اللواء المهندس باقى زكى يوسف: مسحنا خط بارليـــــف بخراطيـــم المياه

07/10/2015 - 2:11:41

  لواء باقى زكى فى حواره مع أشرف التعلبى لواء باقى زكى فى حواره مع أشرف التعلبى

حوار : اشرف التعلبى

في أعقاب يونيو ١٩٦٧ أرسل رئيس تحرير مجلة دير شبيجل الألمانية الغربية خطابا إلى السيدة جولدا مائير رئيس وزراء إسرائيل قال فيه بكل إنبهار « إننى يا سيدتى أشعر بالأسف الشديد لأننى أصدرت ملحق المجلة الخاص بالانتصار الإسرائيلى باللغة الألمانية، إننى سأفرض على المحررين في دور الصحف التى أملكها أن يتعلموا العبرية ... لغة جيش الدفاع الذى لا يقهر «. وبعد أيام من حرب أكتوبر في ٢٢ / ١١ / ١٩٧٣ تقول دير شبيجل الألمانية الغربية ( إن اجتياح المصريين خط بارليف ، جعل الأمة العربية بكاملها تنفض عن نفسها آثار المهانة التى تحملت آلامها منذ ١٩٦٧).


ما أجمل الجلوس الي جوار هرم كبير من التاريخ والتضحية والبطولة والعفوية ، وما أجمل الجلوس الي برج عالي مبني برمال السد العالي وخط بارليف. اللواء المهندس باقي زكي يوسف الذي حطم أسطورة خط بارليف ،صاحب فكرة استخدام المياه في فتح الساتر الترابي تمهيدا لعبور القوات المصرية إلي سيناء. هذه الفكرة رغم بساطتها أنقذت ٢٠ ألف جندي مصري علي الأقل من الموت المحقق.


حيث خط بارليف بساتر ترابي ذو ارتفاع كبير من ٢٠ إلى ٢٢ مترا - وانحدار بزاوية٨٠ درجة على الجانب المواجه للقناة، كما تميز بوجود ٢٠ نقطة حصينة تسمى «دشم» على مسافات تتراوح من ١٠ إلى ١٢ كم وفي كل نقطة حوالي ١٥ جندي تنحصر مسؤليتهم على الإبلاغ عن أي محاولة لعبور القناة وتوجيه المدفعية إلى مكان القوات التي تحاول العبور. كما كانت عليه مصاطب ثابتة للدبابات، بحيث تكون لها نقاط ثابتة للقصف في حالة استدعائها في حالات الطوارئ. كما كان في قاعدته أنابيب تصب في قناة السويس لإشعال سطح القناة بالنابالم في حالة محاولة القوات المصرية العبور، والتي قامت القوات المصرية الخاصة بسدها تمهيدا للعبور في واحدة من أعظم العمليات.


اشرح لنا لحظات عرض فكرتك؟


كان العدو يبنى وقتها ساترا ترابيا «خط باريف» بحيث أصبح الساتر الترابى قلعة من بورسعيد حتى السويس واستغل العدوالكثبان الرملية الطبيعية ناتج حفر القناة ، وبدأ يجهز فيه نقط قوية وتحصينات وحقول ألغام ومصاطب دبابات وأسلاك شائكة وفى أعماق الخط عمل قوات موجودة للقيام بالهجمة المضادة بالدبابات بالتعاون مع المدفعية والطيران على ٣ كيلو و٥كيلو و٨كيلو وهكذا، وأصبح الساتر الترابى حصنا منيعا بكل الأسلحة، وبدأ الاجتماع وتحدث رئيس الاستطلاع وشرح نقاط القوة والضعف بالعدو، ثم أكمل رئيس العمليات وشرح طريقة تحرك الكتائب والاستعدادات، ثم شرح رئيس المهندسين الساتر الترابى نفسه من تكوينه وطبيعته الهندسية من ألغام ومصاطب الدبابات وغيرها، وشرح أيضا الأساليب المتبعة والتى تستخدم للتغلب فى فتح ثغرات فيه، وبدأ بالمتفجرات ثم المدفعية بكل أعيرتها ثم الصواريخ التى كانت تصنع فى الكلية الفنية، ثم الطائرات، وكان سلاح المهندسين يجرى تجاربه بالمفرقعات، وكان الحد الأدنى للزمن من ١٢ ساعة إلى ١٥ ساعة لفتح ثغرات، والأمر الثانى الذى شد انتباهى هى الخسائر فى المراحل الأولى بنسبة ٢٠٪ من القوات نتيجة العملية، وأنا حتى هذه اللحظة أسمع لأتعرف على كل التفاصيل.


