اللواء محمد زكى الألفى: جيش التحرير .. هو جيش التطهير

07/10/2015 - 1:54:54

حوار : أحمد جمعة

“أن ينتابك حالة من الانتظار الحاد للحظة معينة، فجأة تتحقق”.. هذا الشعور انتاب اللواء محمد زكى الألفي، الخبير الاستراتيجى والعسكري، وأحد أبطال حرب أكتوبر، عندما تلقى نبأ حرب أكتوبر ٧٣ أثناء تواجده فى إحدى كتائب الفرقة ١٦ التى شاركت فى القتال ضد العدو الإسرائيلى الذى تواجد بثغرة الدفرسوار.


يتذكر الألفى تفاصيل معركة “التحرير” بكل أحداثها، يؤكد أن النصر لم يكن ليتحقق مالم يساند الشعب المصرى لجيشه منذ أن رفض الاستسلام بعد نكسة ٦٧ “وقفوا فى ظهورنا”.


بين حرب التحرير فى ١٩٧٣ وحرب التطهير فى ٢٠١٥، يرى الألفى أن القوات المسلحة تجدد عهدها مع الشعب بأنها الحامية لحدوده وأمنه، مشددا فى الوقت نفسه فى قدرة الجيش على “مسح سيناء من الإرهابين” قريبا، و”حق الشهيد” خير دليل.. وإلى نص الحوار..


ما المهمة القتالية الموكلة إليك خلال حرب أكتوبر ؟


فى حرب أكتوبر ٧٣ كنت أنذالك برتبة ملازم أول كضابط مشاة التابع، وكنت قائدًا لسرية المدافع المضادة للدبابات بهذه الكتيبة وفى نفس الوقت قائد ثان لسرية المشاة، وجاء تمركزنا فى منطقة الدفرسوار ضمن الحد الأيمن للجيش الثانى الميدانى وتعتبر فى يمين تشكيل العملية للجيش الثاني.


والفرقة مشاه قاتلت بشكل شرس ولا يمكن إختزالها فى كتيبة واحدة لأن قائد الفرقة أصيب فى الحرب بجانب أن قائد، و”اللواء شفيق متري” قائد اللواء الثالث استشهد وهذا يظهر شكل القتال فى هذه الفرقة وأنها تحملت عبئًا كبيرًا خلال الحرب.


وكنا فى النسق الأول ضمن الموجات الأولى للعبور وكان مشارك فيها القوارب والبرمائيات وتم العبور بالكامل رغم العديد من الأزمات التى واجهت القوات حيث كان أمامنا نقطتين حصينتين وكان العدو يعتمد عليها عليها بشكل كبير وكانت هناك معارك كبيرة فى هذه المنطقة.


حرب أكتوبر سبقها فترة تمهيد سميت بحرب الاستنزاف.. ما دوركم فيها ؟


شاركنا فى حرب الاستنزاف وتحديدا فى مهمة بناء قواعد الصواريخ الخاصة بمنظومة الدفاع الجوي، حيث كان العدو يقوم بقصف القواعد عبر غارات جوية، فى الوقت الذى كانت فصائل المشاة تؤمن قواعد الصواريخ أو من كان يطلق عليهم فى هذا التوقيت أبناء خضر وهم حاملى الصواريخ المضادة للطائرات من الكتف وكانوا يتحركون ليل نهار فى كمائن لاصطياد العدو.


منذ هزيمة ٦٧ حتى النصر فى ٧٣.. ماذا عن الاستعداد للحرب خلال هذه الفترة ؟


الاستعداد للمعركة كان شاملا، ولم يأخذ شكل التدريب فقط، بل كان استعدادًا معنويا ونفسيا وقتاليًا، وكذلك شملت اختبار المناورات لتأكيد المستوى الذى وصلت إليه القوات ، وكل هذا كان يتم تحت ضغط العدو، لكن الشعب المصرى وقف فى ظهورنا خلال هذه الفترة حيث رفض الانكسار فى النكسة وناصر القوات المسلحة حتى تحقق لها النصر، بخلاف أن الدولة أعطت أولوية رئيسية للمجهود الحربى خلال هذه الفترة.


هل تسرب إلى نفوسكم أن ساعة الحرب قد اقتربت ؟


الأكيد أننا كنا سنحارب، لكن متى لحظة الانطلاق، لم يكن يعلمها أحد إلا كبار القادة، لكنى أقول أن العملية كانت متصلة ولا يوجد فيها انفصال أو توقف أو وقت لالتقاط الأنفاس.


