سوريا بين المطرقة الروسية سندان داعش

13/10/2015 - 12:32:27

السفيرد.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

جاء ت تطورات الموقف الروسى من الأزمة السورية سريعة ومفاجئة، فقد قررت روسيا دخول الحرب إلى جانب سوريا وضد الإرهاب بمختلف فصائله، وارتبط اتخاذ القرار الروسى بالتطبيق الفورى ، فوقف العالم مذهولا، وصدرت تصريحات متضاربة عن الولايات المتحدة، واعقبتها تصريحات متضاربة اخرى من مختلف دول الاتحاد الاوربى لتزيد الأزمة السورية تعقيدا وغموضا، وجاء التدخل العسكرى الروسى واستعراض القوة واستعراض سرعة اتخاذ القرار ،ليؤكد الرئيس بوتين أن عملية اتخاذ القرار فى روسيا تتسم بنفس سمات عملية اتخاذ القرار فى روسيا القيصرية وروسيا السوفيتية وروسيا الليبرالية أيضا لتمثل بذلك «روح روسيا» او «القومية الروسية» أو عنصر الاستمرارية الروسى عبر التاريخ، وهو ما يمكن روسيا من استثمار بطء القرار الأمريكى و الأوربى وتعقيدات عملية اتخاذ القرار فى هذا التكتل الغربى خاصة وان الولايات المتحدة وقعت ضحية تحالف التجمع الصناعى العسكرى الأكاديمى وهو ما سبق ونبه إليه وما يرتبه من مخاطر الرئيس الأمريكى الأسبق داويت ايزنهاور لدى مغادرته البيت الأبيض بعد انتهاء رئاسته، وها هى واشنطن تدفع ثمن الرضوخ له من حريتها والمساواة بين ابنائها داخليا، ومن سمعتها وكرامتها دوليا.


اولا :تعقيدات الأزمة دوليا:


تثير الازمة السورية تساؤلات عدة فى أعقاب التدخل الروسى تعكس درجة تعقد الأزمة السورية بصورة لم تكن متوقعة ، بعض هذه التساؤلات يتعلق بمستقبل سوريا نفسها،هل تتعرض للتقسيم ؟هل يستمر الأسد ؟ وكيف يستمر ؟هل يصبح رئيسا لسوريا «المفيدة «؟ ام يستمر رئيسا لسوريا كما نعرفها على الخرائط منذ اللحظة التى أعلنت فيها خرائط سايكس بيكو؟وفى الحالتين من سيتولى إعادة إعمار الدولة التى خربتها الحرب ومزقت أهلها الصراعات ؟وفى كل الأحوال أيضا ما مصير الإخوان المسلمين فيها بعد ان وقفوا إلى جانب الإرهاب لبناء حلم لم يعد ممكنا عمليا لا فى سوريا ولا غيرها، حلم إعادة بناء الدولة الإسلامية ،وكيف ستكيف سوريا فى كل الأحوال علاقاتها بدول الٌإقليم وخاصة السعودية وقطر وتركيا؟


كذلك هناك تساؤلات هامة تتعلق بالدب الروسى ،مثل ما هى اسباب تدخله بهذا الثقل فى سوريا ؟وما هى أهدافه؟ وما اهدافه فى سوريا وفى مجمل منطقة الشرق الأوسط؟ وكيف ستضمن روسيا مصالحها فى المستقبل فى ضوء سابق التجربة السوفيتية فى مصر فى عصر السادات؟ وكيف ستوائم روسيا موقفها فى الشرق الأوسط مع المصالح الأمريكية والغربية مستقبلا ؟


وما موقف القوة الصينية فى ظل توقيع معاهدة تعاون استراتيجى بين الدولتين؟ وما مغزى إرسال الصين حاملة طائرات بدون طيار لميناء طرطوس فور التدخل الروسى العسكرى فى سوريا ؟ وهل يتحكم فى الموقف الصينى الرؤية الأمريكية بالانسحاب من الخليج لصالح التواجد فى اسيا وهو ما تعارضه الصين صراحة؟بمعنى هل تنظر الصين إلى الصراع حول سوريا باعتباره صراعا اسيويا وبالتالى سيكون موقفها الحذر المعروف عنها رسالة خاطئة للجانب الغربى اجمالا وليس الأمريكى فقط؟ وما هى المصالح الصينية الجيواستراتيجية فى سوريا خاصة والشرق الأوسط عامة ؟


كذلك هناك تساؤلات فيما يتعلق بكوريا الشمالية ، فقد ترددت معلومات يصعب تأكيدها حول احتمالات دخول تركيا الحرب وتهديدها لتركيا فى ظل تنامى العلاقات السورية الكورية الشمالية وفى ظل إعلان أمريكا لوصول قوات كورية لدمشق بناء على رؤية شهود عيان لهم.


