اللواء حسين عبدالرازق: يافندم .. احنا جايين نموت دفاعاً عن بلدنا

07/10/2015 - 2:25:20

حوار: أحمد جمعة

يحفظ اللواء حسين عبدالرازق، قائد وحدة الصاعقة التى عبرت القناة يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣، أسماء ضباطه وجنوده عن ظهر قلب، يسترجع بطولاتهم، ويسرد تفاصيل المعارك التى سجلت بسالتهم، ويخوض فى الانتصارات التى حققتها مجموعته بفخر وعزة لاسترجاع الأرض والعرض من عدو غاشم.


يؤمن عبدالرزق أن القوات المصرية لم يكن ليُكتب لها النصر فى ٧٣ ما لم يلتحم الشعب المصرى خلف جيشه رغم قسوة الهزيمة فى النكسة، يقول إن الشعب رفض الانكسار ودعّم جيشه معنويا وماديا، حيث شارك كثير من شباب الجامعات والمدراس طواعية لخدمة المجهود الحربى كجنود.. وإلى نص الحوار


بداية.. ما تداعيات هزيمة ١٩٦٧ على أفراد الجيش المصري؟


لابد أن ننعش الذاكرة الوطنية كل عام بنصر أكتوبر ٧٣ حتي تنتقل نفحات النصر من جيل إلى جيل، نصر أكتوبر العظيم لم يتحقق في شكله النهائي إلا بناءً على مسيرة طويلة. وأذكر في ٦٧ أن بداياتي في الحرب كانت داخل إسرائيل حتى كنت ضمن قوات الصاعقة التي كانت لها مهام داخل أراضي العدو ووصلنا إلى مطار اللد وكدنا ننفذ عملية كبيرة وخطيرة لكن الأوامر صدرت فجأة من القيادة المصرية التي كانت تتابع عملنا من الأردن بقيادة اللواء عبدالمنعم رياض بالانسحاب، وعدنا بالفعل. وفي الطريق اشتبكنا مرات كثيرة مع العدو وسقط منا شهداء لكننا أوقعنا بهم هزائم ضخمة، لكن ذلك لم يذكر في خضم ولم يتوقف التاريخ عندها، لكنها شكلت معلمًا هامًا لنا عن مواجهة هذا العدو.


لم نكن مستعدين لخوض حرب ٦٧، فالكثير من قواتنا كانت تحارب في اليمن، وجاءت منهكة من القتال الجبلي هناك، كل هذا جعلنا نقف بصورة موضوعية لنظرتنا إلى المستقبل لمحو عار الهزيمة واسترداد الكرامة. السبيل كان أن نضع أيدينا على عوامل الفشل ولا نخجل منها، فدول كبرى تعرضت للهزيمة لكنها لم تستسلم.


ما مراحل تحول الهزيمة إلى نصر؟


هناك دلائل أشارت إلى إيمان الشعب المصري بأن لديه جيش قادر على النصر واسترداد الأرض والعرض.، بدأنا بطريقة سليمة ودرسنا الأخطاء، وأعدنا بناء القوات المسلحة في ظروف غاية الصعوبة بتضحيات قدمها أبناء وشباب مصر، وانضم للجيش طواعية عدد هائل من شباب الجامعات والمعاهد والمدارس المتوسطة، فكانت البداية ببناء الجندي القادر على استيعاب تكنولوجيا الحرب ومتطلباتها.


كان لهؤلاء الشباب درجة كبيرة من الإحساس بالوطنية ولديهم إحساس كبير بالتضحية ومدرك لطبيعة المرحلة التي عاشتها مصر.. الجندي يقول لقادته: «يا فندم إحنا جايين نموت دفاعا عن بلدنا».


وثقت القيادة في قدرات أبطالها، ثم تم دفع القوات إلى العمليات خلال حرب الاستنزاف بعد فترة من الصمود. وفي هذه المعارك كنت ترى الأساطير التي تحققت بروح مدركة للتحدي الذي نواجهه «نكون أو لا نكون».


ما أبرز العمليات التي خضتها خلال حرب الاستنزاف؟


عمليات كثيرة قمنا بها في حرب الاستنزاف وسقط منا شهداء، وكنت ضمن وحدات الصاعقة وهذا شرف لأي مقاتل بالانضمام لها، وبرزت معركة «رأس العش» التي نعتبرها نقطة تحول، حيث كنا في قمة الإنهيار بعد النكسة وقيام العدو كل فترة بغارات على أهداف استراتيجية ومدنية.


