فكرة يوسف إدريس تفوز بجائزة نوبل

13/10/2015 - 11:51:12

د. محمد فتحى

ليوسف إدريس قصة قصيرة عنوانها «الناس» نشرها في مجموعة «أليس كذلك» (يوليو ١٩٥٧) وهي حول شجرة طرفة سرها باتع، تعود مرضى العيون منذ قديم الأزل التجمع عندها كل فجر ليجمعوا من ندى أوراقها قطرة لأعينهم.. ويثور الطلبة الجامعيون على هذه الخرافة ويحاولون إقناع الأهالي باستخدام القطرة الطبية، لكن يكون رد فعل الناس زيادة الإقبال على ندى أوراق الشجرة. وتحدث المفارقة عندما يثبت بعض الشباب احتواء ورق الشجرة على مادة فعالة تشفي أمراض العيون، فتفقد الشجرة جاذبيتها وبركتها مقارنة بالقطرة، التي يتزايد إقبال فلاحي القرية والناحية عليها.


ومن واقعة مشابهة فازت قبل أيام باحثة صينية بجائزة نوبل في الطب ووظائف الأعضاء. ففي قلب الثورة الثقافية الصينية في القرن الماضي، أمر الزعيم ماو تسي تونج بالبحث عن علاج لمرض الملاريا. الذي كان السبب وراء أكبر عدد من الوفيات في صفوف الجنود الصينيين، بعد أن انتقل إليهم من خلال لسعات البعوض.


وأطلق مشروع إيجاد علاجٍ للملاريا العام ١٩٦٧ وكانت العالمة تو يويو- حاليا ٨٤ سنة- باحثة أساسية من فريق الباحثين، لكنها اتبعت طريقة غير تقليدية بحثاً عن العلاج. إذ قامت بدراسة النصوص التاريخية الصينية، وبحثت في طرق علاج الطب الصيني التقليدي، وسافرت إلى أقاصي الصين بحثاً عن أدلة مرتبطة بعلاج الملاريا، ونجحت في استخلاص ٣٨٠ مادة متباينة من ٢٠٠ نوع من النباتات. وجمعت ألفي تركيبة ممكنة للعلاج.


ومن بين المركبات العلاجية التي وجدتها مادة مشتقة من إفرازات نبات الأفسنتين، كانت تُستخدم لعلاج الملاريا قبل ١٦٠٠ عام في الصين. ونتج عن اكتشافها هذا، ابتكار مادة الأرتيميسينين الدوائية، الواقية من المرض، الذي يحصد، وفق منظمة الصحة العالمية، أرواح ٤٥٠ ألف شخص سنوياً، فيما يواجه خطر الإصابة بنفس المرض المميت مليارات آخرى.


أسطورة علاجية


ولا تنحصر أهمية هذا الاكتشاف في أنه العلاج الأفضل للملاريا حاليا فحسب، إذ إن علاجات الملاريا التقليدية تفقد فعاليتها مع اكتساب طفيل الملاريا مناعة ضدها مع الوقت، والمهم قيمة التوقيت الذي اُكتشف فيه العلاج. فبحسب ما قال عالم الأعصاب «راو يي»، حدث اكتشاف هذا المركب خلال فترة أغلقت فيها جميع الجامعات، نتيجة لعمليات الشغب التي كان الحرس الأحمر يقوم بها. بالإضافة إلى أنه تمت ملاحقة وإعدام الكثير من العلماء الذين خضعوا لتدريب غربي. وبالنتيجة، فإن أول بحث أكاديمي عن الأرتيميسينين لم ينشر حتى العام ١٩٧٧.


ولولا إصرار تو على إيجاد العلاج، لكان على الأغلب لا يزال أمراً مجهولاً. لقد ثابرت ولم تفقد الأمل عندما أظهر البحث نتائج مختلطة حول فعالية العلاج، وأصرت على مواصلة الدرس، حتى اكتشفت أن الحرارة المرتفعة هي السبب وراء فقدان فعالية العنصر المعالج في الأرتيميسينين. كما أنها بادرت لأن تكون أول إنسان يتم اختبار الدواء عليه.