إضافة لذلك ما هى تأثيرات هذا التدخل الروسى على تطورات النظام العالمى الذى يشهد تحولات ضخمة وعميقة تشمل وحداته التى لم تعد مكونة من الدول القومية فقط ،بل انضم إليها الشركات متعددة الجنسية ، والمنظمات الدولية الحكومية مثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية والمنظمة الدولية للطيران المدنى مثلا وهذه المنظمات سنت تشريعات دولية وأقرت قواعد عمل دولية ساهمت فى تغيير واقع التعاون الدولى فتغير النظام العالمى ، إضافة إلى تغيير مفاهيم النظام العالمى ودلالاتها وظهور مفاهيم جديدة لم تكن موجودة من قبل وهو ما ادى فى النهاية إلى تغيير طبيعة وجوهر هذا النظام ليصبح عالميا يضم جميع المكونات وتحوله من النظام القطبى – بغض النظر عن عدد الاقطاب – إلى النظام الشبكى بكل تعقيداته ومتطلباته ونتائجه.


ثانيا تعقيدات الأزمة إقليميا :


ولم تتوقف درجة تعقد الأزمة السورية عالميا فقط ،بل إقليميا أيضا ،وفى الإقليم يحسن ان نميز بين الإقليم الشرق أوسطى والإقليم العربى ، فعلى مستوى الشرق الأوسط لدينا إسرائيل التى تبدو هادئة فيما عدا زيارة نتانياهو لموسكو وما تمخض عنها من نتائج حول التنسيق بين البلدين لتجنب الخطأ فى هذه المرحلة الحساسة ،إلا أن تصريحات وزيرة العدل الإسرائيلية بشأن ضم الجولان بقدر ما هى مثيرة وتزيد الموقف إرباكا ، بقدر ما هى مضحكة بشأن ما ورد بها من مبررات بأن سوريا لم تعد موجودة،وربما كانت هذه التصريحات مؤشرا على رغبات مكبوتة لدى اسرائيل.


وثانى الأطراف الإقليميين إيران ، فاتجاهات ايران العدائية والتوسعية معروفة وليست فى حاجة إلى شرح سواء فى منطقة الخليج أم فى تجاه العراق بعد الحرب العراقية الإيرانية ومن ثم فإن إعادة ترتيب الأوضاع ليشمل نفوذها سوريا والعراق ولبنان من خلال حزب الله تمثل الوضع الأمثل لها،ومن ثم فدخول روسيا الحرب ضد داعش ومن على شاكلته يصب فى مصلحة إيران مباشرة.


وثالث الأطراف الإقليمية هى تركيا فهى دولة عضو بحلف شمال الأطلنطى ،كما أن بها قواعد عسكرية هامة لأى عمليات عسكرية فى سوريا ، وهى دولة حدود لسوريا ايضا فبالتالى لها نفس الأهمية لسوريا ، إلا أن هذه الأوضاع تضعها بين شقى الرحى لأنها برغم أهميتها لواشنطن والناتو ، فواشنطن والغرب متعاطفون مع إنشاء دولة كردية بالمنطقة وهو ما تعارضه إيران لوجود أقلية تركية كردية تخضع الآن لعملية تأديب ممنهجة بعد نتائج الانتخابات البرلمانية التى لم تمكن حزب العدالة والتنمية من تشكيل الحكومة بفضل ما تمتع به الأكراد من شعبية على حساب الحزب الذى كان حاكما فيما مضى ، وجاء التدخل الروسى ليحد من عربدة تركيا فى المنطقة ودعمها لجميع المنظمات الإرهابية العاملة فى سوريا والعراق .


