اللواء مصطفى كامل السيد مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا يروى: قصة ساعـــة ونصف حسمت النصر

07/10/2015 - 2:27:53

حوار يكتبه: طه فرغلى

كيف تحقق نصر أكتوبر الخالد؟


عندما نتحدث عن تاريخ الوطن فلا يجوز لنا إلا تحرى الحقائق والصدق ،ولا يجوز لنا الرياء والكذب ،ولا نستطيع أن نفصل التاريخ العسكرى منذ نشأة الوطن عن التاريخ العام حتى الأن ،وعندما نتحدث عن نصر أكتوبر لابد أن نضع أمامنا هزيمة يونيو ١٩٦٧- وأسميها هزيمة وليست نكسة حتى نسمى الأمور بمسمياتها- وبعدها حرب الاستنزاف لأنى اعتبرها المرحلة الافتتاحية لحرب التحرير ،واسترداد الكرامة واندمال الجرح القومى ،وكان لنا شرف الاشتراك فى هذه الحرب رئيسا لقسم عمليات وحدات الصاعقة فى هذا التوقيت، والأهداف الرئيسية من هذه الحرب تنشيط الجبهة الداخلية، وعدم فقد الاتصال المباشر مع العدو ،وتوفير الوقت اللازم أمام القيادة العامة للقوات المسلحة لإعادة بناء قواتنا المسلحة بجميع فروعها ،ورفع الروح المعنوية للشعب المصرى عقب الهزيمة ،واستعادة ثقة هذا الشعب فى القوات المسلحة، وعلى مستوى الجيش كان الهدف الرابع بناء الثقة مرة أخرى فى الجندى المصرى الذى لم يحارب فى ١٩٦٧.


والواقع كان يشير إلى أن لحظة العبور المنشودة ينتظرها  ليس كل مصرى فقط ولكن كل عربى  بشوق ولهفة، لكن هذه المشاعر كان يشوبها لحظات من التخوف والترقب والقلق.
النتائج التى تم تحقيقها فى حرب أكتوبر ١٩٧٣ من حيث سرعة، وحجم الانجاز فاق جميع التوقعات، ويخطئ من يظن أن القوات المصرية كانت تتفوق على قوات العدو ، بل العكس صحيح، القوات الإسرائيلية كانت فى خنادق، وموانع حصينة، والقوات المصرية كانت هى المهاجمهة.
كيف تم الإعداد لهذه المعركة الحاسمة؟
هذه الحرب سبقها كثير من التفكير،والتدبير والتخطيط ،والتجهيز،والإعداد ،والتدريب ، وكان الأهم التخطيط لجميع المشكلات التى يمكن أن تواجه القوات المسلحة، وكان أبرز هذه المشكلات كيف نخفى نوايا أكثر من نصف مليون جندى على القناة؟، وكيف نخفى أكثر من ٢٠٠ مركبة ومعدة؟، وكيف يتم العبور فى وجود مواسير النابالم على القناة.


وظهر التخطيط الجيد فى تحديد التوقيت المناسب من حيث السنة والشهر واليوم والساعة والدقيقة ، وأيضا فى اللحظة الافتتاحية للحرب من خلال المشهد الخالد لدينا ٢٢٢٦ مدفع تطلق نيرانها فى وقت واحد ، وفى ذات الوقت تطير ٢٢٨ طائرة مقاتلة على ارتفاع ٣٠ متر ، كانت ملحمة بكل المقاييس رسمت لوحة خالدة توجيه الضربة الجوية مع التمهيد النيرانى مع العبور.
وكان لدينا عدة إشكاليات كيف يتم التعامل مع الساتر الترابى؟، كيف نتعامل مع عدو متخندق فى نقط قوية وحصينة؟، وكيف يتم إغلاق باب المندب حتى لا تتدخل قوات خارجية فى المعركة، وما هو التوقيت المناسب لبدء الهجوم وهو أمر عظيم القيمة فى المعركة؟
وبدأ التعامل مع الاوضاع الحقيقية على الأرض واختيار التوقيت وهو الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرا ، واختيار هذا التوقيت كان مرتبطا بظاهرة المد والجزر  فى قناة السويس ، وهذا التوقيت يكون المد فى قمته ويساعد الجنود على عبور القناة بسهولة لان المياه تكون مرتفعة.
ولابد أن نؤكد أن ما حدث ملحمة كاملة حالت الظروف دون تسجيلها.
من هو البطل الحقيقى فى هذه الملحمة ؟


البطل الحقيقى فى هذه المعركة الجندى المصرى الذى جسد الإرادة القومية التى حققت النصر والتفوق.. قوام القوات المسلحة فى هذا التوقيت كان الجنود الذين تم استبقائهم فى الجيش عقب ١٩٦٧، وتم إعدادهم إعدادا كاملا ، وتم الاعتماد أساسا على الجنود أصحاب المؤهلات العليا.


