المــــرأة والوعى السياسى

13/10/2015 - 12:27:02

  طوابير الناخبات صارلها دور فاعل فى حسم جميع الاستحقاقات طوابير الناخبات صارلها دور فاعل فى حسم جميع الاستحقاقات

د. أمانى فؤاد

لم تشر أية وثائق تاريخية فى القرن التاسع عشر فى مصر من ١٨٠٠ حتى ١٩٠٠ م إلى أى نشاط للمرأة بالشأن العام أو العمل السياسى أو المجتمعى، ولقد كانت أخر إشارة لعمل المرأة بالسياسة فى التاريخ القريب هى الإشارة إلى شخصية «شجرة الدر» وموقفها من قيادة الدولة بعد موت زوجها الملك الصالح، والموقف الذكى الذى اتخذته واتسم بالحيلة والدهاء.


وأول إشارة فى عصر النهضة لنوع من تأثير النساء فى المجتمع ومخالطة الرجال كانت فى عام ١٨٨٠ م من خلال صالون ثقافى أقامته «نازلى فاضل» ابنة أخ الخديو إسماعيل، وقد استضافت فيه الأميرة ألمع أعلام النهضة مثل سعد زغلول، محمد عبده، جمال الدين الأفغانى، قاسم أمين وعدد من رجالات نهضة مصر الحديثة التى تبلورت أفكارهم تجاه المرأة وتحررها من خلال المساهمة والمناقشة فى هذا الصالون، وفعاليات هذا الصالون مع أسباب أخرى كانت منطلقا للدعوة لتعليمها وخروجها من عصر الحريم، كما نوقشت فيه قضايا الشأن العام أيضًا.


ولصراع المرأة من أجل مكانتها والمطالبة بحقوقها تاريخ طويل يمتد منذ أوائل القرن العشرين، تتبدى صوره فى مشاركتها فى مظاهرات ثورة ١٩١٩م بقيادة هدى شعراوى وصفية زغلول، وبالمظاهرات التى أعقبت صدور دستور عام ١٩٢٣ م مباشرة والتى خاضت فيها المرأة معارك شرسة وضارية بقيادة عناصر نسائية مقاتلة لم تعرف اليأس مثل «منيرة ثابت» الحقوقية والصحفية للمطالبة بحق المرأة فى الانتخاب والتمثيل فى دار الإنابة كما كان يطلق عليها وقتها، لأن هذا الدستور أعطى حق الانتخاب للذكر فقط، كما طالبت بحقها فى التمثيل البرلمانى ولم يتحقق هذا الحلم إلا فى عام ١٩٥٧ مع دخول «راوية عطية» و»أمينة شكري» لمجلس الأمة لأول مرة.


كما برز أيضا فى نضال الكاتبة «أمانى فريد» من أجل حق المرأة فى التصويت والترشح للبرلمان فى كتابها «المرأة المصرية والبرلمان» عام ١٩٤٧م، وهو مؤلف شديد الأهمية متزن النبرة، واضح المنطق، تناول تغير المجتمع وتقدمه وتطور ثقافة المرأة فيه وتعلمها وخبراتها التى تراكمت مع التطور التاريخي، مما يتيح لها التمتع بتلك الحقوق لكونها كائنا إنسانيا كامل الأهلية، ولا سيما أن التشريع قد ساوى بين حقوقها وحقوق الرجل.


فى عام ١٩٥٧ أعطى جمال عبد الناصر للمرأة حق التمثيل فى البرلمان وحق التصويت وهو ما واكب ازدياد وعى المرأة وتعدد أجيال من النساء، التى نالت تعليمها الجامعى والفنى فزادت خبرتهن بالحياة وشاركن فى الحياة العامة، واطلعن على الحقوق التى نالتها النساء بالغرب.


وبعد دستور ١٩٧٢م استمرت مسيرة المرأة وكفاحها لزيادة نسب تمثيلها بالبرلمان حتى شغلت بعض المناصب القيادية فى المجلس التشريعى ثم وصلت لأكبر تمثيل لها فى البرلمان عام ٢٠١٠م بمساعدة نظام الكوتة، الذى تم إلغاؤه بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١م.