اما على مستوى الإقليم العربى فمن المؤكد أن الدور السورى جاء ليدعم الشرخ الذى أصاب محور ٣٠ يونيه لأن السعودية ما زالت تعطى الأولوية لإنهاء وجود الأسد سياسيا ولذا فانها ضد إعطائه أى دور خلال المرحلة الانتقالية شأنها فى ذلك شأن الولايات المتحدة والقوى الغربية ، وذلك بعكس الموقف المصرى الذى يقوم على ضرورة المحافظة على وحدة الأراضى السورية ، وهذا يعنى دعم الاسد ولو فى المرحلة الأولية على الأقل لأن معنى رحيله الآن بأى شكل إحداث فراغ فى السلطة فى ظل عدم الاتفاق على بديل يمكنه تولى المسئولية والحفاظ على وحدة التراب السورى.


أما دولة الإمارات فإن موقفها يقترب من الموقف المصرى أكثر منه من الموقف السعودى ، ومن ثم فقد ألقت الأزمة السورية بظلالها على مصر ومجلس التعاون للدول العربية الخليجية ومحور ٣٠ يونيه مما يزيد من إضعاف الموقف العربى عامة خاصة وأن باقى الدول العربية اهتماماتها بالأزمة السورية لا تتعدى ما ينشر على صفحات جرائدها .


الدولة العربية الخليجية الوحيدة التى تستفيد من التدخل الروسى فى الأزمة هى الكويت لأن داعش تضع الكويت ضمن الحدود العراقية فى خرائطها وبالتالى فالقضاء على داعش يعنى القضاء على هذه الفكرة ، على الأقل فى الوقت الراهن لأن واشنطن لم تتخل عن مشروعها للشرق الأوسط الموسع او الكبير ، فكل ما حدث مجرد تهدئة ثم استئناف المشروع بأسلوب آخر.


ثالثا:الدور الروسى وأهدافه:


إذن العامل الرئيسى الذى حرك المياه الراكدة فى الأزمة السورية هو العامل الروسى الذى ينبغى إعطاؤه قدرا أكبر من التحليل، ومن المؤكد أن السياسة الخارجية لأى دولة تستهدف حماية أمنها القومى وتحقيق مصالحها العليا ، ومن ثم لا ينتقص من روسيا سعيها لتحقيق هذه المصالح ، بل من المهم أيضا أن نتعلم منها كيف نحمى أوطاننا إن لزم الأمر ، وكيف يمكننا تحقيق أقصى الممكن فى ظل ظروف تتسم بالتعقيد الشديد وتضارب المصالح .


وبداية يمكن القول إن التدخل الروسى لم يتم من أجل عيون الأسد ، ولكنه تم بهدف تحقيق أهداف جيواستراتيجية خاصة بالأمن الروسى أساسا وما يظهره الآن دعما للأسد ليس سوى ناتج جانبى غير مقصود للتحرك الروسى الأوسع والأشمل ، فالرئيس بوتين استغل بطء القرار الأمريكى الغربى ،وخطأ تقديرات الموقف الأمريكية وعدم وجود استراتيجية لدى الغرب لحل الأزمة السورية وذلك لإثبات أن روسيا لم تعد لقمة سائغة للغرب وكلمتها ينبغى أن تؤخذ فى الاعتبار لدى اتخاذ القرار الدولى ،وهو موقف مبدئى لبوتين لأن الغرب نجح فى خداع روسيا إلى درجة المهانة فى عدة مواقف وبخاصة فى عهد يلتسين الرئيس الأسبق ،فقد سبق الغرب وتعهد بعدم ضم أى من دول الكتلة الاشتراكية سابقا إلى المؤسسات السياسية الغربية وهو ما لم يتم ، ولم يدرك الغرب أن الاقتراب من القلب الروسى خط أحمر فأقدم على تعقيد الموقف فى اوكرانيا وهو يعلم أن مساعداته لها مستقبلا لن تصل إلى دعمها لدرجة الصمود فى وجه الدب الروسى ، فضلا عن تعقد التركيب السكانى فى أوكرانيا نتيجة سياسة التهجير التى اتبعها الاتحاد السوفيتى بين الجمهوريات الخمسة عشر وأقاليم الحكم الذاتى المكونة للاتحاد السوفيتى والزيجات المختلطة وتركز السكان من أصل روسى على الحدود الروسية كلها عوامل تحد من فعالية المساعدات الغربية لأوكرانيا.


