوم بتجريب شيء مختلف لا أعرف نتائجه، لذلك فأنا لا أصنع أفلامي إلا على طاولة المونتاج.


•        ألهذا السبب تقوم بمونتاج أفلامك؟


ـ نعم. فلو كان لدي مونتير لبقي محتوى الفيلم، في أغلب الأحيان، طريح الأرض. مثلا بالنسبة لمشهد ولادة الخروف في فيلم «محاولة فاشلة لتعريف الحب» فسيقول أي مونتير إن هذا المشهد لا علاقة له بالفيلم، لا من قريب ولا من بعيد، ولكن بالتأكيد هذا المشهد له علاقة خاصة بكل الفيلم. الأمر نفسه بالنسبة للقاء مع المتشرد، المشهد الذي تلتقي فيه زينب بالمرأة العجوز، وكذا مشهد المطر.


•        أنت لست كباقي المخرجين الذين يكتبون ثم يقومون بالاستطلاع؟


ـ أحيانا، أودّ لو كانت هناك يد خفية تساعدني حين أكون قد حضرت نفسي نفسيا وعاطفيا، فمثلا مشهد المطر في فيلم «محاولة فاشلة لتعريف الحب» يحتاج إلى أجهزة ومعدات مكلفة جدا، ولكن السماء ساعدتني حينها، وأمطرت في ذلك اليوم.


    أعتمد على التحضير. ولدي حظ كبير في العمل مع فريق، يصاحبني منذ سنوات، ويفهم جيدا طريقة عملي. مدير تصويري فرنسي، لا نتكلم كثيرا، ولكنه يعرف بالضبط ما أريده. وحتى هو لا يعرف أبدا حين ننتهي من الفيلم النتيجة النهائية له، رغم أنه قريب من رؤيتي السينمائية. فالتركيب يتم دائما بطريقة تدريجية.


    أحاول أحيانا أن أتقيد قدر الإمكان بخطوات العمل. قراءة السيناريو. استكشاف الأماكن. التقطيع. تصوير المشاهد، مشهدا بعد الآخر، يوما بعد يوم، لكن البنية الأصلية التي اعتمدتها سرعان ما تصبح ثانوية.


•        ألا تستطيع تأسيس سينما على حدة؟


 ـ أبدا، وإلا تحول الأمر إلى ادعاء، فلا أظن أني أمتلك ما ينبغي امتلاكه لتحقيق مشروعي، أو مدرسة في السينما. أكثر ما يمكنني إنجازه هو التجريب. وأصدقك القول، فإني كلما باشرت عملا جديدا أجهل الشكل الذي سوف يتخذه. كل ذلك من قبيل الحدس، فهناك داع يدعوني، إنه عملية الإبداع لدي. وبالتالي أتبع غريزتي، خاصة وأني غير منظم لأصبح سينمائيا جيدا. أفتقد لأية هيكلة.


•        أية علاقة تربطك بالأساطير والخرافات؟ هل كانت جدتك تروي لك الحكايا في طفولتك؟


ـ نشأت في مدينة روحية، بوجعيد في المغرب، مزودة بتاريخ صوفي عريق متمثل في سير قديسي المدينة. قصة إنشاء المدينة نفسها قصة رائعة. كان هناك رجل بدوي، صوفي، اسمه بواديب شركي، جاء ليستقر في المنطقة التي كانت عبارة عن غابة كبيرة، فاكتشف أن المياه كانت شحيحة. وحين جاء وقت الصلاة لم يستطع القيام بفرض الوضوء، انتابه غضب شديد، فضرب الأرض بعصاه، وهنا تفجرت المياه، وسمي المنبع باسمه «ينبوع الشيخ».


    في هذه المدينة، تعودت على التردد على الحلقات، (تلك الحلقات الشعبية التي تروى فيها الحكايات، والتي اختفت في أيامنا هذه)، والاستمتاع بملاحم عنترة، وسيف بن ذي يزن، وعلقمة وسيدنا علي. كانت هناك، خاصة، حكايات الجدات، حكايات لطالما سكنت خيالي، وأذكر كم كنت أطالب بأن تُعاد على مسامعي، مرات ومرات، حكايات الجازية بنت منصور" التي عبرت السبع بحور، على ظهر سبع صقور" بحثا عن أبيها المفقود.


    هكذا ترعرعت مع الحكايات والخرافات، كما درست الميثولوجيا، وأجريت بحوثا حول الأدب الشفهي مثل «ألف ليلة وليلة»، حكايات «الإخوة جريم»، والقصص الهندية الأمريكية.


    ربما كان سبب اهتمامي بالأساطير منبعه محاولاتي لرؤية الأساطير حولي. وأظن أن ذلك أجمل تعريف للسينما. إنها الاستعارة. ولذا كثيرا ما أحاول خلق أبطالي وشخصياتي انطلاقا مما هو عادي، أو أقل من عادي.