متى تجسد السينما بطولاتهن فى حرب أكتوبر ؟ .. الأمهات شريكات النصر

08/10/2015 - 10:05:25

الحلفاوى والعلايلى فى الطريق إلى إيلات الحلفاوى والعلايلى فى الطريق إلى إيلات

كتب - طاهر البهي

بح صوتنا ونحن نناشد السينمائيين وكل مسئول له تعاون مع الإنتاج السينمائي وفي المقدمة وزارة الثقافة، وبالطبع وزارة الدفاع بما لها من إمكانات ضخمة وقصص إنسانية موثقة وبطولات الأسر المصرية وفي مقدمتهم الأمهات ـ شريكات النصر ـ أن يتقدموا لإنتاج عشرة أفلام على الأقل عن الجانب الإنساني للملحمة.. ولا يزال لدينا أمل.


ونستطيع مطمئنين أن نقول بما لا يدع مجالا للشك إن السينما المصرية مقصرة تماما في التعبير عن حدث عظيم مثل "أكتوبر" بأعمال فنية درامية ترقى لمستوى هذا الإنجاز لأبطال مصر العظماء، فلم تنجح السينما في تجسيد العبقرية العسكرية الوطنية في التخطيط والتنفيذ والتمويه أو حتى البطولات الفردية التي حققها جنودنا في حلقة من أهم حلقات الصراع العربي الإسرائيلي بداية من 1948 وحتى 1973 وما بينهما من حروب وإصرار على استعادة الكرامة العربية، فكل جندي ـ بطل ـ مصري يصلح أن يكون في حد ذاته موضوعا لعمل فني رائع مكتمل الدراما والإبهار.


النوايا الطيبة


وإذا نظرنا إلى تلك الحفنة المتواضعة من الأعمال السينمائية والمسرحية والإذاعية فعلينا أن ننحني احتراما للجهد المبذول ـ أيا كان أثره ـ والنوايا الطيبة التي قدمت من منظورها، فإنها لم تقترب من الجانب الإنساني الذي يقوم عليه الإنتاج السينمائي الضخم ـ كما الحال في السينما الحربية العالمية المماثلة ـ فلم تناقش هذه الأعمال السؤال البديهي: لماذا كان وجوبيا على الجندي المصري أن يحارب؟ إضافة إلى أننا في حواء نطرح سؤالا يهمنا، ليس تعصبا لجنس دون الآخر ولكن إقرارا لواقع نحياه، نسأل ألم ينتبه السينمائيون لتضحيات الأم المصرية التي قدمت أغلى ما عندها ـ الابن ـ وهو ما ينطبق على الأب أيضا، ولكن تتميز الأم أنها في كثير من الحالات كان الابن والأب في ساحة القتال منذ اندلاع الصراع، هذه القصص الإنسانية هي أبرز ما تفوقت فيه السينما العالمية في الأفلام السينمائية الكبيرة إنتاجيا والتي تناولت حروب شعوبها ـ مثل حرب كوريا وفيتنام ـ ولا يمكننا أن نعلق الاتهام على شماعة الأسرار والوثائق التي تقتضي ضرورات الأمن القومي أن تحجب لفترة من الزمن طالت أم قصرت، كما أن من مبررات مراوغة السينمائيين وجهات الإنتاج من الاتهام بالتقصير أن المادة الفيلمية الواقعية تعاني من نقص شديد فلم تصاحب كاميرا السينما جنودنا في الأيام الأولى للملحمة نظرا للسرية الشديدة التي صاحبت العمليات، وكان مخرج السينما المصري العالمي يوسف شاهين يباهي بأنه الوحيد بين السينمائيين الذي يمتلك بضع دقائق ـ ست دقائق على وجه التحديد ـ ولكن بالطبع ليس من بينها ملحمة العبور الخالدة، ولكن هذا مردود عليه بأن الجانب الإنساني لمئات الألوف من النساء اللائى اكتوت قلوبهن هلعا على أبنائهن، وفي الوقت نفسه هن أصحاب أكبر وأهم شحنة نفسية وعاطفية لحث الأبناء على الجهاد واستعادة كرامة شعب ظلم واحتلت أرضه، حتى أن النساء إلى جانب دعواتهن المفتوحة لها أبواب السماء كن في مقدمة الملتفين حول الإذاعة المصرية يتابعن بشغف ورجاء وكبرياء البيانات العسكرية الصادقة المتتالية، هؤلاء هن المادة الخام للدراما ففي كل بيت قصة تصلح أن تكون عملا سينمائيا.


