من ساحات القتال إلى واحات الإبداع .. صلاح فايز .. شاعر الزمن الجميل

15/10/2015 - 12:42:02

صلاح فايز فى جلسة عمل مع الراحل محمد رشدى صلاح فايز فى جلسة عمل مع الراحل محمد رشدى

حوار - طاهـر البهي

حين تستمع إلى هذا الشاعر صلاح فايز سوف يدهشك مدى تواضعه ودماثة خلقه على الرغم من أنه قامة تطول عنان السماء.. عاش مع نجوم الزمن الجميل وتفاعل معهم لينتجوا لنا أعمالا خالدة بقيت وسوف تظل إلى ماشاء الله.. فهل علمت وأنت تستمع إلى روائعه التى تغنى بها نجوم مصر عبر السنين .


وقبل كل هذا وذاك هو مقاتل مصري جسور برتبة لواء سابق في الجيش المصري العظيم شارك في حماية الوطن.. ونترك له مساحة الحوار ليتكلم عن نجوم الطرب كما عرفهم وعايشهم..


* كانت أشعارك جسرا للمرور بين المطرب الكبير هانى شاكر وجماهيره العريضة على امتداد الوطن العربى.. فكيف كان اللقاء بينكما؟


"كده برضه يا قمر".. كنت قد استمعت إلى صوته الواعد ذى النبرة الدافئة الشجية قبل أن أراه بعام على الأقل، وذلك عندما كنت ومعى رفيق بعض المشوار الملحن خالد الأمير لدى المطرب الكبير محرم فؤاد بشقته بعمارة  ليبون بالزمالك، وكان فى زيارته كل من الشاعر الغنائى الكبير مأمون الشناوى ورجل الأعمال الصديق - فيما بعد - أحمد منتصر، وكانوا يسمعون شريطاً مسجلاً عليه أغنيته الأولى "حلوة يا دنيا".


 فى صيف 1973 كنت أعد أغنية مع خالد الأمير بعنوان "كده برضه يا قمر" وكانت الفنانة تحية كاريوكا من أكثر المعجبين بكلمات وألحان هذه الأغنية محفزة شادية على غنائها فى حفلها الذى تحييه مع الوافد الجديد الصوت الواعد هانى شاكر، ولكم كانت دهشتنا جميعاً  (تحية وخالد وأنا) عندما اقترحت شادية على خالد أن يحفظ هانى اللحن مؤكدة على أنها على ثقة تامة أن هانى سوف يؤدى هذه الأغنية أداءً يكتب لها وله النجاح لسهولة كلماتها ورشاقة ألحانها ولأنها ترى أن تأخذ بيد صاحب هذا الصوت الجميل لأنه ذو نبرة جديدة.. وقد كان.. فحفظ هانى لحن أغنية "كده برضه يا قمر" التى نالت استحساناً كبيراً واستقبل الجمهور الأغنية وصاحبها استقبالاً رائعاً فأعاد كوبليهاتها البسيطة أكثر من مرة بناء على إلحاحهم ونالت هذه الأغنية شهرة عريضة وقتها وعُرف هانى شاكر ومازالت هذه الأغنية تطلب منه حتى الآن فى حفلاته بالأوبرا وغيرها.


 ويرجع الفضل كله لإرادة - الله سبحانه وتعالى - ولأخلاق ورؤية الفنانة العظيمة الكريمة شادية وإيثارها الأغنية ولتساهم فى مولد نجم جديد فى عالم الغناء هو"هانى شاكر".


طار هانى بالأغنية فطار بها صديقه وملحن الكثير من أغانيه الناجحة الموسيقار محمد سلطان والذى كان فى ذلك الوقت على خلاف مع زوجته الرائعة المبدعة اللامعة (فايزة أحمد) فوجد في الأغنية ضالته فهى تعبر عن مشاعره وأحاسيسه وحالته نحوها ومعها أى نحو (فايزة أحمد)، ووضع لحناً شيقاً للأغنية وغناها هانى  وأداها أداءً صادقاً وأصبحت هذه الأغنية أيضاً من علامات هانى شاكر الغنائية والتى تكثر الطلبات عليها فى البرامج الإذاعية المختلفة.


* "وحشتنى" أغنية حققت نجاحا لم تشهده أغنية عربية أخرى حيث تعددت الحناجر التى انطلقت بها.. ما ذكرياتكم عن أول من حملتها بصوتها النجمة الكبيرة سعاد محمد؟


القلب ولا العين:- وحشتنى .. عدد نجوم السما .. وحشتنى .. عدد كلام الهوى .. وحشتنى .. فى كل يوم إنما .. وحشتنى .. أكتر واحنا سوا


 على حد علمى لم يكتب لأغنية ما بعد أن مر على تسجيلها وغنائها أكثر من ثلاثين عاماً نجاحاً ساحقاً مثلما كتب لهذه الأغنية (وحشتنى) من شهرة ونجاح من الخليج إلى المحيط ومن اللاذقية إلى أم درمان للمطربة الكبيرة طيبة القلب سعاد محمد.