وبحسب منظمة الصحة العالمية، تلقى أكثر من مليار مريض بالملاريا علاج يستند إلى مركب الأرتيميسينين منذ العام ٢٠٠٠، مما ساعد في السيطرة على انتشار المرض في الدول التي تعاني منه.


وكانت «تو» الصينية الوطنية الأولى التي فازت بجائزة «لاسكر»، وهي جائزة طبية مرموقة في الولايات المتحدة، في عام ٢٠١١. اعترافا باكتشافها مادة الأرتيميسينين.


وقبل تو لم يحصل باحث علمي صيني على جائزة نوبل في العلوم الطبيعية (انحصرت جوائز الصينيين تقريبا في السلام والأدب للمنشقين)، على الرغم من فوز كثير من العلماء الصينيين المهاجرين بجوائز نوبل مختلفة في العلوم الطبيعية في نفس الآونة.


وبالنظر إلى ارتباط أبحاث تو بمشروع وطني، فإن جائزة نوبل تشكل دعما قويا لحكومة الرئيس «شي جين بينغ»، الذي تعهد باستعادة الكرامة الوطنية- في رؤية تلخصت في شعار «الحلم الصيني». حيث ستزيد الحكومة على الأرجح الاستثمار في البحوث التنموية، معززة بشكل متزايد رؤيتها للصين كقوة اقتصادية حقيقية. وقد غطت وسائل الإعلام الصينية أخبار جائزة نوبل، ربما للمرة الأولى، على أوسع نطاق، في محاولة لإظهار براعة الصين العلمية للعالم أجمع.


وبحسب تو، فإن علاج الأرتيميسينين هو أحدث «هدايا الطب الصيني التقليدي للعالم».


الأمراض الطفيلية


وقد تقاسم جائزة نوبل للطب ووظائف الأعضاء مع تو عالمان أولهما الياباني ساتوشي أومورا والثاني الأيرلندي ويليام سي كامبل، اللذين طورا عقارا جديدا لمكافحة العدوى التي تسببها طفيليات دودة الراكون الدائرية.


وذكرت لجنة نوبل أن «الأمراض الطفيلية تؤثر على أفقر الشعوب وتشكل عقبة في سبيل تطوير صحة البشر»، مضيفة أن «الفائزين بجائزة العام الحالي نجحوا في تطوير علاجات لبعض من أقوى الأمراض الناجمة عن الطفيليات.


وأومورا هو الياباني الثالث والعشرين الذي يفوز بجائزة نوبل، بما في ذلك الأمريكيين من أصل ياباني. وهو الياباني الثالث الحاصل على نوبل في وظائف الأعضاء والطب، بعد سوسومو تونيغاوا، مدير معهد ريكن لعلوم الدماغ، والباحث في شئون الخلايا الجذعية شينيا ياماناكا من جامعة كيوتو. وقال أومورا للصحفيين في جامعة كيتاساتو إنه كان يقوم بعمله بمساعدة الكائنات الحية الدقيقة، على أمل أن تقدم مساهمة مفيدة. وخلال سبعينيات القرن الماضي درس أومورا المواد التي تنتجها البكتيريا التي تعيش في التربة، واختار ٥٠ أو نحو ذلك من المواد الواعدة بأن تكون ذات خصائص مضادة للطفيليات، من الآلاف من الكائنات الحية الدقيقة. ثم غربلها كامبل أبعد من ذلك، بهدف العثور على واحدة تعالج كليا، تقريبا، الالتهابات الطفيلية في الحيوانات، بجرعة واحدة فقط.


وقام «ميرك» عملاق الدواء في الولايات المتحدة بتسويق اكتشاف كامبل تجاريا للاستخدام البيطري، خلال وقت مبكر من الثمانينيات تحت اسم إيفرميكتين، الذي ظهر في وقت لاحق أنه فعال فيما يخص البشر أيضا. وكشف عن نتائج جيدة خاصة في علاج العمى النهري، ومنع المرض من التقدم وحد من انتشاره. وقدمت شركة «ميرك» الدواء مجانا لمنظمة الصحة العالمية، التي بدأت توزيعه في أواخر الثمانينيات. وقد تناول ما يقرب من مليار شخص الدواء، حيث أنقذ الكثيرين من العمى. وقالت المنظمة إن الأحوال تبشر بإمكانية القضاء على العمى النهري مع عشرينيات القرن الحالي.