وكما حدث فى اوسيتيا الجنوبية لدى نشوب الخلاف الروسى الجورجى حينما خرجت روسيا من الحرب بعد أن فقدت جورجيا حوالى ثلث مساحتها فقد فقدت اوكرانيا القرم التى تعد أراضى روسية تم ضمها لأوكرانيا فى عهد خروشوف ،ونجحت العناصر السكانية فى شرق أوكرانيا فى المطالبة بالانضمام للدولة الأم مما زاد الموقف تعقيدا.


كذلك فإن روسيا شعرت بالخديعة بعد أن صوتت روسيا فى مجلس الأمن عام ٢٠١١ تأييدا لتدخل حلف شمال الأطلنطى فى ليبيا ،ولم تكن روسيا ترغب فى التخلص من نظام القذافى ووافق الغرب بقيادة واشنطن على ذلك، إلا أن الحلف أسقط النظام وانسحب ليترك ليبيا نهبا للفوضى من ناحية والمليشيات المتناحرة من ناحية أخرى وهذا المناخ هو الأفضل على الإطلاق للإرهاب وهو الوضع الراهن الآن.


ومن ثم فان ما يحدث فى سوريا اليوم يحدث وعين بوتين على أوكرانيا وضرورة إجبار الغرب على رفع العقوبات عن بلاده وقد تبدى هذا الموقف بالفعل خلال اجتماعه مع رؤساء الدول الغربية وفى خطابه بالأمم المتحدة قبل ذلك، فالشعور القومى لروسيا قوى للغاية بدليل أن كل الايديولوجية الماركسية لم تقض عليه بدليل أن الاتحاد السوفيتى فى الحرب العالمية الثانية قدم تضحيات لم تقدمها دولة اخرى وبلغت حوالى عشرين مليونا ، ولعل حصار سان بطرسبرج (ستاليننجراد حينذاك ) خير دليل على ذلك .


كذلك فإن الوصول للمياه الدافئة جنوبا هدف استراتيجى منذ عهد القياصرة للآن نظرا لطبيعة المناخ المحيط بروسيا ومن ثم فقاعدة طرطوس البحرية والقاعدة الجوية اللتان تقيمهما روسيا فى سوريا لهما أهمية استراتيجية فى هذا المجال لأنهما موطئ قدم لروسيا فى الشرق الاوسط اولا وفى المياه الدافئة ثانيا.


كذلك فان لروسيا مصلحة استراتيجية فى بناء نفوذ قوى فى سوريا مستقبلا سواء استمر الأسد رئيسا للدولة ام رحل عنها ،حتى يمنع قطر التى تمول الإرهاب فى سوريا من مد أنبوب الغاز القطرى و المرور عبر الأراضى السورية إلى أوربا ،لأن معنى ذلك أن تحقق اوربا استقلالية تامة عن الغاز الروسى الذى تعتمد عليه اعتمادا كليا وبخاصة خلال موسم الشتاء الطويل ،وهو ما كان دافعا قويا لروسيا للتدخل فى سوريا عسكريا .


ايضا روسيا تسعى بتدخلها فى سوريا إلى محاربة الإرهاب بالفعل ،بعكس واشنطن والغرب


اللذين يدعيان محاربة الإرهاب فى حين أنهما يدعمانه او عل احسن الفروض يتركانه يقوم بعمله المناط به ، وجاء اختلاف موقف الطرفين من الارهاب فى سوريا لأن روسيا تخشى اتساع الرقعة الجغرافية التى يسيطر عليها فى سوريا والعراق لسببين الأول أن زيادة نجاح داعش فى سوريا والعراق تعنى مزيدا من الفوضى فى الدولتين ومن ثم زيادة احتمالات سقوط نظام الأسد بما يعنيه ذلك من زيادة تدهور سمعة السلاح الروسى فى المنطقة ،وخسارة روسيا لحليفها فى سوريا ، والسبب الثانى أن داعش نجحت فى تجنيد أعداد كبيرة من الشيشانيين وأى نجاح لداعش قد يغريهم بالجهاد ضد روسيا ومن ثم فروسيا تدافع عن مصلحة حيوية لها صحيح ولكن تحقيق هذه المصلحة يصب فى صالح سوريا والعراق ومجمل العالم العربى ، وبدون مبالغة يصب فى مصلحة العالم اجمع.


