مصر تستورد مجوهرات بـ ٦.٦ مليار جنيه ومنظفات بـ ٢ مليار واردات «حرق الدم»!

15/10/2015 - 10:59:05

تقرير : أميرة إبراهيم

«  الدولة تستورد كثيرا من السلع غير الضرورية والتي يمكن توفيرها محليا»، بالكلمـــات السابقـة لخص الرئيـس عبد الفتاح السيسي أزمة نقص العملة الأجنبية، وذلك خلال أحد اجتماعاته بمجلس الوزراء مؤخرا، تلك الأزمة التي كشفت عنها بوضوح بيانات البنك المركزي المتعلقة بالاحتياطي من النقد الأجنبي والتي سجلت تراجعا بنحو ١.٥ مليار دولار بما يوازي ٩.٧ ٪ منخفضا إلى ١٦.٣ مليار مقارنة بالشهر الماضى.


تراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي وضع مصر في مأزق حقيقي يرتبط بمقدرة الدولة على توفير النقد اللازم لاستيراد السلع الأساسية خاصة أن مصر من أكبر الدول المستوردة للغذاء، والأمر لم يتوقف عند هذا الحد فحسب، لكنه يثير المخاوف أيضا من احتمالات لجوء البنك المركزي لإتخاذ قرار بتخفيض قيمة العملة المحلية مجددا من أجل جذب العملة الأجنبية التي يتم التداول عليها خارج القطاع المصرفي .


كشف تقرير صادر حديثا عن وزارة الصناعة والتجارة الخارجية، وعدد من الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، حيث أشار قطاع التجارة الخارجية في تقريره الصادر حديثا عن استيراد مصر لكثير من السلع الاستفزازية التي تلتهم الاحتياطى من النقد الأجنبى فمصر استوردت حليا، وأحجارا كريمة خلال٢٠١٤  بنحو ٦ مليارات و ٥٥٨ مليون جنيه، فيما بلغت قيمة ماتم استيراده من حلي وأحجار كريمة خلال الربع الأول من العام الجاري ( من يناير و حتي نهاية مارس ٢٠١٥ ) نحو ٣٨٧ مليون جنيه.


التقارير ذاتها أشارت أيضا إلى أن المنظفات المستوردة استنزفت مبلغا لا يُستهان به من العملة الأجنبية خلال ٢٠١٤ إذ بلغ إجمالي قيمة ماتم استيراده من المنظفات نحو ٢ مليار و ٣٧١ مليون جنيه، فيما بلغت قيمة ماتم استيراده من منظفات خلال الثلاثة أشهر الأولى من العام الجاري نحو  ٥٧٩ مليون جنيه.


في السياق نفسه أشارت البيانات الرسمية الصادرة ضمن تقرير التجارة الخارجية إلى أن قطاع الصناعات الهندسية كان له نصيب الأسد من الواردات والتي لها بديل محلي مثل الأدوات الكهربائية، حيث بلغ إجمالي قيمة واردات مصر من الأجهزة الكهربائية خلال عام واحد (٢٠١٤ ) نحو ١١مليارا و ٦٣٧ مليون جنيه، فيما بلغ إجمالي قيمة المستورد منها خلال الربع الأول من العام الجاري ٢ مليار و ٤٤٢ مليون جنيه، أما الأجهزة المنزلية فاستوردت مصر منها ما قيمته ٥ مليارات جنيه و ١١٥ مليون جنيه، فيما بلغ قيمة ماتم استيراده خلال الثلاثة أشهر الأولى من العام الجاري نحو ١ مليار و ٢٣٣ مليون جنيه.


المفارقة التى كشفتها التقارير أيضا أن أدوات المائدة والمطبخ تساهم بشكل غير قليل في استنزاف العملة الأجنبية، حيث بلغ اجمالي قيمة ما تم استيراده من أدوات المائدة والمطبخ خلال ٢٠١٤ نحو ٤٨ مليون جنيه فيما بلغت قيمة ما تم استيراده من هذه السلعة نحو ١٥ مليون جنيه خلال ٣ أشهر فقط «الربع الأول من العام الجاري».


ولم يقتصر استنزاف العملة الأجنبية على واردات قطاع الصناعات الهندسية والكيماوية ومواد البناء فقط بل امتد إلى مختلف قطاعات الاقتصاد المصري، والتى يأتى على رأسها قطاعات الملابس الجاهزة والمنسوجات والمفروشات حيث كشف تقرير «التجارة الخارجية» أنه تم استيراد ملابس رسمية بنحو ٢ مليار و٨٩٢  مليون جنيه خلال ٢٠١٤، فيما بلغت قيمة ما تم استيراده منها خلال الثلاثه أشهر الأولى من العام الجاري نحو ٦١٢ مليون جنيه، أما ملابس الأطفال فسجلت الواردات منها ما قيمته مليار و ٢١٩ مليون جنيه خلال ٢٠١٤ فيما بلغت قيمة واردات نفس السلعة نحو ٦٠٨ ملايين جنيه خلال الربع الأول من العام الجاري ٢٠١٥ ، أما الملابس الداخلية وأثواب النوم فلم تكن الواردات منها بالقليلة حيث سجلت واردات الملابس الداخلية وأثواب النوم نحو مليار و ٤٤٢ مليون جنيه خلال عام واحد فيما بلغت واردات باقي أنواع الملابس الجاهزة ومنها الملابس العادية والرياضية وغيرها نحو مليار و ٣٠ مليون جنيه، بينما بلغ إجمالي قيمة الواردات من السجاد وبياضات الأسرة والبطاطين والمراتب والستائر نحو ١.٥ مليار جنيه خلال عام واحد (٢٠١٤)، أما الأحذية فبلغ إجمالي قيمة واردات مصر منها نحو ٧٧١ مليار جنيه خلال العام الماضي.