ويستخدم إيفرميكتين أيضا لعلاج أمراض طفيلية مختلفة، وبالذات الأمراض المنقولة عن طريق القراد. وتؤثر الطفيليات الدودية على ثلث سكان العالم وتسبب عددا من الأمراض من بينها عمى النهر وداء الخيطيات اللمفاوية.


طول العمر وعلاج السرطان


هذا وقد أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم الأربعاء الماضي عن فوز ثلاثة دارسين بجائزة نوبل للكيمياء لأبحاث أجروها حول إصلاح الحمض النووي البشري. والثلاثة هم السويدي توماس ليندال، والأمريكي بول مودريك، والأمريكي من أصل تركي عزيز سنقر، وتركزت الأبحاث التي قاموا بإجرائها على الطريقة التي تلتزمها الخلايا في إصلاح أخطاء الحمض النووي، والحفاظ على المعلومات الجينية.


والمعروف أن الحمض النووي في الخلايا معرض للتلف، بفعل ظواهر عديدة منها التعرض للإشعاعات، كذلك قد يحدث التلف عند انقسام الخلايا، وهي عملية تحدث ملايين المرات في أجسامنا كل يوم. وتتسبب في التلف أيضا الجزيئات المعروفة باسم الشوارد الحرة، ودخان السجائر الذي يحتوي على مواد كيميائية تفاعلية صغيرة، ترتبط بالحمض النووي وتمنع تكرار الانقسام بشكل صحيح، وعديد من العوامل الأخرى.


وقد ألقت اكتشافات الدارسين الثلاثة الضوء على الآلية التي تستخدمها الخلايا لإصلاح الحمض النووي التالف، وهي عملية أساسية من عمليات الخلايا الحية. وذلك مما يساعد على مزيد من التبصر بطبيعة هذه العمليات الأساسية، ولفهمنا طبيعة الاضطرابات الجينية الموروثة والأمراض مثل السرطان.


فعندما يحدث ضرر في الحمض النووي يؤدي إلى طفرات يمكن أن تتسبب في الأمراض، كما يساهم في قصف العمر مع انتشار حدوثه و.... لكن أنظمة جزيئية تقوم بإصلاح التلف بشكل مستمر، وحماية المعلومات الوراثية وإزالة الشوائب.


والفائزون الثلاثة الجدد عينوا بالتفصيل كيف تعمل بعض هذه الآليات خلال سبعينيات القرن الماضي، وكان العلماء يعتقدون باستقرار الحمض النووي، ولكن البروفيسور ليندال أثبت أنه يضمحل بمعدل سريع مثير للدهشة.


وذهبت جائزة نوبل للفيزياء للياباني تاكاكي كاجيتا والكندي آرثر ماكدونالد لاكتشافاتهما المتعلقة بكتلة النيوترينو.


وقد توصلت أبحاث العالمين إلى اكتشاف ظاهرة جديدة تتعلق بذبذبات جسيمات النيوترينو اعتبرت فتحا جديدا في علوم فيزياء الجسيمات.


وقال القيمون في نوبل إن اكتشاف العالمين «غير من فهمنا لكيفية عمل الجسيمات الداخلية للمادة، على نحو ثبت أنه أمر جوهري بالنسبة لنظرتنا للكون».


ويعمل كاجيتا مديرا لمعهد بحوث الأشعة الكونية وهو استاذ بجامعة طوكيو أما مكدونالد فهو استاذ متفرغ بجامعة كوينز في كندا.


