يحيى الفخرانى..المتجدد صانع البهجة

13/10/2015 - 1:57:42

 طارق شحاتة طارق شحاتة

بقلم - طارق شحاتة

بعد رفع الستار عن خشبة المسرح القومى يظهر "الشحاذ"- النجم الكبير د.يحىى الفخرانى - الذى يتسول سائلا اللى رايح واللي جاي» ..وهويقول جملته الشهيرة ..«إلهى مايغلب لك حال ولايمد إيدك لسؤال.. ولايشمت فيك أعداء.. ولاييتم لك أطفال.. ولايرقد لك جته .. يامحسنين شوفوا المساكين اللى صحوا والناس نايمين .. شافو الهوان أشكال وألوان ..قيراط ثواب من عندالله أحسن لكم من خزنة مال .. عشمنا عليك ياكريم .. وهذه هي البداية التى كتبها الشاعربيرم التونسي وهو يشرح حال الشحاذ فى سوق بغداد..من خلال الحكاية الأسطورية الشهيرة "ليلة من ألف ليلة"..فى سنه 1931 والتى سبق تقديمها على خشبة المسرح "الغنائى«مرات عديدة».. لأنها عمل جماهيرى تلتف حوله الناس و يستمتعون به، وهذا ما شجع "صانع البهجة".. النجم الكبير د.يحىى الفخرانى على إعادة تقديمها من جديد على خشبة المسرح القومى - التى سبق وقدمها فى التسعينيات من القرن الماضى _ على خشبة مسرح الأوبرا أيضا وحققت نجاحا كبيرا جدا..ليقدم لنا دراما مسرحية "راقية" _ ولاأروع- من ذلك على الإطلاق، إنه "إمبراطور" التمثيل كما عودنا دائما يقدم "المتعة - المفيدة- الراقية ..


استمتعت بحضوره الطاغى على خشبة المسرح - فى روايته الجديدة "ليلة من ألف ليلة " - وتفاعل الجمهور معه _ ولم لاّ- والمسرحية تحقق نجاحا كبيرا بين الناس وترفع لافتة "كامل العدد" ،وعلى حسب معلوماتى المتواضعة ومصادرى الخاصة هناك شخصيات عامة كبيرة بالمجتمع وأفراد عاديون فى انتظار إيجاد أماكن لهم لمتابعة "غول التمثيل" والمتجدد د. يحىى الفخرانى وهو يبهرالحضور بإمكانياته التمثيلية المتفردة بحق،خاصة وهناك من يشاهد العرض للمرة السادسة كما علمت من أحد الحضور للعرض -أخيرا-.


ترفع الستار فى تمام الساعة التاسعة والنصف بالضبط، ويمنع الدخول للمسرح من قبلها بنصف الساعة كنوع من الاحترام والتقدير والانضباط لخشبة المسرح القومى وللعمل ونجومه وعلى رأسهم قطعا النجم د.يحىى الفخرانى الذى يحرص على التواجد قبل بدء العرض بساعتين على الأقل.


غياب 13عاما عن خشبة المسرح!


عاد الفخراني إلى أعرق مسارح مصر، بعد غياب 13 عاماً، حين تألق في «الملك لير» .. «ليلة من ألف ليلة» ريبرتوار قدمه الفخراني عام 1994، على مسرح "الجمهورية" العريق في القاهرة.. وهو بحق يعد قطعة نادرة من التراث لا تحتمل التأويل ويكفي أن صناعها هم صناع الطرب والشعر والموسيقى..حيث اعتمد العمل على الألحان الأصلية نفسها التي وضعها الموسيقار الراحل أحمد صدقي.، العرض أوبريت نادر لـ"شاعر الشعب" بيرم التونسي (1893 _ 1961)، قُدم أربع مرات على خشبة المسرح في القاهرة.. الأولى عام 1931 في دار الأوبرا القديمة، والثانية في المسرح القومي عام 1958، والثالثة على خشبة "مسرح محمد فريد" عام 1972، والرابعة عام 1994 على مسرح الجمهورية التابع لدار الأوبرا المصرية بطولة الفخراني أمام المطربين علي الحجار وأنغام.


وتدور أحداث المسرحية فى بغداد، حاضرة الخلافة الإسلامية من خلال شحاتة الذى يقدم دوره النجم ( يحىى الفخراني) متسوّل، اختطف قاطع طريق زوجته، ليتركه مع طفلته الرضيعة وقتها ،ولكن شحاتة يلتقيه بعد عشرين عاماً ليثأر منه، ومن ابنه الذي صار وزيراً للأمن، وأصبح طاغية في الأرض،يحاول أن يبتز شحاتة من خلال ابنته "نجف"، لإجباره على اغتيال الخليفة الشاب الجديد، الذي يريد وقف تسلط وزير والده على الرعية. .وفي الخلفية قصة حب بين ابنة الشحاذ والخليفة الشاب، من دون أن يعرف أيّ منهما طبيعة عمل الآخر..