لم تكن سلة الصناعات الغذائية بعيدة عن المساهمة فى استنزاف جانب كبير من موارد النقد الأجنبي لدى مصر، حيث تم استيراد أسماك رنجة خلال العام الماضي  بنحو ٤٦٧ مليون جنيه فيما بلغت الواردات من سمك الماكريل نحو مليار و ٤٧٧مليون جنيه خلال العام المنقضي ولم تخلُ قائمة الأسماك المستوردة من الجمبري الذي بلغت فاتورة وارداته نحو ٥٤٦ مليون جنيه خلال العام الماضي، أما باقي أنواع الأسماك فبلغت قيمة الواردات منها نحو ٥٠٠ مليون جنيه، فيما بلغت فاتورة استيراد التونة نحو مليار و ٢١٢ مليون جنيه .


في السياق نفسه كشفت الإحصاءات الرسمية إن فاتورة استيراد تسالي المصريين بلغت نحو ٨٥٣ مليون جنيه مقسمة بين الكاجو والفستدق والبندق وغيرها، بينما بلغت واردات مصر من المصنوعات السكرية مثل الشيكولاتة والبسكويت نحو ٨٩٧ مليون جنيه خلال العام الماضي ‹، أما أمزجة المصريين فكلفت فاتورة الاستيراد الخاصة بها نحو ٢ مليار و ١٩٣ جنيه تكلفة استيراد التبغ والسجائر، أما المشروبات الروحية فقد بلغت قيمة ما تم استيراده منها نحو ٢٥٧ مليون جنيه خلال العام المنصرم.


كما أشارت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن إجمالي ما تم استيراده من لعب الأطفال بلغ ٥٧٥ مليون جنيه خلال عام واحد، فيما استوردت متفجرات نارية( بمب) وثقابا بنحو ٧٩ مليون جنيه .


اللافت أن السلع الكمالية هذه ليست مدرجة على القائمة التمويلية التي أصدرها البنك المركزي للبنوك لمنحها أولوية التمويل، تلك القائمة التي تضم الأدوية والأغذية الحيوية ولبن الأطفال، وهو ما يطرح سؤالا هاما حول مصادر تمويل استيراد هذه السلع الاستفزازية أو بمعنى آخر من أين يمول المستوردون قائمة السلع الاستفزازية في ظل تعليمات البنك المركزي الصارمة بقصر التمويل ععلى السلع الضرورية ترشيدا لاستخدام العملة الأجنبية


الخبير المصرفى، الدكتور أحمد آدم قال: رغم ارتفاع سعر الدولار في السوق السوداء إلا أن المستوردين يلجأون إليها لتمويل استيراد سلعهم التى إنها لا تحظى بأولوية لدى البنوك، مع الأخذ فى الاعتباره أنه لا يوجد مستورد يأتى بأى نوع من السلع التى نطلق عليها «كمالية»، ويخسر بها، لأن الأغنياء يطلبون تلك النوعية من المنتجات وفى الوقت ذاته هم أيضا لن يمانعوا إذا قرر المستورد رفع سعر السلعة ليغطى زيادة سعر الدولار فى السوق السوداء   عنه في الرسمية .


«آدم» شدد أيضا، فى سياق حديثه، على أن أزمة العملة التي تعاني منها مصر بسبب مثل هذه «غير الضرورية»، وتابع قائلا: إجمالي واردات مصر من الخارج بلغ٦. ٦٠  مليار دولار بنهاية يونيه ٢٠١٥ في حين أن إجمالي إيرادات مصر من العملة الأجنبية يبلغ ٦٠.٣ مليار دولار ولما كان تمويل الواردات بمثابة بند واحد من البنود الخاصة بالتزامات مصر بالعملة الأجنبية فإن ذلك يضعها في مأزق حيث إن الإيرادات بالعملة الأجنبية لا تغطي سوى بند واحد مع عجز ٣٠٠ مليون دولار في حين تظل بقية البنود، والتي يتصدرها سداد أقساط الديون وفوائدها والودائع الخارجية المستحقة للدول الأخري دون تغطية حقيقية.