انتحار نوبل


وقد رأى البعض أن جائزة نوبل تنتحر- وهذه دعوى قديمة فجرها يوما يوسف إدريس مع فوز نجيب محفوظ بالجائزة- وذلك نتيجة فوز سفيتلانا الكسييفتش من روسيا البيضاء، الصحفية الصديقة للغرب، والمعارضة للنظام السوفيتى سابقا وللنظام الموالى لروسيا حاليا، حيث تكتمل بهذا المنح دائرة تسييس نوبل وحيودها عن «الواقع الموضوعي» و....


وهناك مغالطة منطقية يقدم عليها هؤلاء فعن أي «واقع موضوعي» يتحدثون؟ أن هناك «واقع موضوعي» يخصنا معهم، وهو قائم على اعتقاداتنا واختياراتنا و...، وهناك «واقع موضوعي» يخص من يمنحون الجائزة قائم على اعتقاداتهم واختياراتهم و...، ولا جدال في أنهم يمنحون الجوائز للأقرب إلى اعتقاداتهم واختيارتهم و...، لأن هذا ما يتماشى مع «الواقع الموضوعي» الخاص بهم، ولا تثريب عليهم في ذلك، مع غياب «واقع موضوعي» مطلق في الحقيقة. وأقصى ما يمكن أن يطمح إليه الواحد منا أن يلتفت القائمون على الجائزة إلى من ينتمون إلى «واقعهم هم الموضوعي» ويحملون في نفس الوقت وجهات نظر نقدية مفيدة للجميع، مثلما فعلوا قبل سنوات (٢٠٠٨) مع المفكر الاقتصادي الرأسمالي «التقدمي» بول كروجمان، وهو يؤكد أننا نواجه في إطار العولمة السارية تناقضات «رأسمالية القرن الواحد والعشرين»، المرتبطة بالتقدم التقني الهائل، هذه التناقضات التي يشكل اختلال التوازنات بين «المادي الإنتاجي» من ناحية، و»الاجتماعي التوزيعي» من ناحية أخرى تناقضها الرئيسي، الذي سيحكم مسيرة التطور الرأسمالي الحديث، في ظل الاعتماد المطلق على آليات السوق وتآكل دولة الرفاه. ويتصل بذلك تناقض آخر يتمثل في الانفصامية المتزايدة بين «الاقتصاد العيني» و»الاقتصاد المالي» في بنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي، بما يفرزه ذلك من أزمات وفقاعات قاتلة متكررة. إذ إن التوازن بين «الإنتاجي» و»التوزيعي» من ناحية، و»العيني» و»المالي» من ناحية أخرى. يشكل الركيزة الأساسية للنمو والاستقرار، وحتى لا تكون عملية التنمية «عرجاء».


وتبقى المفارقة الأزلية لجائزة نوبل، التي عبر عنها برناردشو تعبيرا ساخرا، إذ قال يوما: «إن جائزة نوبل كطوق النجاة يلقى للمهدد بالغرق بعد أن يصل إلى الشاطئ فعلا»، فمعظم الفائزين قد اقتربوا من خط الثمانين من عمرهم أو تجاوزوه، وقد بلغت المفارقة قبل سنوات أن فاز بها رالف شتاينمان الكندي الأصل وأستاذ المناعة بجامعة روكفلر بالولايات المتحدة، تقديرا على أبحاثه حول نظام المناعة الطبيعية والمكتسبة، وأعلن الفوز بعد ثلاثة أيام من وفاته، ولفتت اللجنة النظر بعد ذلك إلى عدم علمها بوفاته، التي كانت ستحرمه من الاختيار للحصول على أرفع تقدير علمي، إذ لا تمنح جائزة نوبل في العادة بعد الوفاة.


ولاجدال أنه يحمد لجوائز نوبل هذا العام أنها اهتمت بمشاكل الفقراء والمتخلفين- كما اتضح في تفصيلنا بصدد «جائزة الطب ووظائف الأعضاء»- والطفرة العلاجية الكبيرة التي قدمت لهم، وللأسف فنوبل تفعل ذلك على نحو لا يفعله طلائع الفقراء أنفسهم، رغم أن أساسيات الإنجازات بين أيديهم (قصة إدريس الافتتاحية) وجوائزهم المسرفة لا تحصى.