اللواء مهندس عصام عبد الحليم من «الفرقة ١٩ مشاة فى الجيش الثانى»: لهذه الأسباب حدثت «الثغرة»

07/10/2015 - 2:09:07

حوار: فاطمة قنديل

“يوميات الحرب”.. الوصف الأدق للحوار مع اللواء مهندس عصام عبد الحليم أحد أفراد قوات الفرقة ١٩ مشاة فى الجيش الثانى فى حرب أكتوبر، فالرجل تحدث عن الأيام التى سبقت “نصر أكتوبر”، تطرق فى الحوار أيضا لـ”أيام الاستنزاف”، وماتزال ذاكرته تحفظ - عن ظهر قلب- الساعات القليلة التى سبقت “العبور”.. ويحكي كل هذه التفاصيل فى الحوار التالى:


هل بالفعل الانتصار بدأ من حرب الاستنزاف؟


من المعروف أن حرب الإستنزاف كان كل تركيزها على منطقة القناة ولكن أيضآ كانت هناك بعض الغارات على القاهرة وكنا نشعر بالمهانة لأننا فى عز التدريب كنا نجلس فى الخنادق وحالة من الإحباط وإنخفاض المعنويات لدى الأهالى بسبب إطفاء النور أثناء الغارات ولكن كل ذلك زال بعد النصر فى أكتوبر ١٩٧٣.


بعد وقف إطلاق النار وحرب الإستنزاف كان هناك تركيز على بناء حائط الصواريخ لتحطيم أسطورة القوات الجوية الإسرائيلية ، وكان هناك نوعين من قواعد الصواريخ نوع قامت بعمله شركات القطاع العام بالخرسانة والنوع الأخر تم عمله بشكائر الرمل وحينها كنت أخدم هنا فى القاهرة فى كتيبة الكبارى وكنت مكلف أنا والجنود بعمل بعض قواعد الصواريخ بشكائر الرمل وكان ذلك وفى نهاية حرب الإستنزاف فى أخر أسبوع من يونيو ١٩٧٠ وكان يسمى بأسبوع تساقط “الفانتوم” الذى كان يعتبر “درة” السلاح الأمريكى والإسرائيلى فى ذلك الوقت ، ويوم ٣٠ يونيو تم إسقاط عدد كبير من طائرات الفانتوم بواسطة الصواريخ المصرية حينها كنت فى منطقة القصاصين للإشتراك فى بناء قواعد الصواريخ، وعندما قبلت مصر وقف إطلاق النار بمفاوضة وزير الخارجية الامريكى وقبلتها اسرائيل ، كنا فى حالة من الحزن.


وفى عام ١٩٧٢ إنتقلت إلى كتيبة المهندسين فى الفرقة ١٩ مشاة فى الجيش الثالث ميدانى فى القطاع الجنوبى من قناة السويس ، وإشتركت فى الكثير من الأعمال للتجهيز للحرب وسنة ١٩٧٣ كانت كلها مشاريع تدريبية على الحرب وتصاعدت وتيرة الإستعدادات والتجهيزات قبل الحرب بشهر ونصف وكانت تتضمن من المشقة والحماس والجدية ما جعل القادة بعد الحرب يقولون أنه ثبت بالدليل العملى أن الحرب أهدأ كثيرآ من المشاريع من حجم الجدية التى كانت فى المشاريع.


متى علمتم بقرار الحرب ؟


الرئيس الشهيد أنورالسادات كان يتحدث فى جميع خطبه عن الحرب وأننا حتمآ سنحارب ، وقبل الحرب بأسبوع فى ذكرى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يوم ٢٨ سبتمبر كنا ننتظر ماذا سيقول هل سيتحدث كعادته عن الحرب ولكن هذه المرة بذكاء من السادات ذكرها فى عبارة مقتضبة ولم يستطرد فقال “أما حديث الحرب وتحرير الأرض إحنا شبعنا كلام فى هذا المجال لكن اللى أقوله أننا لن نبخل بنقطة دم فى سبيل تحرير وإستعادة الأرض”.


تم الإنتهاء من جميع المشروعات اللازمة لإستعدادات الحرب يوم الأربعاء ٣ أكتوبر وتم إبلاغنا رسميآ أن غدآ الخميس ٤ أكتوبر وزير الحربية الفريق أول أحمد إسماعيل سيعطى تمام إستعداد القوات المسلحة لرئيس الجمهورية ، وكنت قائدآ لطابور الصباح يوم الخميس بصفتى أقدم ضابط فى الكتيبة وقلت للجنود أن اليوم وزير الحربية سيعطى تمام القوات المسلحة لرئيس الجمهورية إذآ لابد أن نستمر فى جميع الأعمال التى قمنا بها بنفس الجدية والإنضباط.


ليلة السبت ٦ أكتوبر ١٩٧٣ جاءتنا إشارة بعدم قيام طابور الصباح وتواجد جميع الأفراد فى الخنادق بالخوذ والأسلحة لحين صدور تعليمات أخرى وذهب قائد الكتيبة لحضور إجتماع مع قائد الفرقة الساعة ٨ ونصف صباحا، وبالفعل ذهب للإجتماع وحضر إلينا الساعة ٩ وأبلغنا أن الحرب ستندلع فى الساعة ٢ ظهرا.