اعتمد العرض على النص الأصلي ليمثل عودة إلى الاحتفاء بالمسرح الغنائي والاستعراضي، بالألحان الأصلية نفسها التي وضعها الموسيقار الراحل أحمد صدقي (1916 _ 1987)، ونفذها الموسيقي الشاب يحيى الموجي.


تألق الفخراني بأداء مُرهف وحيوية بالغة وخفة ظل ، وبروح كوميدية، مع الأزياء بالغة الروعة ولمسات الديكور الساحرة على المسرح بألوان مبهجة، وتصميمات غاية فى الجمال للراقصين وأزياء تناسب الشخصيات تماما .. علاوة على قدرة "المبهر"-الفخرانى _ على المزج بسهولة بين الأداء الكوميدى والتراجيدى فى آن واحد خلال العرض كما تتطلب أحداثه ..من خلال أداء انفعالي حزين "ميلودراما" إلى لقطة كوميدية صارخة تحول البكاء إلى ضحك ، مما ينم عن موهبة فريدة لامثيل لها.. كما تسلط "ليلة من الف ليلة " الأضواء من جديد على المسرح الغنائي الذي افتقدناه بسبب ضحالة الانتاج وندرة النصوص المكتوبة له بوجه عام..!


رقم قياسي


بعد عودته للمسرح مرة أخرى بعد غياب سنوات من عرضه الرائع والمثير "الملك لير"، استطاع الفخراني أن يحقق رقما قياسيا من خلال مسرحية "ليلة من ألف ليلة" حيث أعلن الفنان يوسف إسماعيل، مدير المسرح القومي، أن العمل استطاع أن يحقق أعلى إيراد يومي في تاريخ المسرح القومي، بعدما بلغت إيراداته في يوم واحد 27 ألف جنيه، وهو رقم لم يسبق له أن تحقق مشيرا إلى أن العمل يشهد إقبالا جماهيريا لافتا، كما أن هناك تذاكر مباعة للعرض طوال الوقت وهو ما يعد مؤشراً على ما تحققه المسرحية من نجاحات.


«دهشة».. «لير».. و«ألف ليلة»


«الفخرانى» برر عودته للمسرح بعد النجاح - الباهر- طوال تسع سنوات على خشبة المسرح فى سابقة تعد الأولى من نوعها من خلال عرض "الملك لير" وهو ما أو قعه فى حيرة شديدة بالحصول على أجازة من المسرح ..وكان يقول لنفسه "خلاص .. هأعمل إيه تانى ..حتى قدم المسلسل التليفزيونى الشهير "دهشة" _عن الملك لير- أيضا ،وكانت تجمعه مشاهد عديدة مع فتوح أحمد رئيس البيت الذى يحبه لأنه من الموظفين المجتهدين ، وكان يعرض عليه إعادة تقديم مسرحية "لير"فى افتتاح المسرح القومى ، والفخرانى كان له رأى آخر وهو يشعر بالملل من قوالب "التراجيديا" وعينه على الكوميديا وبالتالي لن ينفع أن يقدم "لير" على المسرح فى الوقت الراهن التى أخذت عامين من التحضير قبل عرضها على الجمهور،حتى دعىّ للتكريم وحضور حفل افتتاح المسرح القومى بحضور رئيس الوزراء السابق م. إبراهيم محلب وألقى كلمة آنذاك ، شعر فيها بأسعد لحظات حياته وحنين غير عادى وهو يجلس على مقاعد الجمهورأمام خشبة المسرح الذى يعشقه ..ويحب رائحة خشبته التى كان مصدرها عفن الخشب الخاص ببركة الأزبكية قديما وهى التى كانت تخرج منه ،ثم عرض عليه تقديم عرض مسرحى جديد على خشبة القومى من جديد وبدأ يختار بين أكثر من رواية معروضة عليه ووقع اختياره على رواية"طف" لـ "موليير" ولكن لم يجد الاسكربيت الخاص بها حتى فكر فى إعادة تقديم "ليلة من ألف ليلة" فى ثوب جديد..أولا لأنه عمل لايت كوميدى ،ثانيا لإحساسه بالذنب لرفض تصوير المسرحية من قبل.. الفخرانى سبق له تقديم الأوبريت الغنائى لمسرحية ليلة من ألف ليلة فى عام1994 وقدمها لمدة 27يوماً - وكان المفروض تقدم ليلة واحدة فقط - فى افتتاح الاوبرا لأنها كانت مكلفة جدا ولم يوافق على تصويرها آنذاك على أمل إعادة تقديمها وقد كان وحينما سمع ألحان أحمد صدقى التى وضعها للمسرحية من خلال شريط كاسيت انبهر بما سمع وخاصة وأن من يقوم بالدور الرئيسي بالعمل يغنى مع مطربين جيدين جدا ولذلك خاض تجربة الغناء مع الحجار وأنغام وكانت ممتعة جدا بالنسبة له..وبخاصة بأن «ليلة من ألف ليلة» سبق وقدمت لأول مرة فى عام 1930وأول عرض لها كان لعزيز عيد وفاطمة رشدى وأعيد تقديمها مرات عديدة بنجوم متعددين دون تحديث!