متى وصل إليكم “ساعة صفر” حرب أكتوبر؟


فى نفس يوم الحرب، فطبقًا للتوقيتات التى وضعتها القيادة العامة تم إبلاغ قادة الكتائب فى صباح يوم ٦ أكتوبر، وكان ذلك من أجل سرية التوقيت وحتى لا يتسرب إلى العدو، وأبلغنا قائد الكتيبة فى حدود الساعة ١٢ ظهرًا، وكنا فى وضع الاستعداد النهائي.


الآن وصل إليكم أن جيش مصر سيحارب العدو الإسرائيلي.. ما الوضع فى هذا التوقيت بالنسبة لكم ؟


طبعًا الهامات ارتفعت إلى عنان السماء، وزادت الروح المعنوية بشكل كبير للغاية. الجنود صاحوا “الله أكبر” تلك الشفرة الربانية التى خلعت القلوب، بالنسبة للوضع العسكري، كنا مبرمجين؛ بمعنى محترفين بشكل يكاد يكون التنفيذ أليًا، ولا يوجد مجال للتفكير بعيدًا عن الخطة الموضوعة والتوجيهات من القيادة، وعندما شاهدنا انطلاق الطائرات كان من المفترض انتظار عودته حتى يكون هناك تمهيد نيرانى للمدفعية الذى يتوقف فى حال وجود طائرات بالجو، لكن الكل عبر بسرعة لأنها كانت لحظة انتظرناها.


لكن لكل خطة عوامل فجائية قد تحدث وقت التنفيذ.. هل حدث ذلك معكم؟


لكن المفاجآت قد تظهر فى نقاط آخرى، مثلا عندما وصلنا الضفة الغربية شاهدنا الساتر الترابى على حافة القناة بزاوية حادة، لكننا عندما أقتربنا منه وجدنا من الصعوبة اقتحامه، فعندما عبرنا الساتر وجدنا خلفه شئ عجيب؛ الجرافات الإسرائيلية عند بناء الساتر أحاطته برمال كثيفة وبالتالى تم تجريف الرمال حتى وصلت إلى التربة الطينية بما يوازى سطح مياه القناة ومع الجفاف بدت الأرض ظاهرها قوى لكنها لم تكن كذلك فعندما تخطو عليها تهبط قدمك إلى أسفل مما شكل عائقًا أمام سهولة العبور للأفراد والمدافع.


ولكن لحسن الحظ أن دانات المدفعية كانت تسقط على هذه الأرض وبالتالى لم يكن لها تأثير كبير على القوات، لأن الدانة إما أن “تُكدب” أو يكون تأثيرها “محدود ومكتوم”، وكان لحرب الاستنزاف ميزة فى هذا الصدد، أنها أعطت القوات التى لم تعاصر ٦٧ خلفية عن الحرب والقتال بشكل عملى ومباشر، وبالتالى ترسخ فى أذهانهم خلفية مسبقة عن الحرب.


ماذا عن اليوم الأول للحرب ؟


يوم الحرب الأول، كانت القوات موجودة وتؤدى مهمة قتالية طوال الـ ٢٤ ساعة، لكن المهمة القتالية تكون مجزئة بمعنى أن القوات تمشى عدد من الكيلومترات ثم تستريح بعد ذلك لفترة، لكنها ليست راحة أبدية، ففى هذا الوقت إما أن تكون فترة لصيانة الأسلحة ومراقبة مسرح الحرب والإبلاغ عن أهداف العدو ونشتبك مع بعض العناصر، واستمر هذا الوضع حتى نهاية الحرب.


ما أسباب وقوع ثغرة الدفرسوار ؟


الفرقة ١٦ لم تدخل ضمن حصار العدو الإسرائيلى للقوات، وحدث الحصار اعتبارًا من يوم ١٥ أكتوبر وتواجد العدو فى منطقة “تل سلام” ومنها انطلقوا على الجانب الأيمن للجيش الثاني، مع فتح قوة نيرانية كبيرة على القوات المصرية من مدفعيات العدو وقواته الجوية طوال اليوم دون توقف.


وأحدثنا فى العدو خلال هذه الفترة خسائر كبيرة جدا لكن للأسف لم تظهر للنور ما أحدثته القوات المصرية فى العدو وكان قتال “رجل لرجل”.


