أردوغان فى قفص الاتهام تفجيرات أنقرة .. قائمة المتورطين والمستفيدين وسيناريوهات المستقبل

13/10/2015 - 12:39:26

السيد عبد الفتاح

ليس هناك أدنى شك في أن المتهم الأول أو المسئول الأول عن التفجيرات الإرهابية التي شهدتها العاصمة التركية أنقرة قبل عدة أيام ، هو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، فسواء كان هو الذي أعطى الأمر لجهة مما يعمل معها لتقوم بالعملية ، أو أنه لم يعط مثل هذا الأمر ، فإنه المسئول المباشر عن هذه العملية وعن دماء الضحايا والمصابين ، ليس فقط باعتباره رئيس الدولة المسئول عن أمن وأمان المواطنين الأتراك ، وإنما لأن سياساته وتحالفاته المريبة وحرصه الشديد على التمسك بالسلطة وكرسي الحكم ، هي التي أدت بتركيا إلى ما هي عليه من اضطراب وعدم استقرار ، وإلى فقدان المواطن التركي للإحساس بالأمن والأمان في ظل ما آلت إليه الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية في البلاد .


ليس هناك شك في أن أول ما تطاله أصابع الاتهام في هذه التفجيرات هو أردوغان وحزبه العدالة والتنمية الذي أبى الاعتراف بالتراجع الكبير في الانتخابات النيابية الأخيرة ، وماطل في تشكيل حكومة ائتلافية ولم يكن جاداً فيها ، آخذاً البلاد نحو انتخابات مبكرة من المقرر أن تجرى في الأول من نوفمبر المقبل ، إلا إذا كان لأردوغان قرار آخـــر ومخطط خاص بها.


سياسات أردوغان أدخلت تركيا في أتون صراع سياسي وعسكري واستقطاب واحتقان قومي ، وافتقاد الأمن والاستقرار . ولم يعد هناك شك في أن الرئيس التركي وحزبه يلعبان وفق نظرية خيار شمشون ونيرون ، و»أنا أو الفوضى».


الزمان والمكان والضحايا


تفجيرات أنقرة الأخيرة تعد الأعنف والأكثر دموية في تاريخ الجمهورية التركية ، فحتى الآن تشير الأرقام إلى مقتل نحو ٩٧ شخصا وإصابة ٢٤٥ بينهم ٤٨ حالتهم خطيرة ، والأرقام مرشحة للتزايد خاصة الوفيات .


وفي هذه التفجيرات لا يمكن تجاهل ثلاثة أمور هامة وذات دلالة ، وهي الزمان والمكان والضحايا الذين تم استهدافهم من التفجيرين . فهذه المسائل الثلاث يمكنها أن تساعد في التحليل وتحديد المسئولين عنهما والمستفيدين، وتحديد التداعيات والانعكاسات كذلك .


فيما يتعلق بالزمان فإن التفجيرين وقعا قبل نحو ثلاثة أسابيع قبل انطلاق الانتخابات النيابية المبكرة في الأول من نوفمبر المقبل ، وخلال احتدام العمليات العسكرية المتبادلة بين الجيش التركي ومقاتلي حزب العمال الكردستاني ، وحالة اضطراب وعدم استقرار أمني تسيطر على البلاد ، وعقب التدخل الروسي القوي في الأزمة السورية وشن المقاتلات الروسية ضربات ضد أهداف لكل الأطراف المعارضة للنظام السوري ، وهو التدخل الذي أثار غضب وانتقاد الولايات المتحدة ودول أوربا وتركيا . كذلك جاءت التفجيرات بالتواكب مع مطالبات من قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني تركية لإنهاء الحرب بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني ، واستئناف مفاوضات السلام بين الجانبين ، وهي دعوات طرحها حزب الشعوب الديمقراطي وقوى يسارية أخرى . وجاءت بالتواكب أيضا مع إعلان حزب العمال وقفاً لإطلاق النار من جانب واحد ، رغبة منه في عدم التأثير على إجراء الانتخابات النيابية ، وحتى ينزع من حزب النظام الحاكم أي مبرر لتأجيل الانتخابات أو التلاعب فيها خاصة بالمناطق الكردية ، مع احتفاظه ـ حزب العمال ـ بحق الرد على أي عمليات تستهدف مقاتليه .