قبل أن يتم التعارف والتعامل مع سعاد محمد كشاعر غنائى كنت قد شاهدتها على الشاشة الفضية فى فيلم (فتاة من فلسطين) عام 1949 على ما أتذكر وقتها كنت صبيا يافعا مهتماً بالاستماع والاستمتاع بالأصوات الغنائية الجميلة التى كانت تذخر بها الساحة الغنائية فى مصر والوافد بعضها من البلاد العربية ومنها سعاد محمد  وبهرنى صوتها رغم حداثة سنى وسنها وهى تشدو بأغنية (يا مجاهد فى سبيل الله) التى انتشرت انتشاراً كبيراً وشاعت بين الجماهير العربية وجيوشها التى هبت لنجدة فلسطين وأهلها من براثن الصهيونية العالمية ووليدتها الشرسة النهمة (إسرائيل) والتى كان يطلق عليها العرب وقتها (المزعومة)!!


عندما تم التعارف بينى وبين الملحن السورى الأصل محمد ضياء الدين لحن لى ضمن ما لحن من أغانى كثيرة متنوعة نشيد (جيل الثورة) والذى اشترك فى غنائه أكثر من مطرب بمقطع خاص به أسوة بما كان يتبعه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فى أناشيد (الوطن الأكبر)، (الجيل الصاعد) وغيرهما، وكان من نصيب سعاد محمد كوبليهاً عن دور (جيل الثورة) عربياً، وشاركها فى الغناء كل من فايدة كامل، شريفة فاضل، ندى زوجة  محمد ضياء الدين، عادل مأمون - رحمه الله - فكانت كوكبة النشيد ونجمته الأولى مع اقتدار الباقين على جودة الأداء ورصانته وأنتجت شركة صوت القاهرة هذا النشيد بمناسبة أعياد ثورة يوليو سنة 1964 ولقى النشيد النجاح المأمول عندما أذاعته الإذاعة المصرية فى حينه، مضت خمس سنوات لم ألتق خلالها مطربتنا الكبيرة سعاد محمد إلا عندما سجلت من كلماتى ومن ألحان الموسيقار الكبير محمد الموجى إبان حرب الاستنزاف سنة 1969 أغنية "ابتسامة" للإذاعة المصرية ونجحت الأغنية لصدق أحاسيس ملحنها ومؤديتها التى تكاملت مع وطنية ومشاعر كاتبها ـ العبد لله ـ نحو وطنه العظيم مصر.


محرم فؤاد.. نجم من شبرا


* صداقة قوية جمعت بينك وبين المطرب الراحل الكبير دافئ الإحساس.. فهل تطلعنا على سطور من قصة تلك الصداقة؟


كانت المرة الأولى التى أرى فيها محرم حسين أحمد الشهير فيما بعد (بمحرم فؤاد) فى حديقة معهد الموسيقى العربية القابع بموقعه بشارع رمسيس ما بين سنترال رمسيس وهيئة الإسعاف، وكان ذلك فى إحدى ليالى صيف سنة 58.


فى تلك الليلة من عام 1958 تعرفت على محرم فؤاد وكنت وقتها برتبة "اليوزباشى" ـ النقيب ـ ومنذ اللحظة الأولى تلاقينا روحياً من خلال تجاذبنا لأطراف الحديث، وبدأت بيننا صداقة عميقة عامرة بالأحداث لم تنته إلا بوفاته - رحمه الله - فى 27 يونيو سنة 2002 أى بعد قرابة أربعة وأربعين سنة منذ اللقاء الأول.. فى ذلك اللقاء لفت انتباهى حسن إصغائه لمحدثه مع اعتداد النفس بلا غرور وأناقة فى بساطته، وكان ذا طلعة بهية مع سمار بشرة محبب وتقاطيع وجه فرعونية كان يستحق لكل ذلك أن يطلق على نفسه (ابن النيل) فيما بعد..


بعد اللقاء الأول فرقتنا ظروف عمل كل منا فقد كان هو مطرب ملهى (سيروس) الكائن فوق سينما (ريفولى) بالقاهرة وكنت أنا منغمساً ومنشغلاً بعملى كضابط وكانت وحدتى العسكرية تعسكر حينئذ بقرية (فنارة) التابعة لمدينة (فايد) بمنطقة القنال.. ولم ألتق به سوى مرة واحدة بعد حوالى عام فى 1959، وكان قد بزغ نجمه بعد أن اختاره المنتج حسن رمزى ليمثل أمام سندريلا الشاشة العربية فيما بعد (سعاد حسنى) فيلم (حسن ونعيمة) الذى كان فاتحة خير وشهرة عريضة للنجمين كل فى مجاله وذاعت أغانى الفيلم التى كتبها جواهرجى زمانه مرسى جميل عزيز مثل (رمش عينه) و (الحلوة داير شباكها).


ركبنا سوياً حافلة نقل عام نزل فى منطقة (غمرة) حيث كان يستأجر غرفة فى بنسيون، تشغل غرفة أخرى فيه نجمة (شباك) مشهورة جداً حالياً كانت فى بدايات خطاها الفنية.. بينما واصلت رحلتى بالحافلة لأزور عمة لى - رحمها الله - فى منطقة (روكسى) بمصر الجديدة، وخلال رحلتنا القصيرة بالحافلة تقاربت بنا المسافات وتأكدت العلاقات وتعاهدنا على مداومة الاتصال واللقاء وعدم الافتراق إلا (للعزيز القوى) كما يقولون.