هل كنت قلقًا من النتائج؟


عندما جاءت اللحظة لأتحدث عن فكرة تحطيم خط بالريف كنت قلقاً للغاية نتيجة نسبة الخسائر، والزمن الذى يصل إلى ١٥ ساعة، وتحدثت عن سلاح المهندسين والقوة التى علينا أن نستخدمها من مفرقعات وألغام، فذكرت لهم أن هناك قوى ثانية، أهم وأقوى وهى المياه، والمياه قوة من القوى المعترف بها عالمياً، ويمكننا فعل ذلك من خلال طلمبات توضع على ذوارق خفيفة تسحب الميه ليتم ضخها على الساتر الترابى، وإسرائيل هيئت لنا الظروف بدون قصد، فقاموا برفع الساتر الترابى ليصل إلى ٢٠ متر، وقربوا الساتر فوق الشاطىء مباشرة، وكان الميل فى حدود ٨٠ درجة، كل هذه الظروف تصعب من استخدام البدائل التى يتم استخدامها عالمياً من مفرقعات وألغام، وبالنسبة لفكرة استخدام ضخ المياه تكون سهلة، وجعل الساتر الترابى فى مقتل، حيث يتم دفع المياه بقوة شديدة على الساتر، فينزل التراب بوزنه على القناة بحيث لا إريد رفع التراب، وارتفاع الساتر لـ ٢٠ متر يساعد في الضغط، وبالتالى نستطيع فتح ثغرات بسهولة حتى عمق الساتر الترابى، ويمكننا التحكم فى عمق الساتر الترابى، ويمكننا التحكم فى عمق واتساع الثغرات وعددها من خلال الطلمبات المستخدمة، وبالتالى هذه الفكرة تقلل من زمن فتح الثغرات و عدد الخسائر.


وجدت السكون عم أرجاء الاجتماع فشعرت بالقلق، وذكرت لهم أن هذه الفكرة طبقت من قبل فى السد العالى فى اسوان، عندما تم نقل كل الرمال التى ترسبت فى قاع السد بالتجريف ، حيث كنا نقوم بسحب المياه من النيل بالطلمبات، والرمال كانت من النوع المناسب لجسم السد، ثم نضخ المياه على الجبل من خلال القيام بعمل حوض خليطة حول الجبل، ثم تقوم الطلمبات بشفط هذه الخليطة من الحوض إلى جسم السد، وبالتالى الرمال تترسب والمياه تعود للنيل مرة أخرى . وعندما يكون الجبل بعيد نستخدم طلمبات تقوية، وأنا فى حالة الساتر الترابى لا أحتاج إلى تقوية لأن اسرائيل جهزت الساتر، لأنه قريب جداً أعلى الشاطئ ، وهنا يتم توظيف قوة اندفاع المياه الكبيرة على جسم الساتر فى المكان المحدد لفتح ثغرة ، وارتفاع الساتر يضغط على الفتحات لنزول الرمال أسفل قاع القناة وبالتالى يكون الساتر الترابى فى مقتل ، وعندما وجدت أعتراض من أحد الحضور معللاً عدم فتح الثغرات ، فقلت : العلم يقول لابد أن تفتح وهناك نظرية المخزون وهو قانون نيوتن الثانى ، تؤكد فتح الثغرات بدون شك ، لكن الاختلاف سيكون فى زمن الفتح نظراً لنوع الرمال المكون منها الساتر.