كما أن التفجيرات وقعت في وقت أظهرت أغلب استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها إلى تراجع التأييد لحزب العدالة والتنمية .


أما من حيث المكان الذي تم اختياره لتنفيذ العملية الإرهابية فهو العاصمة أنقرة ، وعلى بعد أقل من كيلو متر من مقر وزارة الداخلية ، وبضعة كيلو مترات من مبنى رئاسة الجمهورية ، ولعل في اختيار هذا المكان عدة رسائل منها أن الحكومة التركية المؤقتة عاجزة عن ضبط الأمن في البلاد وحتى في العاصمة نفسها وأنها لم تعد قادرة على الحكم ، وربما تكون الرسالة أن هذه التفجيرات هي مجرد بداية وأن القادم أسوأ لكن يمكن تجنبه باستمرار العدالة والتنمية في الحكم منفردة لتستطيع إقرار الأمن والاستقرار ، وتختلف الرسائل وفقاً للجهة التي تقف وراء العملية .


ويأتي الضحايا كأحد الأمور المساعدة بشدة في الوصول إلى المسئول عن التفجيرات، فقد استهدفت العملية المئات من أنصار حزب الشعوب الديمقراطي ذات الأغلبية الكردية ، ونشطاء يساريين ومن قوى المجتمع المدني ، الذين نظموا هذه الوقفة للمطالبة بوقف الحرب بين الدولة والعمال الكردستاني وإقرار السلام واستئناف مفاوضات السلام . تماما مثلما كان الأمر في تفجيرات «سوروج» قبل بضعة أشهر . فهؤلاء وحدهم هم المقصودون ومعهم عملية السلام الداخلي . ولم يحدث أن تفجيرات مشابهة استهدفت تجمعات لغير هذين الفريقين .


تبادل الاتهامات


عقب التفجيرات وكالعادة تبادل أركان النظام الحاكم وقيادات المعارضة وحزب الشعوب الديمقراطي خاصة، الاتهامات في الوقوف وراء العملية الإرهابية ، تماما كما حدث من قبل عقب تفجيرات «سوروج». وكأن كل طرف يريد استغلال المأساة لتحقيق مكاسب سياسية انتخابية تضيف إليه تعاطفا ومساندة وتخصم من رصيد منافسه وتضعه في دائرة الاتهام الشعبي .


فمن جانبه سارع الرئيس التركي أردوغان مؤكداً عزمه على مواجهة «كل الهجمات والتنظيمات الإرهابية، مهما كانت مصادرها وشعاراتها وأهدافها وأسماؤها، وأن من يتعاملون بمعايير مزدوجة مع الأعمال والتنظيمات الإرهابية، هم أكثر من يقدمون الدعم للإرهاب.وأنه «لا فرق أبدا بين الأعمال الإرهابية التي استهدفت جنودنا وشرطتنا وموظفينا ومواطنينا الأبرياء في السابق، وبين الهجوم الإرهابي، الذي استهدف مواطنينا المدنيين في محطة القطار بأنقرة».


وأشار إلى أن هدف منفذي هجوم أنقرة هو الإيقاع بين فئات المجتمع المختلفة، داعيا الجميع إلى تحمل المسئولية، والتصرف بحذر والوقوف في وجه الإرهاب، وليس إلى جانبه.


فيما كَشَفَ رئيس الوزراء التركي، أحمد داود أوغلو،عن وجود معلومات استخباراتية بخصوص اعتزام تنظيمي «داعش» و»بي كا كا» ـ حزب العمال الكردستاني ـ الإرهابيين،  تدبير هجمات لنشر الفوضى داخل تركيا، وعن إمكانية دخول عدد من الانتحاريين من شمال العراق إلى تركيا.


وأفاد أنه تلقى معلومات من والي إسطنبول، عن القبض على انتحاري ينتمي لجبهة حزب التحرير الثوري الإرهابية في المدينة، والقبض على انتحاري آخر في أنقرة، كان يعد لهجوم ضد العاملين في سلك القضاء. معتبراً تلك الوقائع تشير لكون تركيا مستهدفة بهجمات إرهابية شاملة، تقف وراءها مجموعات إرهابية مختلفة، بهدف زعزعة استقرارها وديمقراطيتها.


