صبية وبنات وشباب القدس وعرب ٤٨ يفجرون انتفاضة الطعنات

15/10/2015 - 11:05:30

  الاحتمال السياسى الأكبر هو استمرار الانتفاضة الاحتمال السياسى الأكبر هو استمرار الانتفاضة

بقلم - نجوان عبد اللطيف

هى المرة الثالثة التى ينتفض فيها الشعب الفلسطينى، الذى يعيش تحت الاحتلال الإسرائيلى.. يحاول أن ينبه العالم إلى أن ٦٧ عاما مضت وهو مازال يعيش تحت احتلال يمارس ضده نظاما عنصريًا فى أسوأ أشكاله من قهر وإذلال وترويع وانتهاك لكل حقوقه، بالمخالفة لكل القوانين والأعراف الدولية، ولم تمنعه الاتفاقيات التى عقدت بضمانات دولية وتحت رعاية الأمم المتحدة من التنكيل بالشعب الفلسطينى وقتل الآلاف بدم بارد وارتكاب المذابح من دير ياسين حتى صابرا وشاتيلا إلى جنين وغيرهم من المذابح، التى هزت مشاعر ووجدان الملايين فى العالم، ولكنها لم تجد من عالم السياسة الذى تحكمه المصالح من يعاقب إسرائيل ولو مرة واحدة على فعلتها، ولا من يحاول أن يعيد للشعب الفلسطينى حقوقه المشروعة.


٢٤ شهيدًا فلسطينيًا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلى أكبرهم لم يتجاوز الثلاثين من عمره، ومن بينهم ثمانية أطفال و٤ فقط بين العشرين والثلاثين والباقى أقل من العشرين، هى انتفاضة الشبيبة الذين ولد معظمهم بعد عقد اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٣، والجيل السابع من أبناء عرب ١٩٤٨ الذين ولدوا هم وآباؤهم فى فلسطين المحتلة المسماة إسرائيل، ويحملون جنسيتها، فلسطينيو القدس والضفة الغربية لم يجدوا من أوسلو إلا الذل والهوان والحصار وقضم الراضى الفلسطينية لصالح مستوطنات جديدة وسنوات من المفاوضات العجاف، وفلسطينيو الداخل لم يجدوا إلا محاولات إسرائيل لطمس الهوية الفلسطينية وتهويد القدس، وتدنيس الأقصى بأقدام المستوطنين الذين استباحوا الأرض والمقدسات إسلامية ومسيحية.. القهر والذل وعجز القيادة السياسية الفلسطينية والعرب والعالم عن إعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى وانحصار الاهتمام الدولى والعربى عن القضية الفلسطينية، دفع الفلسطينيين إلى الأخذ بزمام المبادرة، وكما كان الجمود والتجاهل للقضية ولعذاباتهم هو الدافع للانتفاضة الأولى عام١٩٨٧ على أيدى أبناء الضفة وغزة، وكما كان دخول شارون سفاح صبرا وشاتيلا وجنوده لباحة الأقصى سببًا لاندلاع انتفاضة ٢٠٠٠، التى بدأت باستشهاد ١٣ من أبناء عرب ٤٨، جاءت انتفاضة ٢٠١٥ جامعة للأسباب ولمفجريها من الفلسطينيين.


الانتفاضات الفلسطينية بدأت سلمية ثم بالحجارة فى مواجهة الترسانة العسكرية الإسرائيلية، الذين فى هذه المرة استحدثوا سلاحًا جديدا للمقاومة بجانب الحجارة وهى السكاكين يطعنون بها المستوطنين الذين طغوا وتجبروا إلى حد إحراقهم لأسرة فلسطينية فى منزلها، والجنود الإسرائيليين الذين قاموا بعمليات تصفيات جسدية ميدانية لشبان وفتيات فلسطينيين لمجرد الاشتباه.


منذ الأول من أكتوبر قتلت القوات الإسرائيلية ٢٥ فلسطينيًا، من المتظاهرين والمشتبه فيهم من وجهة نظرها بالرصاص الحى والمطاطى، وقام الفلسطينيون بطعن ١٩ مستوطنا وجنديا إسرائيليا ويوم الأحد الماضى ولأول مرة منذ بدء تصاعد الأحداث قام شاب من عرب ٤٨ بطعن ٤ يهود بعد أن صدمهم بسيارته بالقرب من مستوطنة كيبوتس جان شمويل، حيث اعتقلت الشرطة الإسرائيلية الشاب الفلسطينى، الذى يبلغ من العمر ٢٠ عامًا.