كذلك تستهدف روسيا من التدخل فى سوريا استعراض احدث معداتها العسكرية ، فلم تكتف بضرب داعش من الجو بالطائرات ، ولكنه استخدمت ايضا الصواريخ من بحر قزوين مرورا بمسار يمر بإيران والعراق وصولا إلى سوريا وكانت دقة التصويب مذهلة للجانب الأمريكى بكل المعايير فقد صرح وزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو ان « سفنا روسية قصفت صباح الأربعاء ٧ اكتوبر الجارى مواقع داعش فى سوريا من بحر قزوين على مسافة ١٥٠٠ كيلومتر حيث اطلقت هذه السفن ٢٦ صاروخا اصابت أهدافها بدقة بالغة» كما عرضت وزارة الدفاع الروسية لقطات من فيلم مصور لمدى دقة الإصابة .


هذا الاستعراض للقوة الروسية الذكية أكدته تصريحات القيادة الروسية فقد صرح وزير الدفاع الروسى فى اليوم التالى ايضا ان «أمريكا ذكرت بتقرير لها أن داعش بنت قاعدة فى مدينة الرقة السورية وان هذه القاعدة محصنة وتحتاج الى اكثر من ٥٠ ألف ضربة جوية لتدميرها « واضاف انه «ارسل فيلما لوزير الدفاع الامريكى بأن هذه القاعدة قد تم مسحها امس بطلعة روسية واحدة» فهذا التصريح فى منتهى الخطورة لأن معناه أن الولايات المتحدة لا تعلم القدرات العسكرية الروسية كما انه يقوض مصداقية امريكا لدى حلفائها فى المنطقة .


ومن المؤكد أن روسيا لا تسعى الى استمرار الأسد فى موقعه والا فانها تغامر بما حققت من أهداف لانه افتقد شرعيته فى الداخل والخارج ولم لا وقد فقد السيطرة على دولته وشرد شعبه فى جميع دول الاقليم واوربا كلاجئين ،ولكنها تستهدف بناء نفوذ روسى يسمح لها باستمرار هذا النفوذ فى ظل المرحلة الانتقالية وما بعدها خاصة وان روسيا استفادت من تعيين الاسد لبعض الضباط الاكفاء فى منطقة الساحل والعاصمة دمشق وهم فى نفس الوقت الذين يديرون العلاقة مع روسيا ويتولون هندسة صفقات السلاح والمساعدات العسكرية وهذه القيادات العسكرية التى تمثل المؤسسة العسكرية السورية بالدرجة الاولى لديها المقدرة على منع انهيار الدولة السورية نظرا لمهنيتهم العالية ، ومن ثم ففى ظل هذه الأوضاع يمكن لروسيا الاستغناء عن الأسد فى اى لحظة لوجود بدائل لديها يمكنها الاعتماد


عليهم ، بل الأكثر من ذلك أننا لم نسمع التزاما ولو لمرة واحدة من أحد القيادات الروسية بالحفاظ على الحدود الحالية للدولة السورية وهو ما يؤكد ان الهدف الروسى من التدخل هو ايجاد موطئ قدم فى المنطقة من خلال الاستناد الى شبكة من الحلفاء الذين يمثلون المؤسسة العسكرية السورية داخل سوريا بغض النظر عما يحدث للأسد او حدود الدولة السورية ، ومن هنا تبدو خطورة تصريحات وزيرة العدل الاسرائيلية حول ضم الجولان خاصة أن هذه التصريحات انطلقت عقب زيارة نتانياهو إلى روسيا .


