المحكمة الدستورية تجيب .. هل النقاب حرية شخصية ؟!

15/10/2015 - 12:48:26

رئيسة التحرير ماجدة محمود رئيسة التحرير ماجدة محمود

كتبت - ماجدة محمود

بإجماع الفقهاء النقاب " عادة وليس عبادة " ، ولم يات ذكر النقاب فى الكتاب والسنة ، ولن نذهب بعيداً فيما فصله العلماء والفقهاء ، وعليه إجماع ، ولكن فى حكم المحكمة الدستورية العليا فى القضية رقم 8 لسنة 17 قضائية المحكمة الدستورية العليا " دستورية " بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 18 مايو 1996 الموافق 30 ذو الحجة 1416 ه برئاسة المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر ، فيه إجابة شافية على هذا السؤال الذى يتصدر غلاف " حواء " التى دوماً تلح على حرية المرأة فى إطار مجتمع حر ديمقراطى ، ننقل هنا فقرات تشرح نفسها بنفسها ، فى حكم واضح صادر من أعلى محكمة مصرية ..


 حيث أن الشريعى الإسلامية - فى تهذيبها للنفس البشرية وتقويمها للشخصية الفردية - لا تقررإلا جوهر الأحكام التى تكفل للعقيدة إطار يحميها ، ولأافعال المكلفين ما يكون ملتئماً مع مصالحهم المعتبرة ، فلا يبغونها عوجا ، ولا يحيدون أبدأً عن الطريق إلى ربهم تعالى ، بل يكون سلوكهم أطهر لقلوبهم ، وأدعى لتقواهم وفى هذا الإطار ، أعلى الإسلام قدر المرأة ، وحضها على صون عفافها ، وأمرها بستر بدنها عن المهانة والابتذال ، لتسمو المرأة بنفسها عن كل ما يشينها أو ينال من حيائها ، وبمراعاة أ، هيئة ثيابها ورسمها ، لا تضبطهما نصوص مقطوع بها سواء فى ثبوتها أو دلالتها ، لتكون من المسائل الاختلافية التى لا ينغلق الاجتهاد فيها ، بل يظل مفتوحاً فى إطار ضابط عام حددته النصوص القرآنية ذاتها إذ يقول تعالى : وليضربن بخمرهن على جيوبهن " " ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها " " يدنين عليهن من جلابيبهن " " ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن " ليخرج لباس المرأة بذلك عن أن يكون من الأمور التعبدية التى لا تبديل فيها ، بل يكون لولى الأمر السلطة الكاملة التى يشرع بها الأحكام العملية فة نطاقها ، تحديداً لهيئة ردائها أو ثيابها على ضوء ما يكون سائداً فى مجتمعها بين الناس مما يعتبر صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم التى لا يصادم مفهومها نصاً قطعياً ، بل يكون مضمونها متغيراً بتغير الزمان والمكان ، وإن كان ضابطها ا، تحقق الستر بمفهومه الشرعى ، ليكون لباس المرأة تعبيراً عن عقيدتها وحيث إن تنازع الفقهاء فيما بينهم فى مجال تأويل النصوص القرآنية ، وما نقل عن الرسول من أحاديثه صحيحها وضعيفها ، وإن آل إلى تباين الآراء فى شأن لباس المأة ، وما ينبغى ستره من بدنها ، إلا أن الشريعة الإسلامية - فى جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها - تتوخى من ضبطها لثيابها ، أن تعلى قدرها ، ولا تجعل للحيوانية مدخلاً إليها ، ليكون سلوكها رفيعاً لا ابتزال فيه ولا اختيال ، وبما لا يوقعها فى الحرج إذا اعتبر بدنها كله عورة مع حاجتها إلى تلقى العلوم على اختلافها ، وإلى الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التى