وقامت قوات حرس الحدود فى القدس المحتلة، الاثنين الماضى، بقتل الفتى مصطفى الخطيب (١٨عامًا) من فلسطين جبل المكبر بالقدس المحتلة، بذريعة محاولته تنفيذ عملية طعن لم يصب فيها أحد منهم.


وادعت السلطات الإسرائيلية أن عناصر حرس الحدود اشتبهوا بالفتى الفلسطينى وعندما طلبوا منه هويته قام بطعن أحدهم وأصاب السترة الواقية فقط، ولم يصب عنصر حرس الحدود بأى خدوش، وبعد هذه المحاولة أطلقوا الرصاص عليه وقتلوه.


مصادر فلسطينية أكدت أن مصطفى قتل برصاص القوات الإسرائيلية، وكان بإمكانهم القبض عليه خاصة أنه لم يصب أحدًا منهم، كما قامت القوات الإسرائيلية بقتل فتاة فلسطينية طالبة بالثانوى لمجرد أنها اقتربت من الجنود ولم تكن تحمل سكينًا أو حتى طوبة.


وبدأت محاكمة شاب فلسطينى متهم بدهس ٤ فلسطينيين بسيارته على أساس أنه كان عامدًا لذلك.


استمرت المواجهات بين القوات الإسرائيلية والشباب الفلسطينى عند الحواجز العسكرية لمدينة القدس، حيث قامت القوات باستخدام الرصاص المطاطى وقنابل الغاز ووقع الكثير من الجرحى، كما قامت القوات باعتقال العديد من الفلسطينيين، بعضهم شارك فى مظاهرات فى الضفة الغربية، وفى المدن والقرى العربية وكان من بينهم عدد من المحامين الذين أعلنوا إضرابًا محددا لعدة ساعات احتجاجًا على الممارسات الوحشية للجنود الإسرائيليين، وفى غزة قررت إسرائيل التصعيد بغارات جوية استشهدت خلالها سيدة فلسطينية حامل.


-كما كان قتل القوات الإسرائيلية للطفل محمد الدرة وهو فى حض أبيه، هى المحرك لتصعيد انتفاضة ٨٧ كان حرق المستوطنين للطفل أبوخضير هى الدافع وراء الهبة الشعبية الفلسطينية الحالية.. حرق آل الدوابشة، مع حرق الطفل محمد أبو خضير فى شهر يونيه الماضى، وممارسات المستوطنين اليهود باقتحام المسجد الأقصى تحت حماية القوات الإسرائيلية ومنع الفلسطينيين أقل من ٤٥ سنة من الصلاة فى المسجد، أشعلت الغضب الكامن فى نفوس الشباب الفلسطينى فكانت غضبة القدس التى سرعان ما امتدت لسائر الضفة الغربية وفى غزة وفى أوساط عرب ٤٨.


يحدد الكاتب الفلسطينى بكر أبو بكر الأركان، التى تستند إليها غضبة القدس الحالية على الأركان التالية ١- وحدة قيادية سياسية وميدانية ٢- مقاومة المستوطنين الفاعلة بالميدان ٣-المرابطون بالأقصى وفى القدس والتحشيد الصلواتى فيه ٤-+ مقاطعة بضائع المستوطنات والتضامن الاقتصادى ٥- تسخين نقاط التماس عند المستوطنات بالكثافة والسلاسل البشرية بالتظاهرات الشعبية رجالا ونساء وأطفالا ٦-المواجهات عند بوابات القدس من رام الله وبيت لحم بالتظاهرات الشعبية العارمة والأهلية.


وتتميز هذه الانتفاضة بوجود الصبية والشباب فى المقدمة (ثمانية من الأطفال قتلوا برصاص الاحتلال) والفتيات اللاتى استخدمت كل أشكال المقاومة من المرابطة فى الأقصى لمنع المستوطنين من دخوله واستباحته، إلى مواجهة الجنود إلى استخدام السكين وتوجيه الطعنات لمستوطنين وجنود.