كذلك فان ما يقلق فى التدخل الروسى فى سوريا ما سبق الإعلان عنه وأصبح معروفا بالتحالف الرباعى بين روسيا وايران والعراق وسوريا ، وهو تحالف مقره العراق فى مواجهة تحالف اخر لم يحقق نجاحا فى مكافحة الإرهاب وهو التحالف الدولى الذى تقوده امريكا ويضم بعض دول الخليج وفى مقدمتها السعودية وقطر التى تعد اكبر ممول للإرهاب ليس فى سوريا فقط ولكن فى سوريا والعراق ومصر وليبيا بفضل الثروة التى منحها لها الله ممثلة فى الغاز الطبيعى وهى ثروة استخدمت بسفه وخيانة لأمننا القومى العربى مقابل ضمان امن النظام الحاكم فى قطر والقائم على خيانة الابن لأبيه ابنا عن جد، فهل روسيا تستهدف من هذا التحالف إقامة محور شيعى لمواجهة المحور السنى الداعم للسياسة الامريكية التى فضحتها روسيا؟ ام أن الأمر مؤقت تطلبته مقتضيات الموقف فى هذه المرحلة من الصراع العسكرى ولن يستمر طويلا ؟ سؤال نتركه للمستقبل لأن الموقف يمكن ان يتحول إلى النقيض بضغطة ذر للكمبيوتر تماما كما اتخذت روسيا قرارها بدخول الحرب ضد الإرهاب وبأسلوبها وأولوياتها هى ،وهى اولويات أقرب للمصالح العربية من الأولويات الامريكية المتوحشة.


فيما يتعلق بموقفى الصين وكوريا الشمالية فما زالت الأمور فى البداية بالرغم من كل ما حدث والرؤية الاكثر احتمالا ان الصين بارسالها لحاملة الطائرات ارسلت رسالة الى الغرب مفادها إذا وسعتم دائرة الصراع فنحن جاهزون وهو أمر مطلوب لإثبات الجدية وتأكيد المصداقية .


رابعا:تأثيرات الأزمة والتدخل الروسى على مصر:


ولكن الأهم ما تأثير كل ما تقدم على مصر ؟ وهل مصر بالفعل عادت للتقوقع داخل حدودها ؟وأن هذا خطر عليها أم فى مصلحتها ؟وما الموقف الذى ينبغى عليها اتخاذه؟


بداية لابد من الإقرار بان هناك علاقات قوية تربط بين مصر وروسيا فقد زار الرئيس السيسى موسكو أربع مرات منذ توليه منصب رئيس الجمهورية ، كما ان سوريا من اكثر الدول العربية أهمية لمصر فكانت يوما الاقليم الشمالى ومصر الإقليم الجنوبى فى دولة الوحدة العربية ، كما أن الدولتين خاضتا معا جميع الحروب الحديثة فحينما ضربت اذاعة القاهرة خلال حرب ١٩٥٦ انطلقت الإذاعة السورية لتعلن « هنا القاهرة» دون سابق إعداد وفى حربى ١٩٦٧ و ١٩٧٣ كانا معا ،فسوريا باختصار هى والعراق حائط الصد الأول لشرق وشمال العالم العربى، كما يؤكد التاريخ عبر مسيرته منذ حروب مصر ضد الهكسوس الذين قدموا من أواسط اسيا وطاردهم أحمس فى القرن الثانى قبل الميلاد.


كذلك تتقارب مصر وروسيا فى نتيجة حربهما – كل على حدة – ضد الإرهاب ، فروسيا قررت فى لحظة ضرب الإرهاب بمختلف صوره فى سوريا وفقا لأسلوبها ووفقا لأولوياتها وهو ما يفسر ضربها لداعش والنصرة والمعارضة السورية المسلحة ،لتخلط الأوراق للولايات المتحدة والغرب فى سوريا ، ومصر قررت ضرب الإرهاب فى داخل البلاد فقررت محاكمة الإخوان المسلمين الذين رفعوا السلاح ضد الدولة وضد الشعب، ثم شنت حربا فى سيناء لتطهيرها تماما من الإرهاب ،واتخذت الإجراءات اللازمة للقضاء على الانفاق التى استخدمت فى البداية لتزويد قطاع غزة باحتياجاته بعد أن فرض عليه الاحتلال قيودا مشددة خشية تهريب السلاح والذخيرة ، ثم تطور استخدام هذه الانفاق لتهريب المواد التموينية المدعومة والخاصة بالشعب المصرى إلى غزة ، وتطور الامر لثانى مرة لنجد أن مقاتلى حماس يدخلون البلاد خلسة عبر الانفاق لتهريب القيادات الإخوانية من السجون ودعمهم بالسلاح لتولى السلطة فى مصر دون إرادة المصريين ، ولدى سقوط الإخوان تطورت وظيفة الأنفاق للمرة الثالثة لتصبح طريق الإرهاب إلى مصر ، وهو ما دفع بمصر إلى شن حملة «حق الشهيد» واغراق الانفاق بالمياه لمنع التسلل إلى مصر مستقبلا.