لكنه تم التهويل من حجم الثغرة، مثلما تحدث البعض عن دخول العدو إلى القاهرة؛ فكل هذا لم يحدث، والثغرة تمت فى منطقة “طوسون حتى الدفرسوار” وكانت مسافة بسيطة، وكان من السهل القضاء على هذه الثغرة.


هل تأثرت القوات سلبيًا بهذه الثغرة ؟


دعنى أؤكد أن الكل استمر فى مواقعه وإن كان التأثير محدود فى نشوة الانتصار.


كان المشير حسين طنطاوى ووقتها كان برتبة “مقدم” قائدًا للكتيبة، واللواء أحمد إسماعيل عطية قائدًا للكتيبة وهما قائدان عظيمان دافعا ببسالة عن الثغرة وشكلا النسق الأول فى مواجهة العدو، ونجحوا فى صده وتدميره وإحداث خسائر كبيرة فيه، بنفس تشكيل القوات، ولكنها لم تتم.


لماذا لم تتم هذه العملية ؟


ذلك يعود للقيادة السياسية؛ فبعد لقاء الرئيس الشهيد محمد أنور السادات لوزير الخارجية الأمريكى كسينجر لمناقشة الثغرة ، وقال كسينجر مقولته الشهيرة بأنه لن يسمح بهزيمة السلاح الأمريكى مرة آخرى. اعتقد أن العملية لو تمت لوقع كل جنود العدو كأسرى.


القتال كان مع عدو مغرور امتلك من الإمكانيات ما يفوق ما كنا نملكه لكننا وفقنا بفضل بسالة وشجاعة الجندى المقاتل المصري.


بعد مرور ٤٢ عامًا على النصر.. كيف ترى الفارق بين حرب التحرير فى ٧٣ وحرب التطهير فى ٢٠١٥ بسيناء؟


هناك فرق بين الحربين، والرئيس السيسى دائما ما يتحدث عن حروب الجيل الرابع، فلا وجه فى المقارنة بين القوى العسكرية الخاصة بالعدو، ففى ٧٣ كنا نحارب جيشًا نظاميًا معروف عدته وتسليحه وتمركزه، أما الآن فإننا نطهر سيناء من مجموعة من “المرتزقة” غير محددين الهوية والتمركز، والعمل الإرهابى لا يتخذ شكل أو تسليح أو مكان محدد، ويعتمد على “الخيانة” فى التعامل.


القوات المسلحة أكدت مرارًا بأن من يقاتل فى سيناء لا يتخطى ١٪ من حجم الجيش المصرى ورغم ذلك قادرون على تطهير سيناء من الأفكار الملوثة.


وأقول إن هذا التعامل مفيد للقوات فى التعامل عمليًا مع أهداف عدائية، بما يزود من خبرتهم القتالية مع نوع جديد من الحروب.


هل تطول هذه المواجهة ؟


الأمر لن ينتهى بسهولة لأن وراء هذه المجموعات دول وأجهزة مخابراتية، ويهدفون لاستراتيجية هدم الدولة، لكننا واجهنا ذلك فى المراحل السابقة وقادرون على تطهير سيناء بنسة ١٠٠٪ فى أقرب وقت، وعملية “حق الشهيد” التى قامت بها القوات المسلحة خير دليل على ذلك، فما شاهدناه من حجم الخسائر لهذه المجموعات يؤكد حقيقة التمويل والدعم الخارجي، كما يؤكد أن القوات المسلحة تعرف أين متى تضرب وتهاجم.


فى رأيك.. ما الدروس المستفادة من الحرب؟


لابد أن يكون هناك جيش قوى لمصر ، ويساهم فى أعمال التنمية وهذا ليس بجديد على القوات المسلحة فمنذ عهد محمد على والجيش لها دور فى التنمية.


كما أن الجبهة الداخلية لابد أن تكون صلبة وتشكل دعمًا لقواتها المسلحة فى حروبها. ولابد أن نعمل ونساهم فى دفع عجلة الانتاج، وبالعودة إلى هزيمة ٦٧ فإننا استطعنا إزالة آثارها بفضل عمل الشعب ووقوفه بجوار جيشه وهو ما نحتاجه الآن فى هذه المرحلة الدقيقة من عمر الوطن.


 



آخر الأخبار