أقتنعوا بالفكرة بالمقارنة بالخسائر ، ثانيا نحن نستغل طبيعة المسرح ، من مياه وساتر ترابى أعلى الشاطئ ، وهناك خبراء عسكريين أجانب قالوا أن الجيش المصرى يحتاج إلى قنبلة ذرية لفتح ثغرات ، وعلى الفور أتصل قائد الفرقة بقائد الجيش اللواء طلعت حسن على ليطلعه على الفكرة ، التى تنقل بنا إلى ١٨٠ درجة من مفرقعات إلى مياه وهذا أختلاف كامل فى طبيعة التفكير ، وكنت مقتنع جداً بالفكرة وأرى أنها الأنسب كما هو متاح وتفرض نفسها على الموقع ، وبالفعل قابلنا قائد الجيش صباح اليوم التالى ، وشرحت الفكرة عدة مرات بناءاً على طلب قائد الجيش، ثم اتصل بغرفة العمليات وشرح لهم ملخص الفكرة، وبالفعل توجهت على الفور لمقابلة اللواء ممدوح التهامى نائب رئيس هيئة العمليات وشرحت له الفكرة مرة أخرى ، واتصل باللواء نوفل رئيس هيئة العمليات وشرح له من حيث طبيعة الأرض والمكونات وضخ المياه ، ثم توجهت لمدير المهندسين وشرحت له الفكرة، ولم أجد من يسمعها مرة واحدة ودائماً كنت اكررها ، ورجعت على قيادة الفرقة ١٩ ، وشرحت له كل ما حدث مع مدير المهندسين وهيئة العمليات ، وطلب منى تقرير مختصر لعرض الفكرة بشكل مبدئى على الرئيس جمال عبد الناصر فى الاجتماع الاسبوعى لقادة التشكيلات العامة، وبالفعل سلمت التقرير بعد عدة ساعات، ولم أكن أتحدث لأنى صاحب فكرة فقط ،لكن لأنه الحل الوحيد لحماية ٢٠ ألف حندى من الموت المحقق حالة فتح ثغرات بالمفرقعات ، وسبحان الله عندما أعطى الفكرة كانت فى أبسط صورها وفى الوقت القاتل، وقد طلب منى ملخص للفكرة فى عشر كلمات فى ورقة صغيرة جداً فكتبت “طلمبات قوية وتثبت على ذوارق خفيفة لسحب المياه وضخها من خلال مدافع مياه على الساتر الترابى حتى يتم تحريك الرمال من مكانها لتنزل لقاع القناة وبالتالى يتم فتح ثغرات. وبعد اسبوع عرفت من قائد الفرقة أن الرئيس عبد الناصر وافق على الفكرة وتستمر التجارب وتنفذ فى حالة النجاح.


ماذا عن اقتحام خط بارليف فى حرب اكتوبر؟


استطعنا فتح أول ثغرة فى بارليف الساعة ٦ مساءاً بعد الحرب بـ ٤ ساعات . إلى أن وصلنا إلى فتح ٦٠ ثغرة الساعة ١٠ مساءاً يوم السادس من اكتوبر ونزل من الساتر الترابى ما يقرب من ٩٠ ألف متر مكعب رمال فى قاع القنال ، واستطعنا تحطيم خط بالريف بسواعد مصرية بفكرة بسيطة أبهرت العالم ، وعبرت القوات خط بارليف قبل الموعد المخطط له، والعدو ينتظر ليعرف أين المجهود الرئيس للجيش المصرى لضربه ، وظل ينتظر الهجوم فتأخر فى توجيه ضربة للجيش المصرية ، ولم يكن يعرف أننا سنهجم مرة واحدة من بور سعيد حتى السويس ، فجاءت ضربته المضادة فى توقيت غير مناسب، وعبرت القوات الرئيسية للجيش المصرى فى وقت لم يحسب له العدو أى حساب، وبدأت الأمور تدخل نطاق معقد وصعب عند اسرائيل، وأصبح خط بارليف تحت سيطرة المصريين.


ما التعليمات التي صدرت إليكم من القيادة العسكرية وقتها «ساعة الصفر»؟


واخذنا المهمة قبل الجميع يوم ٥ اكتوبر الساعة ٥.٥ مساءا ، حيث قام قائدالجيش بجمع كل رؤساء وقادة الفرق ، وشرح لنا المهمة وطلب عدم البوح بهذه الاسرار الا غدا الساعة ١١.٥ صباحاً ، بحيث لا احد يعرف ساعة الصفر ، وطلب ايضا التجهيز لساعة الصفر ، وكنا قبلها قمنا بمشروع استراتيجي كبير لتجهيز كل الوحدات اتجاه الحرب ، ومنذ حرب الاستنزاف نعد القوات بتدريبات شاقة جدا . والحمدلله ربنا اكرمني وشاهدت عبور ٨٠ ألف جندي في اول يوم للحرب ،وكل الشهداء ٧٨ بعد ان تم استخدام طلمبات المياة .


ولقد حصلت على نوط الجمهورية من الطبقة الأولى على أعمال قتال استثنائية بالإضافة لفكرة اقتحام خط بارليف، وكل لحظة مرت علينا كانت لحظات صعبة لا يمكن أن ننسى هذه اللحظات ، وكل ذكرى لحرب أكتوبر أعيش حالة الحرب، والمنطقة التى كان بها خط بارليف والتى كانت على مسافة ٣ كم بأن هناك دبابات ستهجم لو عبرت القوات المصرية من خط بارليف ، هم مكان قناة السويس الجديدة التى تم حفرها، وهذا هو محور التنمية ، واسرائيل كانت تريد أن يتفرج علينا العالم، نحن نقول لهم سيشاهد العالم كله تنمية محور قناة السويس، ونجاح ونشاط المصريين ، وربنا هو الذى قدر لكل شئ.


 



آخر الأخبار