وأكد أنه «يتعين على المجتمع الدولي التضامن ضد محاربة الإرهاب، واتخاذ موقف مشترك، ضد المنظمات الإرهابية، سواء كان «داعش»، أو «بي كا كا»، أو تنظيم القاعدة، أو جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري».


ومن خلال هذين التصريحين يتضح أن أردوغان وأوغلو وجها الاتهام صراحة لحزب العمال الكردستاني ، وبشكل مباشر لحزب الشعوب الديمقراطي الذي يعتبرانه شريكا للعمال في الإرهاب ، وهدفهما من ذلك التأثير في الناخبين وحضهم على عدم التصويت لحزب الشعوب المتورط في الإرهاب .


وعلى الجانب الآخر سارع رئيس حزب الشعوب صلاح الدين دميرتاش ، إلى اتهام الدولة التركية ونظامها الحاكم بالتورط في العملية الإرهابية ، بقوله»هذا الهجوم ليس على سلامة دولتنا وأمتنا، والذي تقوم به هي الدولة ضد الشعب»، إننا نواجه دولة مافوية وقاتلة، والتفجيرات حدثت في الوقت الذي نحاول فيه الوصول إلى وقف لإطلاق النار».


من يقف وراء التفجيرين ؟


بعيداً عن الاتهامات السريعة التي تبادلها طرفا الأزمة السياسية في البلاد ، نظام حزب العدالة والتنمية برئيسه ورئيس وزرائه ، وحزب الشعوب الديمقراطي. فإن دائرة الاتهام تشمل جهات سواء داخلية أو خارجية من مصلحتها ، إما استمرار الحرب الدائرة بين الدولة والعمال الكردستاني ، بما يلازمها من احتقان قومي واجتماعي يساعد على مزيد من عدم الاستقرار والاضطراب والتراجع الاقتصادي ، وضرب أي جهود لإحياء عملية السلام الداخلي مع الأكراد .وإما تخطط لتعطيل وتأجيل إجراء الانتخابات النيابية المبكرة ، وإما للتأثير على الناخب التركي بالتصويت لحزب العدالة وعدم التصويت لحزب الشعوب أو العكس ، وإما دفع تركيا إلى مزيد من الانخراط في الأزمة السورية بشكل أكبر بما في ذلك التدخل العسكري البري ، أو الدفع باتجاه إقامة المنطقة الآمنة أو العازلة على الحدود السورية التركية ، أو على النقيض من ذلك دفع تركيا إلى التراجع في مواقفها من الأزمة السورية وخلع يدها منها خوفاً من امتداد نيران الأزمة إلى الداخل التركي وتهديد الأمن القومي لتركيا وضرب استقرارها واقتصادها ، وكانت تفجيرات أنقرة رسالة بأنها مجرد الخطوة الأولى ستتلوها عمليات أخرى أكثر عنفا أو دموية . ومن خلال ذلك تضم دائرة الاتهام بالوقوف وراء العملية الإرهابية كلا من النظام التركي الحاكم وعلى رأسه أردوغان ، أو حزب العمال الكردستاني ومعه حزب الشعوب ، أو ما يطلق عليه الدولة العميقة أو الكيان الموازي شديد التعصب القومي الرافض لأي سلام مع العمال الكردستاني ، أو جهات خارجية منها المخابرات السورية أو إيران أو روسيا أو الولايات المتحدة وبالطبع لا ننسى داعش وأخواتها من التنظيمات الإرهابية التي تقاتل في سوريا ومن مصلحتها أن تظل تركيا على موقفها المعادي للنظام السوري وتواصل دعمها للفصائل التي تقاتله ، أو أن تقف على الحياد وتتراجع عن مساندة التحالف الدولي .


وما يزيد من تعقيد الأمر وتحديد المتورط المباشر في العملية الإرهابية ، هو ما يتعلق بمواقف وحسابات داخلية مرتبطة بالأزمة السياسية التي تسبق الانتخابات، فيما يربطه آخرون بمكاسب دفينة، تسعى بعض الأحزاب المنافسة لتحقيقها، لاسيما فيما يتعلق بملابسات الصراع الدائر بين الحكومة التركية، وحزب العمال الكردستاني.