وأصبحت العقيدة القتالية الراسخة فى ذهن الجندى المصرى ضرورة تحقيق النصر أو أن ينول الشهادة ، وهذا كان الفارق الكبير بين الجندى المصرى ، والجندى الإسرائيلى، وأثبت الجندى المصرى أنه مقاتل من طراز فريد، وكانت هذه المواجهة فى حرب أكتوبر هى أول مواجهة حقيقية بين  أصبحت نبراسا لكل المعاهد العسكرية فى العالم.


كنا نحارب على جبهة طولها ٢٠٠ كيلو متر على الأقل من قناة السويس حتى البحر الأحمر، سنشعر بالإعجاز عندما نتحدث عن الجندى المصرى الذى صعد الساتر الترابى وهو يحمل فوق ظهره ٩٠ كيلو ، معدات ومؤن وسلاحه الشخصى.


الجندى المقاتل ظل ٥٢٨ ساعة لم يتذوق فيها النوم ،٢٢ يوم قتال متواصل، ولذلك أقول وأكرر أن البطل الحقيقى هو الجندى المصرى المقدام الشجاع  لأنه لو تراجع لكان شأن آخر.


كيف تم تغطية عملية عبور أكثر من ١٥ ألف جندى للقناة فى توقيت واحد؟


كان مطلوب نقل ١٥ ألف جندى  فى ١٥٠٠ قارب ، ونقل ٤٨٠ دبابة وإنشاء المعابر والكبارى ، ونقل المدفعيات،ومناطق الشؤون الإدارية ، وكل هذا كان لابد أن يتم فى ساعة ونصف فقط أى ٩٠ دقيقة ، ونستطيع أن نقول أن هذه المدة كانت هى العامل الحاسم فى النصر ، وتمكنت ٧٢ دورية من قوات الصاعقة أن تحمى الجنود وتغطى ال ٩٠ دقيقة ، وكانت المهمة من أشق المهام ، وكان الهدف أن تمنع تقدم احتياطات العدو التعبوية حتى لا تتدخل فى مرحلة العبور ، وكان مطلوب من دوريات الصاعقة حماية الجنود فى العبور ، واستمرت قوات الصاعقة فى اداء مهمتها منذ بدء القتال وعلى مدار ١٨ ساعة كاملة،
وجندى الصاعقة لا يحمل إلا سلاحه الشخصى ،ورغم هذا استطاع هذا الجندى أن يحمى ويغطى عملية العبور ،ويغلق المضايق خاصة مضيق سدر ، ولم يمكن العدو من هذا المضيق طوال مدة العملية كاملة وهى ٢٢ يوم ، وأبلوا بلاء حسنا ، وأحيى هؤلاء الجنود البواسل الذين ثبتوا وكان لهم الفضل الكبير فى حماية زملائهم الجنود الذين عبروا القناة.


ولنا أن نتصور ٢٢ يوما كاملة فى حالة قتال ، مهما كان معه من أكل وشرب ، ولكنه تحمل لانه كان رمزا للصمود والتحدى ،قبل المعركة دربناه جيدا كيف يجمع المعلومات ، كيف يتعامل مع الحيوانات الأليفة وغير الأليفة ، كيف يتعايش مع البيئة المحيطة به.


هذه الروح والإرادة القوية هى التى كانت سببا فى النصر.


كيف نجحت القوات البحرية فى حماية المياه الأقليمية طوال فترة المعركة؟


مسرح العمليات البحرية ٢٥٠ ألف ميل بحرى،والمهمة كانت تتضمن إغلاق باب المندب ،وحماية البحر الأحمر كاملا ،وكان لابد من تمركز قوات وحدات بحرية غربا وفى نفس التوقيت تتمركز قوات عند باب المندب ، ونجحت القوات البحرية المصرية فى تحييد وعزل القوات البحرية الإسرائيلية ومنعها من تقديم الدعم النيرانى للعدو على الساحل.


كيف تقيم دور القوات الجوية فى حرب أكتوبر؟


هناك من يقلل من دور القوات الجوية فى هذه العملية الشاقة جدا ،ولابد أن نؤكد أن مبار ك تولى قيادة القوات الجوية وخسائر سلاح الطيران أكثر من ٩٠٪، واستطاع خلال الفترة من ١٩٦٧ إلى ١٩٧٣ أن يعيد بناء القوات الجوية ، واستطاع أن ينفذ العملية المكلف بها بكفاءة عالية جدا ، وادت مهمتها على أكمل وجه ، وكان لابد بعد العملية من الاحتفاظ بالقوة الجوية كاملة كاحتياط استراتيجى لأنه ليس لدينا إمداد تالى يأتى  من اى مكان.