المسرح القومى ..بداية الفن فى مصر


الفخرانى.. كان الدافع الاساسي له للوقوف على خشبة المسرح القومى من جديد أن المسرح القومى هو بداية الفن الحقيقى وعودة الفن عموما الى مصر ودوران عجلة العمل والإنتاج بعد تجديده وإفتتاحه مرة أخرى للجمهور.. من خلال تقديم عمل ضخم «ليلة من ألف ليلة» يليق بخشبة المسرح القومى ويحترم عقلية الجمهور ويقدم لهم فى الوقت نفسه المتعة المفيدة، يجذب الجمهور إليه وغيره من المسارح الأخرى، لأن أيام «الظلام» السابقة التى عشناها جعلته يشعر بقيمة «النور» فى المسرح القومى.. ويتمنى أن يكون وفق فى ذلك،كما أنه كان يبحث عن السعاده لنفسه من خلال عرضه المسرحى الجديد لأنه سوف ينعكس ذلك على الجمهور لأنه يتبع إحساسه، مشيرا إلى أن بيرم التونسي كتب رائعته - رواية - "من ألف ليلة" من سنه 1932- 1922فى المنفى عن مسرحية "لوكنت ملكا" بشكل صادق جدا..وكانت الاحداث فى بغداد"عاصمة الخلافة"ولكن المحتوى كله ومفرداته مصرية مائة فى المائة ..لافتا الى أن شخصية "الشحات" فى المسرحية مصرية جدا قريب الشبه من "جحا"مع الإختلاف بأن "جحا" كان فيلسوفا وإيجابياً عكس "الشحات" التى يقدمها بالمسرحية «ليلة من ألف ليلة» شخصية .....! «العوبان» وفى نفس الوقت نصاب وطيب وإنسان ومحب ودمه خفيف ويفرز من يقوم ببيع حياء وجهه لديه ابنة وحيدة خطفوا والدتها ولم ترها فى حياتها وكان يقوم بأى شيء من أجل اسعادها،ولذلك العرض مليء بالمتعة البصرية والحركية .. والغناء والرقص كماأنه يقدم مثلما كتب بيرم التونسي بالضبط ولا حياد أو خروج عن النص الأصلي «الزجلي».. مشيدا بأصوات محمد محسن وهبة مجدى فى أول تعاون بينهم على خشبة المسرح وسعيد بهما جدا، مؤكدا احترامه وسعادته بكل فريق العمل بالمسرحية مشير إلى أن كلما كانت كواليس المسرحية جيدة انعكست هذه الروح على المشاهدين وخرجوا سعداء بالعرض المسرحى الجديد.. وأشارالفخرانى الى أنه يفضل مشاهدة العروض المسرحية الانجليزية.


روشتة النجاح فى المسرح


قدم د. يحىى الفخرانى روشته النجاح الخاصة بالمسرح من خلال عمله وخبرته الطويلة ولكونه أفضل من وقف على خسبة المسرح فى استفتاءات عديدة خرجت علينا -أخيرا- مفادها كونه الأفضل مسرحيا فى ربع القرن الماضي.. وتتمثل فلسفته فى هذا الأمر بأن العمل المسرحى "جماعى" ويجب الإهتمام بكل تفاصيله الدقيقة مع الاستمتاع بالعمل أولا قبل استقبال "المتلقى " _ الجمهور - له من قبل القائمين عليه حتى يستمتع هوأيضا ، وكواليس العمل لابد وأن تكون ممتعة حتى يخرج العرض الى النور بشكل جيد.