تختلط فيه بالاخرين ، وليس متصوراً بالتالى أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها ، وا، يطلب منها على وجه الإقتضاء ، أ، تكون شبحاً مكسوراً بالسواد أو بغيره ، بل يتعين أن يكون لباسها شرعاً قرين تقواها ، وبما لايعطل حركاتها فى الحياة ، فلا يكون محدداً لجمال صورتها ، ولا حائلاً دون يقظتها ، ومباشرتها لصور النشاط التى تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها ، بل موازناً بين الأمرين ، ومحدداً على ضوء الضرورة ، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفاً صحيحين ولا يجوز بالتالى أن يكون لباسها ، مجاوزاً حد الاعتدال ، ولا احتجاباً لكل بدنها ليضيق عليها اعتسافاً ، ولا إسدالاً لخمارها من وراء ظهرها ، لا اتصالاً بصدرها ونحرها فلا ينكشفان ، مصداقاً لقوله تعالى " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " واقتراناً بقوله جل شأنه بأن " يدنين عليهن من جلابيبهن " فلا يبدو من ظاهر زينتها إلا ما لا يعد عورة ، وهما وجهها زكفاها ، بل وقدماها عند بعض الفقهاء " ابتلاء بإبدائهما " على حد قول الحنفية ، ودون أن يضربن بأرجلهن " ليعلم ما يخفين من زينتهن " ، وقد دعا الله تعالى الناس جميعاً أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا ، وهو ما يعنى أن التزامها حد الاعتدال ، يقتضى ألا تصفها ثيابها ولا تشى بما تحتها من ملامح أنوثتها ، فلا يكون تنقبها مطلوباً منها شرعاً طلباً جازماً ، ولا سترها لزينتها شكلاً مجرداً من المضمون ، بل يتعين أن يكون مظهرها منبئاً عن عفافها ، ميسراً لإسهامها المشروع فيما يعينها على شئون حياتها ، ويكون نائياً بها عن الابتذال ، فلا يقتحمها رجال استمالتهم إليها بمظاهر جسدها ، مما يقودها إلى الإثم انحرافاً ، وينال من قدرها ومكانتها وحيث انه متى كان ما تقدم ، وكان تحريم أمراً أو شأن من الشئون ، لا يتعلق بما هو محتمل ، بل بما يكون معلوماً بنص قطعى ، وإلا ظل محمولاً على أصل الحل ، وكان لا دليل من النصوص القرأنية ، ولا من سنتنا الحميدة على أن لباس المرأة يتعين شرعاً أ، يكون احتجاباً كاملاً ، متخذاً نقاباً محيطاً بها منسدلاً عليها لا يظهر منها إلا عينيها ومحجريهما ، فإن إلزامها إخفاء وجهها وكفيها ، وقدميها عند البعض ، لا يكون تأويلاً مقبولاً ، ولا معلوماً من الدين بالضرورة ، وذلك أن معنى العورة المتفق عليها لا يتصل بهذه الأجزاء من بدنها ، بل أن كشغها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها ، ويفرضون نوعاً من الرقابة على سلوكها ، وهو كذلك أكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها ، وأدعى لرفع الحرج عنها وما ارتآه البعض من أ، كل شئ من المرأة عورة حتى ظفرها ، مردود بأن مالكاً وأباً حنيفة وأحمد بن حنبل فى رواية عنه ،  والمشهور عند الشافعية ، لا يرون ذلك والرسول عليه السلام يصرح بأن بلوغ المرأة المحيض ، يقتضيها أ، يكون ثوبها ساتراً لبدنها عدا وجهها وكفيها وحيث ان استقراء الأحكام التى جرى بها القرار المطعون فيه ( قرار منع النقاب فى مراحل التعليم ) ، يدل على أ، لكل طالبة أ، تتخذ خماراً تختاره برغبتها ، ولا يكون ساتراً لوجهها ، ولك بما يراعى احتشامها ، ويكون موافقاً لتقاليد وأخلاق مجتمعها ولا يجوز أن يكون أسلوبها - فى مجال ارتدائها لزيها - دالاً على فحشها ولا يناقض القرار المطعون فيه - فى كل ما تقدم - نص المادة الثانية من الدستور ، ذلك أن لولى الأمر - فى المسائل الخلافية - حق الاجتهاد بما ييسر على الناس شئونهم ، ويعكس ما يكون صحيحاً من عاداتهم وأعرافهم ، وبما لا يعطل المقاصد الكلية لشريعتهم التى لا ينافيها أن ينظم ولى الأمر - فى دائرة بذاتها - لباس الفتاة ، فلا يكون كاشفاً عن عورتها أو ساقيها ، ولا واشياً ببدنها ، أو منبئاً عما لا يجوز إظهاره من ملامحها ، أو منافياً لحيائها ، وهو ما توخاه هذا القرار ، حين ألزم كل تلميذة تلتحق بإحدى المراحل التعليمية التى نص عليها ، بأن يكون زيها مناسباً حائلاً دون تبذلها ، ناهياً عن عريها أو إظهار مفاتنها ، بل إن أسلوبها فى ارتداء زيها يتعين فةق هذا ، أن يكون ملائماً لقيمها الدينية التى تندمج بالضرورة فى أخلاق مجتمعها وتقاليدة كذلك فإن خمارها وفقاً لهذا القرار ، ليس إلا غطاء لرأسها لا يحجب وجهها وكفيها ، وإن كان مترامياً إلى صدرها ونحرها ، فلا يكفى أن تلقيه من وراء ظهرها وحيث إن النعى على القرار المطعون فيه ، مخالفته لحرية العقيدة التى نص عليه الدستور فى المادة 46 ، مردود بأن هذه الحرية - فى اصلها - تعنى ألا يحمل الشخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها ، أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها ، أو ممالأة إحداها تحاملاً على غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها أو إزدرائها ، بل تتسامح الأديان فيما بينها ، ويكون احترامها متبادلاً ولا يجوز كذلك فى المفهوم الحق لحرية العقيدة ، أن يكون صونها لمن يمارسونها إضراراً بغيرها ، ولا أن تسير الدولة - سراً أو علانية - الانضمام إلى عقيدة ترعاها ، إرهاقاً لآخرين من الدخول فى سواها ، وللا أن يكون تدخلها بالجزاء عقاباً لمن يلذون بعقيدة لا تصافيها وليس لها بوجه خاص إذكاء صراع بين الأديان تمييزاً لبعضها على البعض كذلك فإن حرية ممارسة شعائرها ، وهو ما حمل الدستور على أن يضم هاتين الحريتين فى جملة واحدة جرت بها مادته السادسة والأربعون بما نصت عليه من ان حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية ، مكفولتان وهو ما يعنى تكاملهما ، وإنهما قسيمان لا ينفصلان ، وأن ثانيتهما تمثل مظاهر أولهما باعتبارها انتقالاً بالعقيدة من مجرد الإيمان بها واختلاجها فى الوجدان ، إلى التعبير عن محتواها عملاً ليكون تطبيقها حياً ، فلا تكمن فى الصدور ، ومن ثم ساغ القول بأن أولاهما لا قيد عليها ، وأن ثانيتهما يجوز تقييدها من خلال تنظيمها ، تزكيداً لبعض المصالح العليا التى ترتبط بها ، وبوجه خا ما يتصل منها بصون النظام العام والقيم الأدبية ، وحماية حقوق الأخرين وحرياتهم وحيث إنه متى كان ذلك ، وكان القرار المطعون فيه لا ينال من حرية العقيدة ، ولا يقود أسسها أو يعطل شعائر ممارستها ، ولا