هذه المعركة تمت في أول يوليو ١٩٦٧ أي بعد نحو أيام من وقف إطلاق النار، لتقف فصيلة صاعقة عددها ٣٠ فردًا ومعها بعض عناصر من المشاة يقفون بكل شراسة وبسالة في وجه طابور مدرع من العدو الإسرائيلي ويسقطون به هزائم فادحة ويجبرونه على الانسحاب بعدما كان ينتوي السيطرة على منطقة بورفؤاد حتى تكتمل سيطرة القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية لقناة السويس والاستيلاء على ميناء بورسعيد، وبعث هذه المعركة «قبلة الحياة» مرة آخرى، ونقلنا هذا الإحساس لرجالنا كلُ في موضعه.


ما تأثير هذه المعركة على وحدات الجيش ؟


بدأنا نبني عليها لتظهر مجموعات كثيرة آخرى في العمليات الخاصة مثل مجموعة الشهيد الرفاعي وقاموا بأعمال بطولية كبيرة، حيث دمروا الأسلحة والزخيرة التي تركتها القوات المصرية في سيناء حتى لا تستولي عليها قوات العدو وتستخدمها ضد الجيش المصري، وقاموا بعمليات نوعية لمهاجمة القوافل الإسرائيلية.


وبدأت وحدات الصاعقة في تنفيذ مهام قتالية، حيث كنا نرسل مجموعة من الجنود عبر البحر ونضع على وسطهم مجموعة من الألغام ثم يذهبون إلى الجانب الآخر من القناة ويضعونها في طريق معدات العدو ودباباته، وتجد اليوم الثاني الدورية الإسرائيلية «طايرة في الهوا» من قوة التفجير وتعلن إسرائيل عن مقتل عدد من جنودها، إسرائيل اعترفت بالبطولات التي قدمها الجيش وقالت إن حرب الاستنزاف كانت أخطر وأطول حرب تخوضها القوات المسلحة، لتضطر إلى الموافقة على مبادرة «روجرز» لوقف إطلاق النار. في هذه الفترة بدأ الاستعداد للحرب.


خلال حرب الاستنزاف وتحديدًا في ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ توفى الزعيم جمال عبدالناصر وبعدها بأيام تولى الرئيس أنور السادات رئاسة الجمهورية.. هل كان لهذا تأثير على الجيش في قتاله ؟


كان هدف السادات إزالة الكابوس الذي يطبق على صدر المصريين جميعًا ، وكان دائما ما يمر علينا في الوحدات ويقول «هنحارب مفيش حل تاني. انسوا السياسة، دا كلام لن يحقق شئ في ظل التأييد المطلق للولايات المتحدة لإسرائيل في ظل أننا لا نحظى بمثل هذا التأييد من أصدقائنا»، وقال السادات: «استعدوا للحرب ولا تتهانوا ولا يوجد حل سلمي لهذه الأزمة».


وتم استغلال هذه الفترة في بناء وحدات جديدة وتدريبها بشكل مكثف ومتطور، بجانب استيراد بعض الأسلحة الحديثة ووصلنا إلى قمة استعدادنا للحرب في عا ١٩٧٢، ووقتها كان السادات قد أعلن أنه «عام الحسم» لكن ذلك لم يتم، وتشككت القوات في جدوى التدريب خاصة في ظل دعم أمريكا لإسرائيل.


لكن اتضح بعض ذلك أن الرئيس السادات وكبار جنرالات الجيش كانوا يخططون في هذه الفترة للحرب في صمت ضمن خطة خداع استراتيجي لتساهم تصريحاته في تنفيذ هذا الخداع، لدرجة أنها أول حرب في التاريخ الحديث تنشأ دون أن يعلم عن مقدماتها أو شواهدها أحد .