إذن هناك وحدة فى الأهداف السياسية بين مصر وروسيا فى مكافحة الإرهاب بصورة متزامنة لأن الإجراءات المصرية تدعم بشكل مباشر الإجراءات الروسية فى الشمال وتسد فراغا فى جنوب الجبهة السورية كان يمكن للإرهاب اتخاذه كموطئ قدم للقفز إلى مصر ،بل والى السعودية من الغرب الى جانب المدخل الشمالى.


كذلك فان منطلقات السياسة الخارجية فى كل من روسيا ومصر واحدة مما يزيد التقارب السياسى بينهما ،فالسياسة الخارجية لا يمكن ان تبدأ من فراغ لأى دولة ، ولكنها تبدأ من حيث تنطلق السياسة الداخلية ،ففكرة القضاء على الإرهاب فى مصر انطلقت اساسا من السياسة الداخلية أى أن المنطلق داخلى فى مصر ،فى أعقاب اسقاط الشعب لحكم الإخوان ،


وهذا المنطلق مرتبط بالدرجة الأولى بالأمن القومى بقدر ارتباطه ايضا بالأمن الإنسانى ،وهو نفس المنطلق الذى انطلقت منه روسيا فى حربها ضد الارهاب ،فروسيا تخشى من توسع الإرهاب فى منطقة تمثل أهمية اسراتيجية لها ، بقدر ما تخشى من الشيشان الذين الذين تم تجنيدهم فى داعش بأعداد كبيره نسبيا ومن إمكانية تغلغلهم الى روسيا، وهذا التشابه فى المنطلقات السياسية لمكافحة الارهاب يزيد التقارب بين الدولتين، ولعل هذا ما يفسر لجوء الدولتين معا الى استضافة المقاومة السورية فى توقيت يكاد يتطابق حتى يكون تقدير الموقف لما يحدث على الأرض السورية دقيقا فيمكن بالتالى تحديد أسس التحرك فى المستقبل بناء على ذلك.


لأن إدراك دور مصر القومى ومن خلال كل ما تقدم ارفض تلك الدعوات التى تنطلق من البعض متهمين الموقف المصرى بالغياب ودعوتهم لمصر للانخراط فى الحرب الروسية ضد الارهاب قبل فوات الأوان ،كما أرفض الدعوات التى تنطلق من آن لآخر وتتنبأ بانفراط عقد العلاقات الجيدة بين مصر والسعودية بدعوى أن حرب مصر ضد الإرهاب تتسبب فى انفراط عقد العلاقات بين الدولتين باعتبار ان مصر تؤيد بقاء الأسد فى السلطة على عكس الموقف السعودى.


وقد أدى الى هذا الفهم الخاطئ للسياسة المصرية احد المثقفين السعوديين الذى تعود الحديث باسم الملك سلمان خادم الحرمين الشريفين ،بالرغم من تنبيه السفير السعودى لاكثر من مرة أن هذا الشخص لا يمثل المملكة إلا أنه مستمر فى ادعاءاته ، فقد صرح مؤخرا ان السعودية لن تقبل بأى موقف مصرى يطيل امد بقاء الأسد فى السلطة ،دون ان يعى أو يدرك طبيعة دور مصر القومى وسعيها الدائم للحفاظ على الأمن القومى العربى الذى لم يعد ممكنا على اى دولة مهما كانت قوتها تحقيقه داخليا ، فوظيفة الدولة أضحت تحقيق الأمن الإنسانى ، اما تحقيق الامن القومى العربى فقد اضحى مسئولية النظام الإقليمى العربى ككل .