يناهض جوهر الدين فى الأاصول الكلية التى يقوم عليها ، بل يعتبر اجتهاداً مقبولاً شرعاً لا يتوخى غير تنظيم راء للفتاة - فى دائرة المعاهد التعليمية عبر المراحل الدراسية التى حددها - بما لا ينتقص من حيائها أو يمس عفافها ، أو يشى بعوراتها ، فإن هذا القرار يدخل فى دائرة تنظيم المباح ، ولا يعد افتتائها على حرية العقيدة وحيث أ، ما ينعاه المدعى من إخلال القرار المطعون فيه بالحرية الشخصية بمقولة أن قوامها الاستقلال الذاتى لكل فرد بالمسائل التى تكون أكثر إتصالاً بمصيره وتأثيراً فى أوضاع الحياه التى إختار أنماطها ، لتكتمل لشخصيته ملامحها ، مردود بأنه حتى وإن جاز القول بأن مظهر الشخص من خلال الأزياء التى يرتديها ، يبلور إرادو الإختيار التى تمثل نطاقاً للحرية الفردية يرعى مقوماتها ويكفل جوهر خصائصها ، إلا أن إرادة الاختيار هذه ، ينبغى قصر مجال عملها على ما يكون لصيقاً بالشخصية ، مرتبطاً بذاتسة الانسان فى دائرة تبرز ملامح حياته وقراراته الشخصية فى أدق توجيهاتها ، وأنبل مقاصدها ، كالحق فى اختيار الزوج وتكوين الأسرة ، وأن يتخذ الشخص ولداص ولا يجوز بالتالى بسطها إلى تنظيم محدد ، ينحصر فى دائرة بذاتها ، يكون الصالح العام ماثلاً فيها ، ضبطاً لشئون هؤلاء الذين يقعون فى محيطها ، ويندرج تحتهم طلبة المراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية وطالباتها ، وهو ما يعنى أن الحرية الشخصية لا ينافيها أن يفرض المشرع " فى دائرة بذاتها " قيوداً على الأزياء التى يرتديها بعض الأشخاص " فى موقعهم من ذه الدائرة " لتكون لها ذاتيتها ، فلا تختلط أرديتهم بغيرها ، بل ينسلخون فى مظهرهم عمن سواهم ، ليكون زيهم موحداً ، متجانساً ولائقاً ، دالاً عليهم ومعرفاً بهم ، وميسراً صوراً من التعامل معهم ، فلا تكون دائرتهم هذه نهباً لأخرين يقتحمونها غيلة وعدواناً ، ليلتبس الأمر فى شأن من ينتمون إليها حقاً وصدقاً وحيث أن التعليم وإن كان حقاً مكفولاً من الدولة ، إلا أن التعليم كله – وعلى ما تنص عليه المادة 18 من الدستور – خاضع لإشرافها ، وعليها بالتالى أن ترعى العملية التعليمية بكل مقوماتها ، وبما يكفل الربط بين التعليم ومتطلبات مجتمعها ، وأن يكون تنظيمها لشئون طلبة بعض المعاهد وطالبتها مبرراً من خلال علاقة منطقية بين مضمون هذا التنظيم ، والأغراض التى توخاها وارتبط بها ، وهو ما تحقق فى واقعة النزاع الراهن على ضوء الشروط التى حددها القرار المطعون فيه لأزياء المراحل التعليمية الثلاث التى نص عليها ، ذلك أن هذا القرار لم يطلق أزياء طلبتها وطالبتها من القيود ، بل جعل ردائهم محتشماً موحداً وملائماً ، فلا يندمجون فى غيرهم ، أو يختلطون بمن سواهم ، بل يكون زيهم فى معاهد هذه المراحل ، معرفاً بهم دالاً عليهم ، كافلاً صحتهم النفسية والعقلية ، وبما لا يخل بقيمهم الدينية ، فلا يتفرقون أبداً .


من هذا العرض الشيق المحكم تتأكد لنا الحدود الفاصلة بين الشريعة والحرية الشخصية فى مسألة النقاب وبات ما نشهده اليوم نوعاً من الجدل وتضييع الوقت وانشغال عن اولويات زماننا وهمومنا وما فيه رفعة الإسلام والمسلمين .