وصلنا الآن إلى يوم ٦ أكتوبر.. أين كان موقعك في هذا اليوم وما المهمة القتالية التي تم تكليفك بها ؟


كنا مسئولين عن دعم أعمال القتال للفرقة ١٨ في الاستيلاء على القنطرة شرق، وكانت إحدى الوحدات الفرعية التابعة لنا تعاون قطاع بورسعيد بقطع الطريق عن النقطة القوية في شرق بورفؤاد أثناء هجوم القوات عليها، وتلك العملية لابد أن نتوقف عندها كثيرًا لأنها أول عملية تتم بالإبرار البحري بقيادة البطل يوسف أحمد حسان قائد السرية حيث خرجت من بورفؤاد وقاموا بعملية التفاف كبيرة ونفذوا كمائن ظلت تقطع الإمداد عن النقطة القوية لمدة ٣ أيام ثم هجم عليها العدو بنيران كثيفة ولم تتخل عن مهتها، وعندما فشل الهجوم على النقطة القوية نتيجة الصعوبات التي واجهت القوات المصرية انسحبت هذه الوحدة.


أما المهمة الرئيسية للوحدة التي كنت رئيسا لعملياتها، فقد كانت بمنع احتياطات العدو شرق القنطرة من الوصول إلى الضفة الشرقية أثناء عبور قوات المشاة والأنساق الرئيسية للقناة، لأنها أضعف مرحلة للقتال في لحظة اقتحام المانع المائي، ولو وصلت دبابات العدو لهاجمت المعابر والقوات التي تعبر القنال وقد تحدث فيهم خسائر كبيرة للغاية، وبالتالي كان لابد من التعامل معها وتدميرها وقطع هذا الاحتياطي القريب للغاية حيث كان وصوله إلى القناة في حدود ١٥ دقيقة على مسافة ٣ كم، كنت ثائدًا للمجموعة التي تواجدت شمال القنطرة، واتجهت المجموعة الأخرى بقيادة قائد الكتيبة الرائد محمد إبراهيم إلى جنوب القنطرة.


كيف تمت خطة العبور ؟


لم يكن مفترضًا أن أعبر في المرحلة الأولى، وكان مخططًا العبور مع قيادة الفرقة ١٨ وأتولى التنسيق بين الكتيبة مع الفرقة ١٨، لكنني وجدت أن الاتصال بين الكتيبة والفرقة كافيًا بشكل كبير فآثرت أن أعبر مع القوات في النسق الأول، واتجهت للعبور في المجموعة الثالثة مع النقيب محمود حسن وتوليت قيادة هذه المجموعة، وكانت المهمة أن نعبر بعيدا عن النقط الحصينة ثم نُسرع في اتجاه الشرق وننصب الكمائن لقوات الاحتياطي للعدو.


كان من المفترض أن أعبر عند الساعة الثانية وخمس دقائق طبقا لتوقيتات العبور وهذا يسمى وقت عبور «المفارز»، لكنني لم أنتظر التوقيت المحدد. قبل دقات الساعة الثانية بدقيقتين كنا متواجدين في باطن الساتر وننتظر العبور ثم توليت مهمة التلقين ورفع درجة الاستعداد النفسي والمعنوي، صرخت في الجنود: «كله جاهز!».. ردوا في صوت واحد «جاهزين يا فندم».. وبدأت في تلقين ما قبل الحرب.


فجأة قال عسكري: «الطيران يا فندم»، ونظرت في السماء ووجدت «الميج ١٧» قادمة من شمال القنطرة، وبسرعة البرق ورد في خاطري العبور مع مجموعتي خلال غارات الطيران المصري على الأهداف الإسرائيلية، لأنه في تقديري أنه بعبور الطائرات المصرية ستنخفض المراقية الإسرائيلية بما يصعب معها تحديد عبورنا برًا.


الجنود تعجبوا أنني أمرتهم بالعبور وصحت بهم «شيلوا القارب وتعالوا ورايا»، وبالتالي استطعنا الوصول إلى منطقة أفضل في الضفة، وكان عندي ثقة أن هذا القرار إلهام من الله ، وبالتالي أصبحنا أول قارب يصل إلى الضفة الشرقية، ورغم الإجهاد الشديد في عبور الساتر لم نتوقف عنده، وتحملت المسئولية باستكمال العبور حتى نبعث روح العزيمة في القوات القادمة من الخلف، وأطلقت صيحات من العزيمة على أفراد المجموعة ليصرخ الجنود «الحمد لله.. النصر لمصر»، وكنا سعداء ونسينا أثار التعب.