المرأة واللحظة السياسية الآنية:


بعد ٢٥ يناير و٣٠ يونيه بلغت مشاركة المرأة المصرية أوجها فى الاستفتاءات والانتخابات التى توالت فى الأعوام الأربعة الماضية فكانت كتلتها التصويتية ٢٤ مليون صوت انتخابى بنسبة ٤٩٪ ممن لهم حق التصويت.


ووفقا لقانون تقسيم الدوائر للانتخابات البرلمانية القادمة تم تخصيص ٥٦ مقعدا للمرأة، فضلا عن ٧ مقاعد من أصل ١٤ مقعدا للمعينين إذ ألزم الدستور رئيس الجمهورية بأن يكون نصفها للمرأة وهنا يجب أن نقف لنشير إلى بعض التساؤلات والحقائق..


هل هناك وعى بالعملية السياسية والبرلمانية لدى المرأة المصرية، هل لديها إلمام وإحاطة بمقتضيات العملية الانتخابية وواقعها الفعلى على أرض الواقع، كيف تختار المرشح أو المرشحة التى تمثلها كصوت انتخابى؟ وهل توجد النماذج النسائية المؤهلة لتكون شخصية برلمانية فى المجلس القادم؟ كلها أسئلة ثقافية يجب أن نلتفت لها ونحلل بعض سياقاتها الشخصية والاجتماعية.


وتبقى القضية المحورية فى المستقبل كيف نعمل على زيادة وعى المرأة بمحاور العملية الانتخابية وضرورة تمثيلها اللائق فى المجالس التشريعية، حقوقها التى يجب أن تنالها نتيجة لاستحقاق فعلى وليس بنوع من التمثيل الصورى أو الديكور السياسى؟ وهنا أشير إلى القضية التى أفضل التأكيد عليها مرارا وهى أنه فى ظل السياق الثقافى الذكورى للمجتمع لا أحد يحارب من أجل قضايا المرأة أفضل من المرأة نفسها، لأنه ليس من المنطقى فى ظل التصورات السائدة الراسخة أن يتنازل الرجل التقليدى عن مكتسباته بسهولة من دون معارك مدروسة وعاقلة من جانب المرأة، وإصرار على مساواة كاملة فى الحقوق والواجبات بل مطالبة الدولة بمؤسساتها بتذليل كل الصعاب التى يضعها بعض الرجال للحد من أن تنال المرأة حقوقها كما كفلها لها دستور ٢٠١٤ م، ولا بد من محاولة جذب الأصوات العاقلة التنويرية من الرجال التى تؤمن بحقوق المرأة واستحقاقاتها وتدرك الأثر الإيجابى، الذى يمكن أن تعود به هذه الحقوق فى عملية تحقيق نهضة شاملة للمجتمع.


أولا: علينا استنادا على المنطق ألا نعول كثيرا على البرلمان القادم وألا ننتظر النتائج سريعا لأن القضية برمتها مركبة المحاور تعود إلى التكوين الثقافى المتجذر بالمجتمع بأعرافه وعاداته وتقاليده، ونعلم أن كل خلخلة ثقافية ورغبة فى الإصلاح والتغيير لتطوير الوعى تحتاج للوقت والسعى الدائب لتتقبله العقول وينطبع بالنفوس ليصبح أسلوب حياة وتفكير وسلوك على أرض الواقع. لكن البداية يجب أن تنطلق من اللحظة الراهنة وعلى أصعدة متوازية.


ثانيا: لتكوين هذا الوعى السياسى عند المرأة يجب الاشتغال على خطط بعيدة المدى وخطط قصيرة المدى تلك التى يمكن اتخاذها إجراءات عاجلة من أجل اللحاق بهذا البرلمان القادم، كما يجب أن تسير هذه المحاور فى طريقها معا بالتوازى دون تفضيل محور على آخر أو تقديمه على ما عداه.