ولكن للأسف نجد أن غالبية ما تم تقديمه في السنوات القليلة التالية للمعركة أعمال "مسلوقة" وغير موضوعية غلبت عليها النظرة الدعائية أو الحماسية التي لا تعبر عن واقع ولا تجسد حقيقة!


أفلام لا نذكرها


إننا بصدد الحديث عن فن زال تماما عن الوجدان ولم يبق منه شيء في الوجدان الجمعي للمصريين، هي ليست أكثر من نشيد ركيك يتكرر في المناسبات نلوكه دون أن نتذوقه، نشاهده دون أن نتأثر به، نشيد مفروض علينا ليست له أصداء ولا جرس موسيقي تطرب له الأعماق، لا يجسد التاريخ البطولي للجندي المصري والقائد المصري بعد ست سنوات تجرعنا فيها مذاق الهزيمة المرة رغم أنها فترة لم تخلو من بطولات ورغم صفعات حرب الاستنزاف التي كانت تهوي على وجه العدو، ولكن فجأة كشر الشعب المصري عن أنيابه وتوحد مع قيادته.. فحققوا المستحيل وقهروا الأساطير التي كانت تتحدث عن خطوط النابلم التي ستتحول إلى جحيم، وخط بارليف الرهيب، ووهم أسطورة الطيران الإسرائيلي، والصلف الصهيوني، وبقية الخرافات التي كان يروجها لنا العدو ضمن ما يعرف بالحرب النفسية، في ذلك الوقت كانت الأم المصرية تربي صغيرها على البطولة والثأر لوطنه وبني شعبه، هذه موضوعات كانت تنتظر السينما بل وتناديها، ولكن السينما هي التي خلفت موعدها فملحمة أكتوبر يا سادة تستحق مائة فيلم على الأقل، فكل جندي مصري كانت له أسرة تحارب معه، تتوحد معه، والأسرة هي صانعة الجندي، وملهمة البطل، وشريكة الانتصار.


بعد الثورة


الآن بعد أن تغيرت مصر كلها وبقيت الملحمة شامخة إلى أبد الدهر، وبعد ثورتين عظيمتين نقول آن الأوان لأن نتحرك خطوة في الاتجاه الصحيح وأن تصادف ملحمة أكتوبر نصيبها من العمل الدرامي، وأن نتوقف عن عادة الكلام في المناسبات ثم نصمت، نريد أفعالا لا أقوالا، فوزارة الثقافة معنية بالقضية كما أن الكلمة العليا في تقديم العون هي وزارة الدفاع بما تملكه من شهادات ووثائق وقصص إنسانية نادرة، فضلا عن المعدات والجنود الأبطال أحفاد الأبطال، وكلنا نعرف أن هناك مشروعا ضخما لتوثيق شهادات الأبطال إضافة إلى مدينة الإنتاج الإعلامي بإمكاناتها الضخمة، فقد يكون ذلك نواة لعمل مشترك تتكاتف فيه كل مؤسسات الدولة لإنتاج عشرة أفلام بناء على خطة محددة بعد أن مرت أكثر من أربعة عقود ونحن نتكلم! بشرط أن تكون أفلاما لها قيمة، غير فقيرة إنتاجيا، نكفر بها عن خطايا السينمائيين عن طريق أعمال تحاكي إبداع الجندي المصري البطل قبل وأثناء المعركة، وإن كانت الفترة السابقة للمعركة تناولها فيلم جاد لمحمد راضي هو "أبناء الصمت".


فقر الإنتاج


وإلى من يتكلمون عن تكاليف الإنتاج المرتفعة نذكرهم بتحفة السينما المصرية الفيلم الراقي الرائع الذي قدم ضمن "تيماته" أروع نموذج للوحدة الوطنية "الناصر صلاح الدين" التي استدانت منتجته الجادة الكبيرة "آسيا" من أجل الظهور المشرف للفيلم بسخاء الإنتاج، وأيضا لهؤلاء نقول إن الكثير من مسلسلات هذه الأيام لا يشاهدها أحد وتتكلف عشرات الملايين.. والمثير أنها تربح!


ولا نشك لحظة في أن كل نجوم مصر ونجماتها سيتنازلون عن نصف أجرهم من أجل أعمال يتدثرون بها بقلوب المصريين.