لابد أن نرجع له الفضل لعبدالناصر فى أنه الذى وضع الرؤية الاستراتيجية لحرب ١٩٧٣ فهو الذى قال « ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» وبناء على هذا تم إعادة بناء القوات المسلحة بحيث تكون قادرة على دخول عملية حقيقية شاملة تستعيد بها الأرض.


ولابد ان أقول أن الرئيس السادات هو من تحمل وحده اتخاذ قرار بدء الحرب وهو قرار صعب جدا على أى إنسان ، وقرر الدخول فى الحرب وهو يعلم أن التفوق لإسرائيل.


هل كانت هناك ضرورة لوقف القتال بعد ٢٢ يوم من بدء الحرب؟


هناك تباين حدث فى الموقف  ،وهو ما يسمى بتدخل القوى العظمى فى العمليات ،وهذا يدلل على أن القوات المسلحة استطاعت أن توجه هزيمة قاسية للقوات الإسرائيلية بدليل حجم الإمداد الذى جاء من أمريكا للقوات الإسرائيلية، ومن بين طائرات العدو التى اسقطتها القوات المصرية طائرة قادمة من امريكا لم تقطع من الكيلو مترات سوى المسافة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ،بما يعنى أننا كنا نحارب أمريكا.


لماذا حققنا النصر .. ولماذا لم نحقق التنمية فى سيناء ؟


حققنا النصر بالروح والإرادة القوية، وللأسف لا نرى روح أكتوبر الأن.


وجميع الخطط التنموية بعد ١٩٧٣ لم تتواكب مع عنصر هام وهو الزيادة السكانية غير المنطقية وغير الطبيعية ، كما أن الاختلاف البين الذى حدث فى البعد السلوكى لمعظم جموع الشعب المصرى ، وغياب قيم مثل العمل والإخلاص والتفانى كان لها تأثير سلبى على معدلات التنمية ، ولابد أن نعمل على استعادة القيم الأخلاقية المصرية الأصيلة، واستعادة السلوك المصرى القديم، وتعظيم قيمة العمل ، وما لم يدرك الإنسان المصرى انه محور التنمية هو الذى يقوم بها وتعود عليه فى اعتقادى أننا سنستمر طويلا فى هذا الوضع الصعب.


ولكن من المسؤول عن فشل وإهمال التنمية فى سيناء؟


اتحفظ على كلمة فشل وإهمال ولكن أقول تباطؤ ، وهذا حدث وفقا للظروف التى كانت قائمة، وعندما جاء قائد سياسى جديد استطعنا ان ننجز مشروعا قوميا كبيرا فى ١٢ شهرا .


وهناك مشروع قومى فى سيناء وأطالب باحياء هذا المشروع ، ولابد ان يتضمن مشروع التنمية جميع المحافظات التى تطل على سيناء خاصة محافظات القناة الثلاث ، ولابد ان تكون هناك قيادة واحدة مسؤولة عن التنمية فى هذه المحافظات وتنسق بينها مثلا يكون هناك نائبا لرئيس الوزراء مسؤول عن التنمية وينسق بين المحافظين.


ولا يجب ونحن نتحدث عن التنمية فى سيناء ان نغفل جهودا سابقة .. ولابد أن نرجع الفضل لأصحابه والإساءة لما سبق من جهود هو إساءة للمصريين جميعا فى المقام الأول.


هل يمكن تطهير سيناء من الإرهاب؟


الإرهاب مثل الفساد لا نستطيع القضاء عليه، ولكن من الممكن أن نمنعه من منطقة معينة .. وبالفعل من الممكن ان نطهر سيناء من الإرهاب ولكن لابد أن نتذكر كلمة الرئيس عبدالفتاح السيسى عندما قال إن القضاء على الإرهاب سيستغرق وقتا طويلا ، وأتصور أن ما يتم من إجراءات وعمليات ستؤدى فى النهاية إلى القضاء على الإرهاب فى هذه البقعة.


وهناك استراتيجية متدرجة فى التعامل رأينا إنشاء منطقة آمنة ، والقضاء على الأنفاق ، وإعلان الطوارئ فى مناطق ، العمليات ،وتوحيد القيادة فى المنطقة.


وكل هذه الإجراءات كفيلة بالقضاء على الإرهاب


كيف تقيم عملية حق الشهيد؟


خلال الأسبوعين الماضيين حققت العملية المهمة التى تم تحديدها ، وألحق بالإرهابيين خسائر كبيرة ، وهى عملية جادة وهامة والقوات المسلحة مصممة على تنفيذها كاملة


 



آخر الأخبار