تتمثل الخطط سريعة التأثير التى يجب أن تتم قبل العملية الانتخابية فى:


دور الإعلام من خلال برامج التليفزيون التى ينبغى أن تخصص وتوجه للمرأة ذات الثقافة المتوسطة والبسيطة لأنها تمثل الأغلبية فى الكتلة التصويتية، والتوعية من خلال المشاهدة من أخطر المحاور التى يجب التنويه لها، وذلك لطبيعة مجتمعنا غير القارئ الذى تتعدى فيه نسبة الأمية بين النساء أكثر من ٤٠٪، مما يعنى أنها تعتمد فى ثقافتها على الصورة والرؤية البصرية، لذا يجب أن تقدم هذه البرامج التى تتناول كيفية اختيار المرشح أو المرشحة بصورة بسيطة ودون تقعرات فكرية من القائمين عليها، وحبذا لو كانت تتضمن مشاهد درامية مترابطة تجسد على سبيل المثال المخاطر التى تقع على الجميع من جراء الاختيار وفقا لشراء الأصوات أو العصبيات القبلية والاعتبارات العائلية، لتبين لهن أن هذه الممارسات لن تأت بالضرورة بالمرشح الأفضل لتمثيل الجماهير بالبرلمان، وأن اختيار المرشح يجب أن لايكون مبنيًا على منفعة مباشرة أو خدمة عينية يقدمها المرشح لأهالى دائرته، ويجب أن تكون العلاقة بين المرشح ومن يمثلهم من جماهير علاقة فكرية ووطنية تسعى لتضمن لهم حياة أكثر حرية يحصلون فيها على حقوق أفضل فى كافة خدمات الدولة وبهذا يصبح المرشح هو الصوت الذى يمثلهم وينقل همومهم الجماعية ولا بد أن يكون له رؤية واضحة وفق برنامج سياسى محدد لإيجاد حلول مناسبة لمشاكل أفراد دائرته.


وفى هذا السياق فى الخطة الطويلة المدى حبذا لو أعدت بعض المسلسلات الدرامية، التى تتعرض لهذه القضايا دون أن تكون بأسلوب مباشر لتشرح ضرورة وجود تمثيل لائق بالمرأة فى نسبة مقاعد البرلمان. والدور العميق والهام لنائب البرلمان، فالأساليب غير المباشرة أكثر فعالية وتأثيرا فى المشاهدين، كما أن عرضها فى غير لحظة توهج الحدث يبعد عنها شبهة الفن الموجه الذى غالبا ما يتلقى الانتقادات والنفور منه.


ويمكن إعداد بعض المسلسلات التى تتناول نماذج نسائية من التاريخ المصرى كافحت وخاضت معارك عدة مطالبة بحقوق المرأة وأحقيتها فى كثير من المجالات.


كما أن الأفلام الوثائقية القصيرة المعدة بعناية فنية وفكرية من شأنها الإسهام فى هذا المجال وإعطاء فكرة عن الأنموذج، الذى يمثل قدوة يمكن أن يحتذى بها، ويدفع تاريخها وجهدها المشرف المرأة لتكافح من أجل تمثيل مشرف لها يليق بمكانتها وعددها وقضاياها بهذا المجتمع.. هنا ينبغى الإشارة إلى دور الدولة ووزارة الثقافة المصرية فى الدعم المالى والفنى فى إنتاج تلك الأعمال، التى يتغيا منها مردود ثقافي يسهم فى خلخلة ثقافة رجعية سائدة تمثل ردة ونكسة فى دور المرأة نادت به وشجعته تيارات فكرية ظلامية سادت فى العقود الماضية.


ــ دور المجلس القومى للمرأة وما يقوم به بالفعل من حملات وندوات وورش عمل مثل حملة طرق الأبواب وتوعية الرائدات الريفيات وتواصلهم المباشر مع المرأة فى القرى والنجوع والمدن فى الريف والصعيد، هذا فضلا عن الورش التدريبية لإعداد المرشحات وكيفية توعيتهم بمشاكل العملية الانتخابية، وأتصور لو كان هناك تنسيق بين المجلس القومى للمرأة والكاتبات المبدعات النساء لعقد ندوات فى المحافظات المصرية والاستعانة بهم فى مخاطبة الفئات العريضة لتوعيتهن بأهمية مشاركة المرأة فى الحراك السياسى ومناقشة كثير من الأفكار المغلوطة بالمجتمع لزادت الفائدة المرجوة فى نسب مشاركة المرأة وتوعيتها بحقوقها.