كاريوكا ومحرم


فى عام 1961 تزوج محرم فؤاد من الفنانة الكبيرة راقصة مصر الأولى تحية كاريوكا - رحمها الله - وكان من عادتها أن تتزوج من يدخل قلبها وتتعلق به لأنها لا تحب الخوض فى مغامرات عاطفية عابرة.. ووجدت تحية فى محرم كل المواصفات التى تنشدها فى زوج لها فى ذلك الوقت رغم أن محرم كان يصغرها بسنوات كثيرة إلا أن سهم (كيوبيد) أصاب الاثنين فى صميم القلب لبعض الوقت وعندما خبت جذوة نار الحب المشتعل وهدأت عاصفة العواطف المتأججة دب الخلاف قوياً بينهما وأطاح بكل ما تصوراه وتمنياه فكان الطلاق أبغض الحلال عند الله، وفى ذلك الوقت كنت قد قرأت عليه أغنية بعنوان (غدارين) كتبتها عن تجربة عاطفية فاشلة حسبتها ستنجح وتدوم طول العمر.


 وفى أول حفل بشتاء سنة 1962 لأضواء المدينة الذى كان يشرف عليه فتى الإذاعة اللامع جلال معوض قدم  محرم فؤاد  أغنية (غدارين) التى استقبلها الجمهور استقبالاً رائعاً وذاعت ذيوعاً كبيراً وأصبحت هذه الأغنية أحد علامات محرم. الغنائية فى بدايات حياته الفنية.. وبداية لمشوار ثري قدمناه سويا.


فى التسعينيات أصيب محرم بداء القلب اللعين وبضعف كبير فى العضلة فسافر إلى (لندن) للعلاج وتعرف على زوجته الرابعة بعد (تحية)، (ماجدة)، و(عايدة) وهى مقدمة البرامج التليفزيونية (منى هلال) والتى كانت وقتها تعمل فى (البى بى سى) وظلت معه وبجواره ترعاه حتى وفاته وتقوم بواجبها كزوجة تخطط جيداً لحياتها الزوجية والإعلامية على حد سواء.. فى تلك الفترة طلب منى محرم أن أكتب أدعية بمناسبة شهر رمضان المعظم لشبكة الشرق الأوسط بالإذاعة المصرية والتى كانت تديرها الإذاعية والإعلامية اللامعة نادية صالح ولحن محرم الأدعية باقتدار وأداها أداءً حسناً للغاية.


شادية: "معبودة الجماهير"


* كان اللقاء مع مطربة مصر والعروبة الكبيرة السيدة شادية حلما يراودكم لسنوات كبيرة.. فكيف تحقق؟


فى عام 1964 تحقق هذا الحلم على يد الملحن الموهوب النشيط خفيف الظل (محمد ضياء الدين) الذى كان يسعى بدوره إلى أن تغنى له شادية بعد شريفة فاضل،و مها صبرى ووقع اختياره على أغنية من تأليفى مرسومة رسماً على شادية وكان مطلعها (أنا أترجاه .. أنا أجرى وراه .. وده شيء معقول .. ودى برضه أصول .. يا أخى بعده لا .. ) طار ضياء  بالأغنية وطرنا بعد تلحينها لحناً جميلاً إلى شقة شادية بالعمارة الكائنة أمام حديقة الحيوان لنسمعها إياها وعندما رأتنى بادرتنى قائلة مش إنت اللى قابلتك عند سعيد أبو السعد فلما أجبتها بالإيجاب اعتذرت عن عدم غناء الأغنية إياها للأسباب التى ذكرتها سابقاً، وقالت لى الأغنية الجديدة دى حلوة وبإذن الله نعمل أغانى جميلة سوياً – وكانت مجاملة رقيقة منها – ولكن يبدو أنها كانت تعنى ذلك بالفعل.


 فالأحداث التى تلت تسجيل أغنية (أنا أترجاه) بصوت القاهرة دلت على أنها أرادت أن تعوض لى ما حدث سابقاً، بعد أغنية (أنا أترجاه) غنت لى شادية لنفس الملحن ضياء أغنية من المختارات الإذاعية الناجحة جداً بعنوان (كلك حنية) وتلتها أغنية (بس بس نو يا بس بس نو .. والأيام عمالة تحلو) للملحن العملاق ابن طين مصر وأصالتها محمد الموجى وهذه الأغنية سجلت فى أواسط الستينيات إبان المد الثورى الاجتماعى والاقتصادى والسياسى وأذكر أن الأستاذ عبد الحميد الحديدى رئيس الإذاعة آنذاك استدعانى لمكتبه ليهنأنى على أسلوبى السهل الممتنع فى تناول المقولة الشعبية (بس بس نو) وصياغتها صياغة جميلة لا يستحق أن يغنيها غير شادية.