وماذا عن تفاصيل يوم الحرب ودوركم فيها؟


بالفعل فى تمام الساعة ٢ كانت الطائرات تحلق فوق رؤسنا بارتفاع منخفض ، حينها تجلت الوحدة الوطنية وأصبح الجميع مسلمين ومسيحين يرددون فى صوت واحد١٢ بعد منتصف الليل جاءت تعليمات بخروج كتيبة المهندسين لعمل الفتحات والتركيز على مواجهة الـ٢ كوبرى وكان أحدهم لمرور الدبابات والأخر لمرور المدفعية ، أحدهم لإسقاط “البراطين” وهى عبارة عن متوازى مستطيلات لتحميل عربات اللورى والحاويات والعربات تسقطها فى المياه بحيث يتم تجميعها وإنشائها كمعدية لمرور الدبابات والمدفعية والبراطين الأخرى لعمل كوبرى عائم بين ضفتى القنال لعبور الدبابات والمدفعية.


تم إسقاط الكبارى وصدر الأمر الساعة ١٢ بعد منتصف الليل يوم ٦ اكتوبر أن نصعد لعمل فتحتين فى الساتر الترابى بالمفرقعات، وعندما وصلنا وجدنا أن الكبارى تم نصبها ولكنها راسية على الشط القريب لأن الجانب الأخر كان لايزال غير مفتوح ، مررنا أنا وجزء من من سريتى بلنشات وقمنا بعمل الفتحة بالمفرقعات لمرور الدبابات، والفتحة الأخرى كانت لكوبرى مرور المدفعية قام بعملها المقدم فاروق على المليجى وهو رئيس مهندسين الفرقة بالتعاون مع الجزء الأخر من سريتى وكان لنا الشرف بتنفيذ مثل هذا العمل.


فى اليوم التالى مرت القوات وكانت وكانت متحمسة جدآ لدرجة أن حدث تكدست على الكوبرى ولكن الله عز وجل كان يشملنا بحمايته حتى أن طائرات العدو كانت تلقى القنابل علينا وتسقط يمينآ ويسارآ دون أن يقع منها شيئآ على القوات أو على العربات ، وهنا أيضآ أريد التأكيد على دور قوات الدفاع الجوى لهجومه على الطيران الإسرائيلى وإحداث حالة من الشلل به مما ساهم بشكل كبير فى مرورنا بنجاح.


بعد المرور قمنا بوضع الألغام وعمل تجهيزات هندسية وإزالة قنابل لطائرات العدو ، وكان عددنا ٥٠٠ فرد فى الكتيبة ولم يستشهد منا طوال فترة الحرب سوى ٢ فقط ، رغم الغارات وتعاملنا مع الألغام والمفرقعات والفضل فى ذلك يعود للتدريب الذى كان على أعلى مستوى بالإضافة الى التجهيزات الهندسية بعمل حفر للنزول فيها عند حدوث الغارات ثم الصعود لوضع الألغام بحيث لم يقدر العدو بالفعل على إختراق شرق القنال ولكنه تمكن من التسلل إلى “الثغرة” فقط .


ما أسباب حدوث تلك الثغرة وكيف تم التعامل معها ؟


الثغرة حدثت بسبب الفارق بين الجيش الثانى والثالث الميدانى وقبل الحرب قامت إسرائيل بعمل مدق فى سيناء يصل لهذه المنطقة وبالفعل مرت منه حين وجدت فراغ بين الجيشين، ورغم ذلك حدثت خسائر كبيرة جدآ فى القوات الإسرائيلية فيما يسمى “بمعركة المزرعة الصينية” ، وتم إرسال قوات مظلات لتأمين هذه المنطقة لكن فى النهاية إستطاعوا المرور من الثغرة وتمرير دبابات إلى الشاطئ الأخر .


وأرى أن الرئيس السادات حكيما عندما رفض أن تعود الدبابات والوحدات المدرعة التى مرت من شرق إلى غرب القناة للتعامل مع هذه الثغرة لكى لا يحدث فوضى وذعر ، وأرى أنه لو كان قرر عودة الدبابات، للتعامل مع الثغرة فى منطقة “الديفرسوار” كانت ستحدث هزة نفسية من الممكن أن تؤدى إلى إنهيار القوات المصرية الموجودة شرق القناة.


وأريد الإشارة هنا إلى أن الثغرة كانت محاطة بقوات فى الغرب وهى قوات الفرقة الرابعة مدرعة والفرقة ٦ مشاة ميكانيكى وقوات من الحرس الجمهورى وكان سيتم القضاء عليها تمامآ لولا أن الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة فى وزير خارجيتها “كسينجر” قالت “لن نسمح بالقضاء عليها ويصبح السلاح السوفيتى متغلب على السلاح الأمريكى ونحن سنسحب القوات الإسرائيلية وبالفعل تم سحبها”.


والرئيس السادات أصر على البقاء فى موقعنا شرق القناة وبالفعل إنتصرنا ، وفى الواقع الثغرة كانت دعاية تليفزيونية ليس إلا وإنسحبوا وظللنا فى أماكنا والدليل انهم فشلوا فى الإستيلاء على الإسماعيلية أو على السويس والتى حدث لهم خسائر كبيرة فيها يوم ٢٤ اكتوبر والذى أصبح بعد ذلك العيد القومى للسويس.