ــ لجمعيات المجتمع المدنى وتنظيماته دور أساسى من خلال الندوات والمحاضرات وحلقات النقاش المفتوح لتوعية كثير من النساء البسيطات بأهمية مشاركتهم أو مشاركة المرأة فى البرلمان وأهمية صوتهن فى اختيار النائبة أو النائب الذى يمثل الجماهير فى البرلمان.


لهذه الجمعيات أن تجتهد لاستحداث الوسائل الجاذبة، التى تجعل رسالتها تصل لأكبر عدد من النساء التى تنشد مخاطابتهم والوصول إليهم من خلال بعض العروض المسرحية، ويتم فيها إبراز نماذج مشرفة من النساء ودعوتهم لحوار مفتوح لعرض تاريخ المرأة فى العمل العام.


من أهم الأهداف التى يجب أن تشتغل عليها هذه الجمعيات هو كيفية إعداد نماذج من المرشحات على مستوى عالٍ من الوعى قادرات على تمثيل المرأة والدفاع عن قضاياها فى المجتمع المصري، واختيار نماذج ذات كفاءات علمية ومهنية وإدارية ممتازة ثم توعيتهم بمواصفات مرشحة البرلمان وسماتها من حيث القدرة على القيادة والإلمام بقضايا الناس ومشاكلهم فى الدوائر الممثلة عنها والإلمام بقضايا الوطن ذاته وتكوين رؤية فكرية ثقافية لمعرفة مواجهة هذه المشكلات.. هذا عدا القدرة على الالتحام بالجماهير ومعرفة كيفية التواصل مع أكبر عدد منهم، وتوعيتها بخصوصية العملية الانتخابية فى مجتمعاتنا من حيث الاعتبارات التى تعود للموروث الثقافى الذى لا يحبذ وجود المرأة فى هذه الأدوار العامة والمؤثرة فى المجتمع، وتوعيتهم بطبيعة العصبيات القبلية وتوازنات العائلات فى تواجد عناصر منها فى البرلمان وتفضيلهم للرجال، وكيفية مواجهة سيطرة المال والقبليات والأعراف والعادات المجتمعية والتفسيرات الخاطئة للنصوص الدينية، التى تقولب المرأة فى أدوار محددة تتلخص فى دورها الأسرى بصفتها زوجة وأمًا فى التكوين المجتمعي، وكيف تواجه المرشحة هذه القضايا وإعدادها النفسى والثقافى لترد على كثير من الأسئلة والمواقف، التى ستتعرض لها فى منافسات شرسة تخوضها أحزاب تدعى مدنيتها وهى تستند على أصولية دينية رجعية ومتخلفة تنتقص من حق المرأة وتضعها فى مرتبة أدنى من الرجل مهما أدعت عكس هذا.


وتتمثل الخطورة الأكبر فى أن هذا التشوه القائم فى طبيعة النظرة إلى المرأة قد طال المرأة ذاتها فى قطاعات وفئات عريضة من النساء بعملية يمكن وصفها بغسل الأدمغة، أصبحت فيها المرأة ذاتها تحمل الإحساس بالدونية، حتى بعض المثقفات منهن انحدرت عقولهن فى رده رجعية، وتأثرن بهذا التقليص لدورهن فى الحياة، وأدى هذا بـدوره إلى ظهـور أجيـال مشوهـة علـى المستوييـن الفكـرى والنفسـى، مـن الرجـال ومـن النساء.


لعلنا يجب أن نواجه ذواتنا وواقعنا بعدد من التساؤلات التى لم يعد هناك مجال لتجاهلها وربما من أشدها خطورة السؤال: هل يعد مستوى الوعى لدى المرأة المصرية بكل طبقاتها ومستويات تعليمها لائقا بالمرأة فى الألفية الثالثة قياسا بالوعى فى المجتمعات المتقدمة؟


هل تعى المرأة كيانها الإنسانى حقوقه وواجباته وكيفية التعامل معه بلا ثنائية الروح والجسد، التى أصبحت من متحفيات التاريخ البشرى لكنها مازالت تحكم ثقافة المجتمع الذكورى، الذى يفرض قوانينه الخاصة على المرأة، هل تعى أنها إنسان كامل الأهلية؟ هذه القضايا وأخرى لها صلة بها سأحاول مقاربتها- لما لها من أهمية- فى المقالات القادمة.