سوزان عليوان و الحب جالس فى مقهى الماضى

03/08/2014 - 9:01:17

محمد الحمامصي محمد الحمامصي

بقلم : محمد الحمامصي

"ماذا لو أن هذه النجمة


عود ثقاب يتيم في يدي؟


لو أن ما قطعناه من الدرب


هو الدرب كلها؟


لو أن وجه من أحب


لا يعرف ويبتسم


ماذا لو كانت هذه اللحظة


حافتك أيها العالم؟"


تكتب سوزان عليوان، تكتب بروحها وقلبها وجسدها، تكتب كل ما يلامسها في هذا العالم من ألم وفرح، تكتب ما تسعى للاشتباك معك أو يسعى للاشتباك معها، تكتب يإخلاص عارف أو نبي لرسالته، منذ أصدرت ديوانها الأول أوائل التسعينات من القرن الماضي، لم تفرط أو تتخلى أو تقصر في عطائها للشعر، مع كل ديوان قدمته كانت تقدمه كأنه ديوانها الأول، إخلاص خالص الحب بينها وبين الشعر، قصائدها ليست مجرد لغة أو مجاز أو تمرد أو تجاوز أو واقع معاش أو تشظي العالم أو أي من المصطلحات والمفاهيم التي يرددها النقاد، إنها الحياة بلحمها وشحمها ودمها وحسها ومشاعرها وجوارحها وحواسها وكوارثها ومصائبها وأفراحها وأحلامها كما تعيشها وتراها وتحسها سوزان، لذا كانت تجربة سوزان الشعرية في مختلف مفردات كتابتها ومراحل تطورها هي تجربتها، اللغة لغتها والنسيج نسيجها والرؤية رؤيتها والحرب حربها والحب حبها، باختصار تغزل سوزان بالشعر ـ الذي صار وجهها الآخر ـ حياتها الخاصة، بيتها الخاص أبوابه ونوافذه وغرفه وأثاثه وإضاءاته وعطره كتبه وضيوفه.


بيت سوزان وحياتها مفتوحان على العالم بنفس القدر من الحب الذي يجمعها بالشعر، لذا كم من دموع تشكلت وتساقطت من قصائدها ودواوينها على ما يجري هنا أو هناك من جرائم ضد الإنسانية.


أقول هذا بينما أقرأ الديوان الجديد لسوزان "الحب جالس في مقهى الماضي" والذي ربما يكون الديوان الرابع عشر في سياق تجربتها التي بدأت أوائل التسعينيات في القاهرة وتجولت حول العالم، أقرأه فرحا بأنها لا تزال قابضة على جمر التوهج والتألق، لا تزال تمتلئ حيوية وحركة، وأنها أبعد ما تكون عن الاقتراب من مناطق الروتين أو التكرار أو المجانية أو الافتعال، لا تزال قادرة على خلق نص حي يخاطب القلب والعقل والروح، نص يفرح ويؤلم، ويدعو للتفاعل والاشتباك، تقول في نص"رسالة عيد الميلاد": "على عكاز/ بخطوتين دون الأربعين/ على درب معبّدة بضلوعي/ لأشياء لا تعرفني/ لعلني أعرف كيف ينهض طائر/ من رمادك".


أحب جملة سوزان كلما كانت بسيطة وعميقة ومنفتحة الدلالات، أحب صورها البسيطة القادمة من ألم التجربة وعنفوان تمردها، المشكلة من مفردات الواقع، حتى إن غمضت أحيانا، تقول في قصيدة "يقظة السادسة صباحا": "المرأة التي لأجلها تساقط مطر/ ذات العينين العميقتين كموت وميلاد/ التي كمعجزة/ مرتين في المصير/ المترددة الواثقة/ الأشد طمأنينة من بحر/ تنحني لترفع الليل/ عن كنز عاتب تحت قدميها".


لقد استمتعت بقراءة هذا الديوان"الحب جالس في مقهى الماضي" بقصائده العشرة التي تضمن كل منها عشرات النصوص، ويشكل إضافة حقيقية لتجربة الشاعرة، ويؤكد أنها ليست كغيرها من الشعراء والشاعرات اللاتي سرعان ما تحولت تجاربهن إلى قصائد مكرورة.


تقول في قصيدة "الزهرات العواتم":


خشية أن تتساقط دموعي


كأطفال أمامك


قلت: أنا النهر


***


لك لين صلصال ملوّن


بين أصابع الصغار


***


أية يد تأخذك


تصنع منك ما تشاء.


شكرا سوزان عليوان على هذا الديوان الجميل، آملا أن تواصلي الكتابة بنفس الإخلاص من السعي نحو الكمال والاكتمال.