ونصح الخبير المصرفي، بضرورة تعديل قانون البنوك وزيادة الحد الأدني لرءوس الأموال، والسماح بدخول مساهمين جدد للبنوك ، وكذلك الإسراع في الإعلان عن الحوافز الاستثمارية لمشروع تنمية محور قناة السويس لجذب العديد من المستثمرين الأجانب الذين من الممكن أن يكونوا بمثابة المصدر القوى والمستمر أيضا للعملة الأجنبية.


وعن دور الهيئات الحكومية المنوط لها مهمة مواجهة استيراد «السلع الاستفزازية»، قال الدكتور علاء عبد الكريم، رئيس هيئة الرقابة على الصادرات والورادات: الهيئة ليست مختصة بتحديد نوعية الواردات التي تدخل مصر، لكنها تقوم الهيئة بالرقابة النوعية على الصادرات والواردات وإمساك سجلات المصدرين والموردين والوسطاء والوكلاء، بالإضافة إلى إصدار شهادات المنشأ للسلع مصرية المنشأ والمكتسبة المنشأ المصري، كما تمارس نشاط الفرز للمحاصيل الزراعية بهدف تحديد رتب هذه المحاصيل.


فى سياق متصل قالت الدكتورة بسنت فهمي، الخبير المصرفى، أستاذ الاقتصاد بالجامعة الفرنسية، قائلة « استمرار استيراد السلع الاستفزازية فساد يرجع تاريخه إلى ماقبل ثورة الخامس والعشرين من يناير والحكومات المتعاقبة على دراية به، لكنها للأسف لم تتخذ موقفا واضحا تجاه هؤلاء المستوردين بل علي العكس تقوم بحمايتهم »


«فهمى» ألمحت أيضا إلى أن السياسات النقدية في حاجة إلى إعادة النظر ، لافتة النظر إلى أنه كان هناك قرار يقضي بعدم تمويل البنوك لأي سلعة يتم استيرادها بغرض الاتجار وأنه على المستورد أن يمولها من أمواله الخاصة بنسبة  ١٠٠   ٪ وهذا القرار كان معمولا به حتي عهد محافظ البنك المركزي إسماعيل حسن ولكن تم إلغائه في وقت لاحق، وتم فتح اعتمادات مستندية بنحو ١٠ ٪فقط من قيمة البضائع المستوردة.


وأكملت بقوله: قائمة السلع الأساسية التي أقرها البنك المركزي هي قائمة تحدد السلع التي يتم تمويلها من خلال البنوك وقد تم وضعها بعد أن وصل الاحتياطي من النقد الأجنبي لدي البنك المركزي إلى رصيد محرج للغاية، ومثل هذه القوائم ساهمت بشدة في انتعاش السوق السوداء للعملة الأجنبية لأن المستوردين الذين لا يجدون أولوية لسلعهم لدى البنوك يلجأون إلى السوق السوداء.


وتابعت قائلة: أصبح لزاما على الحكومة وضع قائمة بالسلع الترفهية، ومنع استيرادها، وهو الأمر الذي ربما تحول دون تنفيذه اتفاقيات التجارة الحرة و لكن كل شىء مسموح في الظروف الاستثنائية ومصر الآن في ظرف استثنائي اقتصادي وسياسي، وعلى الحكومة أن تستغل ذلك من أجل الحفاظ على ما تبقى لها من عملة أجنبية.


كما شددت «فهمي» على ضرورة قيام الحكومة بالاستيراد لنفسها فيما يتعلق بالسلع الأساسية مثل القمح بالإضافة إلى سرعة تعديل المناخ الاستثماري لجذب الاستثمارات الأجنبية مؤكدة أن الإهمال والفساد أهم معوقات الاستثمار وليس الإرهاب والوضع الأمني كما يدعي البعض.


في المقابل قال أحمد شيحة، رئيس شعبة المستوردين بغرفة القاهرة التجارية : المشكلة ليست في وفرة الدولار من عدمه، وإنما في السياسات الاقتصادية والنقدية، لأن الدولة تصر على تبديد مصادر عديدة للدخل القومي ، فهناك مثلا العديد من الصناعات التجميعية التي تدخل مكوناتها للسوق معفاة من الجمارك تحت بند أنها بغرض التصنيع وهي مجرد تجميع وعلى رأس هذه الحالات صناعة السيارات.


« شيحة» أكمل قائلا: الحكومة إذا أرادت محاسبة المستوردين علي ما يتم استيراده من سلع تراها غير ضرورية، عليها ألا أن تسن القوانين التي تضبط قواعد تحويلات المستثمرين الأجانب لأرباحهم للخارج ضاربا المثل بقطاع صناعة الأسمنت الذي يحتكره الأجانب بالأساس ويحققون منه أرباحا طائلة وكلها أموال يتم تحويلها للخارج، كما أن المبالغ التي يتم استيراد ما يطلق عليه السلع الاستفزازية أو الكمالية لا تمثل نقطة في بحر تحويلات أرباح الشركاء الأجانب في مختلف القطاعات الصناعية للخارج، وليس لدينا مانع نحن المستوردين من منع السلع المضرة مثل الخمور والسجائر، لكن هناك سلعا لايتم تصنيعها مثل لعب الاطفال».