فمصر لا تساند الاسد كما لا تساند غيره ، وترى ان تقرير مصير سوريا ينبغى ان يقرره الشعب السورى على أساس حوار وطنى شامل وفقا لصيغة جنيف التى تضمنها بيان جنيف الصادر فى ٣٠ يونيه ٢٠١٢ والتى وافق عليها مجلس الامن الدولى فى سوريا ، ولعل ذلك هو ما دفع المتحدث باسم الكرملين دميترى بيسكوف أن يؤكد ان مصر تشيد بجهود روسيا فى تحقيق الاستقرار ،خاصة وان وزارة الخارجية الروسية كانت قد صرحت عقب محادثة وزير الخارجية المصرى سامح شكرى لقرينه الروسى ان الطرفين أكدا على أهمية تضافر الجهود الواسعة من الاطراف الإقليمية والدولية للتعامل مع داعش والجماعات الارهابية الأخرى فى المنطقة مؤكدة على أهمية التوصل لتسوية سياسية للازمة السورية وفقا لبيان جنيف.


ولكن ليس معنى ذلك ان الموقف المصرى الحالى من الازمة السوريه صلب ولا يحتاج تعديلا ،ذلك ان الموقف المصرى لا يزال للان مستندا إلى وحدة الأراضى السورية،وهذه الوحدة لم تعد مضمونة فى ضوء عاملين الاول هو ان مجمل الدول العربية قبلت ان يقرر الغير مستقبل المنطقة، كما قنعت ايضا ان تكتفى بدور المتفرج والباصم الأخير، طالما ان بلدها ونظام الحكم فى امان ،والسبب الثانى سبق تناوله بالتفصيل ان ايا من المسئولين الروس لم يصرح ولو لمرة واحدة بوحدة الأراضى السورية مما يضع علامات استفهام كثيره حول التمسك المصرى بهذا الهدف الذى فرط فيه رئيس الدولة نفسه بسياساته الرعناء ، فمالم تتاكد مصر من إمكانية تحقيق هذا الهدف فى نهاية المطاف فان استمرار التمسك به سيكون وبالا على مصر نفسها.


وأعتقد ان الفترة القادمة ينبغى ان تشهد تكثيفا للتشاور بين مصر من ناحية وروسيا من ناحية اخرى تتناول دواعى القلق المصرى بالتفصيل وبلورة موقف يعيد الشعب السورى الشقيق الى الحياة الكريمة على أرضه وأهمية عودة اللاجئين والنازحين واعادة اعمار البلاد واعادة تأهيل ابنائها مع اقامة نظام حكم يشمل جميع طوائف الشعب السورى الشقيق .


الخاتمة:


ان الدخول الروسى فى حرب ضد الارهاب بمختلف صوره فى سوريا تم لأسباب جيوسياسية كما اوضحنا تفصيلا، ولكن هذه الحرب تترتب عليها تداعيات خطيرة عالميا واقليميا ، ويمكن ان تكون اساسا لحل جميع مشكلات المنطقة من سوريا شمالا الى اليمن جنوبا ومن البحرين شرقا الى موريتانيا غربا ، خاصة واننى الاحظ فى المؤتمرات الدولية التى احضرها وتتناول التطرف والارهاب رغبة امريكية قوية لمعرفة كيفية انهاء المأزق الحالى الذى قادت فيه امريكا العالم الى الوضع الراهن ، حيث اضحى الارهاب شبكة عالمية بصفة عامة بحكم تجنيد اعضاء من قرابة ٩٠ دولة بحكم التمويل والدعاية والتسليح ، كما اصبح الارهاب فى الشرق الاوسط شبكة تهدد حوض البحر المتوسط باكمله ، ولعل الوقت قد حان لوضع الامور فى نصابها خاصة وان هذا الارهاب لم يعد يميز بين حليف وعدو ولعل تفجير انقرة اليوم السبت ١٠ اكتوبر الجارى خير دليل على ذلك وهو ما يتطلب ضرورة التفكير فى حل كافة مشاكل الارهاب على المستوى المتوسطى وليس فقط المستوى العربى او الشرق اوسطى مع مطالبة امريكا بالكف عن التدخل فى شئون الاقليم فى ضوء ما نشرته اليوم ايضا وكالة اسوشيتد برس من ان المخابرات الأمريكية تدرب مسلحين من الدول العربية على اسقاط النظم السياسية فى بلدانهم وادخالها فى حالة فوضى عارمة وهو سلوك مرفوض من الجميع إضافة الى أنه سلوك مدان من الأمم المتحدة.