ونصبنا الكمائن في شرق منطقة تسمى «عزبة الصفيح»، وكانت منطقة صحراوية مفتوحة وبدأنا في المراقبة حتى سمعنا أصوات جنازير الدبابات القادمة لمهاجمة الجيش، ودارت معركة قوية مع ٤ دبابات و ٢ عربة مدرعة واستطعنا تدمير ٣ دبابات والعربتان وقامت قوات المشاة باستهداف الدبابة الرابعة بصاروخ مضاد للدبابات، يوم ٨ أكتوبر تم الإعلان عن تحرير مدينة القنطرة كُنا أنهينا مهمتنا وبدأنا العمل كإحتياطي، ثم تم الهجوم العكسي من العدو على الفرقة ١٦ و ١٨ في محاولة لاختراق رؤوس الكباري، لكن تم تكبيد القوات المهاجمة خسائر فادحة في معركة كبيرة.


دائمًا ما تمثل «الدوافع المعنوية» الرقم الصعب في أي معادلة حرب.. ماذا عن الأوضاع النفسية والمعنوية للأفراد والضباط خلال معركة التحرير ؟


هناك بعض المواقف التي تثبت أننا شعب رفض الانكسار، فالضابط محمود عبدالرحمن أصيب بطلقة في زراعه وطلبت إخلائه من ساحة المعركة لكنه رفض بشدة وتمسك ببندقيته وأكمل الحرب وشارك في تحرير القنطرة ثم استشهد في منطقة بالوظة.


الجندي رزق عبدالوهاب؛ دمر أول دبابة وأصاب الدبابة الثانية لكن إحدى الطلقات أصابته بصورة مباشرة واستشهد بصورة فدائية مع مساعده، ووجدنا في بطاقته صورة تجمعه في زوجته وابنه حديث الولادة، أثرت في وجداننا.


القادة الإسرائيليون كتبوا عن هذه المواقف في مذكراتهم فهناك من واجهوا الدبابات بصدورهم وبالقذائف البسيطة وكلما أصيب أحدهم خرج آخر.


ما التكليفات الآخرى التي تم إعطائها للكتيبة؟


المهمة الأولى كانت اقتحام القناة وصد وتدمير القوات المعادية، ثم انتقلت الكتيبة للعمل في عمق العدو ونفذنا عملية إغارة على منطقة بالوظة ودمرنا المنطقة الإدارية و٧ عربات محملة بالزخيرة مساء ٩ أكتوبر، واثناء الانسحاب دارت معركة شرسة لابد من ذكر أبطالها، قائد الكتيبة الرائد محمد إبراهيم أصيب في كعب قدمه واضطررنا لحمله لمسافة طويلة لإخلائه للمستشفى وكان يصرخ ويطالب بتركه ومواصة القتال، وقائد السرية البطل بسيوني عبدالجواد كان يقود قواته وسط إطلاق النار الكثيف، والشهيد محمد أحمد عيد قال : «انسحبوا واتركوني اضرب عليهم بـالأر بي جي لتعطيلهم» وبالفعل قام بعمل حائط صد حتى استطاع إيقافهم واستشهد بعدها، وتم منحه نجمة الشرف لما قام به لحماية كتيبته.


بعد ذلك صدرت الأوامر بالتراجع إلى منطقة أبو صوير بالإسماعيلية وهناك صدر التكليفات بتأمين جنوب أبو صوير في فترة الثغرة ونجحنا في منع العدو من تطويق الجيش الثاني الميداني.


الجيش يخوض الآن معركة «التطهير» لسيناء من العناصر الإرهابية.. كيف ترى هذه المعارك كأحد الذين حاربوا على هذه الجبهة ؟


لن نسمح بتواجد إرهابيًا واحدًا داخل سيناء ، الجيش قادر على المواجهة ويستطيع القضاء على هذه العناصر الملوثة أفكارهم وعقولهم بفعل جهات أجنبية، كقوات مسلحة «بينا وبينهم الآخرة» ولا يوجد فصيل يستطيع هزيمة الدولة، وكل من يمولهم خائن وعميل.


الأن القوات المسلحة تجدد شبابها بأحدث الأسلحة التي تمكنها من الردع والمواجهة الشاملة، ونتحرك في مجال التسليح على كافة الأصعدة بما يساهم في تنويع مصادر السلاح، والعلاقات ومصالح الدولة لا تنقطع بالمساجلات السياسية.


 



آخر الأخبار