يعلل الكاتب الفلسطينى «راسم عبيدات» تحرك الشبان والشابات الفلسطينيين لأنهم وصلوا إلى قناعة «أن لا مستقبل لهم ولا فرصة أمل بالعيش بحرية وكرامة وعزة كباقى شعوب العالم، فى ظل عدو يستخدم سلطة فلسطينية عاجزة لا تملك سوى خيار التفاوض العبثى منذ عشرين عامًا، من أجل أن يستكمل مشاريعه ومخططاته الاستيطانية من أجل أن يلغى أى إمكانية لقيام دولة فلسطينية حتى على حدود الرابع من حزيران/١٩٦٧، ويطلق العنان لمستوطنيه لكى يرتكبوا جرائمهم بحق شعبنا ومقدساتنا، من خلال التشريع والترخيص لهم بحمل السلاح ومهاجمة أبناء شعبنا، ويكثف ويسرع من وتائر استيطانه فى الضفة والقدس، واستصدار المزيد من القوانين العنصرية والقرارات التعسفية كالعقاب الجماعي، والتصريح بالقتل والتصفية لأطفال وشبان الانتفاضة من خلال القنص، ناهيك عن الإبعاد عن الأقصى والقدس والاعتقالات الإدارية.


يدفعون الفلسطينيين للحائط ويسدون كل السبل أمامهم ويقولون لك الفلسطينيون إرهابيون، لم يستقبلوا قتلتهم بالورد والرياحين، أى احتلال وقح هذا، تعود على كيل التهم والندب والبكاء، وهو يمارس كل أشكال وأنواع الإجرام بحق شعبنا، ويريدنا أن نكون مطيعين فى ذبحه لنا».


وعلى نحو آخر قال مروان البرغوثى، زعيم الانتفاضة الثانية، من محبسه - حيث يقضى عامه الـ١٤ فى أحد السجوم الإسرائيلية-لا سلام حتى انتهاء الاحتلال الفلسطينى وقال فى مقال نشرته صحيفة الجارديان


إن المشكلة الحقيقية فى عدم التوصل إلى اتفاق سلام هو أن إسرائيل اختارت «الاحتلال» على السلام، موضحا أنها استخدمت المفاوضات كـــ»ستار» لتطوير مشروعها الاستعمارى وأن على كل حكومات العالم أن تعلم تلك الحقيقة الواضحة، مشيرا إلى أنه من الجنون فعل الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا وتوقع نتائج مختلفة».


وأشار إلى أنه لا تفاوض دون التزام إسرائيلى بالانسحاب الكامل من الأراضى الفلسطينية التى احتلتها عام ١٩٦٧ بما فيها «القـــــــــدس» المحتلة ، وإنهاء السياسات الاستعمارية والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطينى بما فيها حق تقرير المصير والعودة بالاضافة إلى إطلاق سراح جميع الأسرى الفلسطينيين، مضيفا أنه لا يمكن التعايش مع الاحتــلال، كمـا لايمكـن الاستسلام له.


واستنكر البرغوثى غياب أى تحرك دولى لإنهاء الاحتلال الإسرائيلى والإفلات من العقاب أو حتى توفير الحماية رغم الجرائم التى ترتكبها إسرائيل قائلا: «هل المطلوب أن نقف نشاهد اعتقال أو حرق العائلات الفلسطينية واحدة تلو الأخرى أم علينا انتظار التوصل إلى التسوية القادمة» .


وتساءل: «لماذا يقف العالم مكتوف الأيدى جراء تواصل الهجمات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطينى فى «القدس» المدينة الاكثر قدسية لدى الاديان الإسلامية والمسيحية؟».


وتابع: أن الأعمال والجرائم الإسرائيلية لا تدمر فقط حل الدولتين على حدود عام ١٩٦٧ وتنتهك القانون الدولى بل تهدد بتحويل الصراع السياسى - القابل للحل - إلى حرب دينية لا نهاية لها من شأنها أن تفرض الفوضى فى منطقة تعانى أصلا من اضطرابات لم تشهدها من قبل.