ولابد من الإشارة إلى أن بعض الدول، والقوى الخارجية، وإن لم تكن لها يد مباشرة في هذه التفجيرات الإرهابية، فهي دول تسعى لزعزعة الاستقرار التركي، فتارة تهدد دولة تركيا من قبل النظام السوري، وتارة أخرى من قبل تنظيم الدولة الإسلامية «داعش».


ومن الممكن أن تكون التفجيرات، بهدف نقل رسالة للحكومة التركية، مفادها بأن عليها عدم التدخل في شئون تلك الدول الخارجية، وإن حدوث هذا الانفجار في قلب العاصمة التركية أنقرة، له دلائل وإشارات دبلوماسية للحكومة التركية.


وقد يفيد معرفة المستفيدين من هذه العملية الإرهابية ، في محاولة التوصل إلى مرتكبها ، فقائمة المستفيدين من التفجير طويلة تضم أطرافاً داخلية وأخرى خارجية ، وهي هنا أيضا يتقدمها الرئيس التركي نفسه ومعه حزبه العدالة والتنمية الذي قد يرى أن مثل هذه الأعمال الإرهابية سوف تؤثر على الناخب التركي الذي لم يعط صوته للعدالة والتنمية في الانتخابات الماضية ، لكنه في الانتخابات المقبلة سيعود إليه مرة ثانية أملا في أن يتمتع بالأمن والاستقرار الذي كفله الحزب طوال السنوات الماضية وهو في الحكم منفرداً ، كما أن أردوغان يراهن على أن مثل هذه العمليات ستفقد منافسه القوى حزب الشعوب نسبة كبيرة من الأصوات ، تعمل بالإضافة لعدة إجراءات سيقوم بها أردوغان على منع تجاوز الحزب للعتبة الانتخابية ـ ١٠٪ من الأصوات ـ ما يعني ذهابها إلى حزب العدالة والتنمية .


لكن رغم ذلك فإنه يمكن اعتبار حزب الشعوب هو الآخر مستفيدا من مثل تلك الأعمال الإرهابية التي تستهدف أنصاره بالأساس ، في اكتساب مزيد من التعاطف الشعبي معه ما يعني مزيداً من الأصوات تزيد عما حصل عليه في الانتخابات الماضية ، نكاية في أردوغان وممارساته التي أوقعت تركيا في الهاوية .


أيضا قد يستفيد حزبا الشعب الجمهوري المنافس الأكبر للعدالة والتنمية من تلك العمليات الإرهابية التي يراها تخصم من رصيد أردوغان وحزبه وتدفع الناخب التركي إلى التصويت لصالح حزب الشعب الذي لديه خبرة طويلة في الحكم ، وكذلك لأنه لايعادي الأكراد . وليس بعيدا عن ذلك يحلم حزب الحركة القومية بأن يحسن موقعه في الانتخابات المقبلة مستفيدا من التأثيرات السلبية لهذه الأحداث على كل من العدالة والتنمية والشعوب الديمقراطي .


أما المستفيدون من خارج تركيا ، فربما يكون في مقدمتهم النظام السوري الذي يرجو أن تدفع تلك الأحداث النظام التركي إلى الانسحاب من الملعب السوري ورفع يده عن مساعدة التنظيمات الإرهابية التي تقاتل النظام السوري وها هي قد انقلبت على حليفها أردوغان . وهذا أيضا يصب في مصلحة إيران التي لا يخفى على أحد أن سوريا والعراق هما بمثابة ميادين معارك للصراع الإقليمي بين تركيا وإيران ، وأن استمرار حالة عدم الاستقرار داخل تركيا ستدفعها إلى التخفيف من التدخل في العراق وسوريا والاقتراب أكثر من المواقف الإيرانية حفاظا على أمنها القومي .


وليس بعيدا عن هؤلاء قد نعتبر تنظيم داعش مستفيدا هو الآخر ، لأن تركيا ستزيد من تحالفها معه لإسقاط النظام السوري والتصدي للتطلعات الكردية في سوريا وتركيا .


أخيراً فإن تداعيات هذه العملية سواء داخلياً أو خارجياً ستكون فيها كل السيناريوهات المتعارضة مفتوحة ، سواء بتأجيل الانتخابات أو إجرائها ، استفادة العدالة والتنمية والشعوب الديمقراطي منها أو العكس ، رفع تركيا يدها من الملف السوري أو زيادة تدخلها فيه .