وعلى الجانب الإسرائيلى تقف حكومة نتانياهو اليمينية موقفها المعتاد من تصعيد االعنف ضد الفلسطينيين وتصدر قانونًا بمعاقبة رامى الحجارة بالحبس ٤ سنوات، ويصل عدد المعتقلين أكثر من ٧٠٠ فلسطينى خلال شهرين بينهم ٣٠٠ مقدسيين وحوالى ١١٥ من عرب ٤٨، وتسمح الحكومة، بل تدعو المستوطنين إلى حمل السلاح، بل وتصدر قرارات لمواجهة الثورة الإلكترونية للشباب الفلسطينى، التى من وجهة نظرها، كان لها الأثر الكبير فى التحريض على المواجهة، خاصة بعد أن قام مهند الشاب الفلسطينى أول شهيد فى هذه الانتفاضة بالكتابة على صفحته فى موقع التواصل الاجتماعى، اليوم «تنطلق الانتفاضة الثالثة»، ثم قام بطعن أحد المستوطنين، وقامت السلطات الإسرائيلية باعتقال بعض الشباب بناء على كتاباتهم أو تعليقاتهم.


ووصف حاييم هيرتزوج، زعيم المعارضة، رئيس حزب المعسكر الصهيونى حكومة بيبى بحكومة الفيس بوك، أى حكومة الأقوال لا الأفعال، وأنه فضل المماطلة وعدم إبعاد المتطرفين اليهود عن الحرم، بينما اعتبرت تسيبى ليفنى زميلته ووزيرة الخارجية سابقًا أن دعوة الحكومة الإسرائيليين لحمل السلاح، تعبيرا عن فقدان السيطرة، وأن ذلك سيقود لفوضى.


ويرى الكاتب الإسرائيلى «جدعون ليفي» فى «هاآرتس» ٨/١٠/٢٠١٥ («إسرائيل» أقوى من أى وقت مضى، والغرب غير مبال وهو يسمح لها بالتصرف، كما لم يسبق أن سمح لها. والفلسطينيون ضعفاء ومنقسمون ومعزولون وينزفون كما لم يسبق أن كانوا منذ النكبة.. لذلك قد يستمر هذا سنوات أخرى لأن «إسرائيل» تستطيع والرأى العام فيها يريد.. ولن يحاول أحد وقفها باستثناء الرأى العام العالمى والعدالة الطبيعية والأخلاق الإنسانية اللذين لا يقبلان بهذا بأى شكل.


أما على الجانب الفلسطينى فما زالت الخلافات بين الفصائل الفلسطينية، كما هى، خاصة فتح وحماس، وكثير من المراقبين يرون أن الفصائل الفلسطينية كانت سببًا فى أن الانتفاضات السابقة لم تأت ثمارها، لأنها كانت تعلى راياتها على العلم الفلسطينى.


وأن نجاح الانتفاضة الثالثة ربما يتأتى من بعدها عن الفصائل خاصة إذا ماأفرزت قيادة من داخلها، خاصة بعد إعلان قيادات حماس انهم لن يستجيبوا لاستفزازات إسرائيل لغزة ولفصائل المقاومة، لضرب الانتفاضة.


أما السلطة الفلسطينية فيبدو أنها بإعلانها عجزها مقدمًا عن إحراز أى تقدم على صعيد التسوية من خلال خطاب الرئيس أبو مازن فى الأمم المتحدة، الذى قال فيه ما معناه إنه ليس المطلوب من الفلسطينيين وحدهم الالتزام باتفاق أوسلو الذى ضربت به إسرائيل عرض الحائط، وإن أعلنت إسرائيل أن التنسيق الأمنى مع السلطة مازال مستمرًا.


المعطيات الحالية تشير أن الاحتمال الأكبر هو استمرار الانتفاضة رغم انشغال الدول العربية بمصائبها، وغض بصر العالم الغربى متعمدًا عن القضية وعن أفعال إسرائيل المنافية لكل الأعراف والقوانين الدولية، إلا أن انتفاضة الطعنات على الأقل أعادت التذكيربالقضية الفلسطينية، وبأن هناك شعبا يئن تحت الاحتلال ٧٠ عامًا.