اللواء محمود خلف: العالم لا يزال يتساءل.. كيف انتصرنا فى أكتوبر بإمكانيات محدودة؟!

07/10/2015 - 1:47:06

 عدسة: ناجى فرح عدسة: ناجى فرح

حوار: فاطمة قنديل

لا يزال اللواء والخبير الاستراتيجى «د.محمود خلف» يتذكر اليوم الذى استدعى فيه الزعيم الراحل «جمال عبدالناصر» صغار الضباط ممن كانوا فى سيناء، كان «خلف» من بينهم آنذاك.. وقال لهم «أعلم جيداً أنكم دافعتم عن سيناء.. قولوا لزملائكم: الاختبار العملى لكم قادم.. وما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة».. وانطلقت عجلة الأحداث، إعادة نداء الجيش، حرب الاستنزاف، وصولاً إلى حرب العبور المجيدة، التى يقول عنها اللواء محمود خلف انها حيرت العالم والنظام الأمريكى بالأخص، نظراً للتفاوت الواضح فى القوة العسكرية - آنذاك - بين مصر وإسرائيل، كانت إمكانية المقاتل المصرى من ناحية التسليح محدودة، وإمكانيات عدوه متفوقة، لكن روح القتال لدى المقاتب المصرى هى التى انتصرت فى النهاية.. وهى نفس الروح التى يتوقع بها خلف، انتصار مصر - دولة وشعباً - على الإرهاب.. فإلى نص الحوار


.. حدثنا عن فترة ما قبل الحرب واستعدادات القوات لها؟


قبل الحرب أريد أن أقول إنى من جيل عبد الناصر وعاصرت الاحتلال الإنجليزى، وأنا طفل وبالرغم من أنى لم أكن واعياً بشكل كاف لكن قررت أن أدخل الجيش لكى أطرد الاستعمار البريطانى من مصر، وحين قام عبد الناصر بالثورة طرد الإنجليز من مصر بعدها بدأنا نشعر أننا دولة فى دولة حقيقية.


بعدها تخرجت فى الكلية الحربية سنة ١٩٦٤برتبة ملازم ثان وبعد ما تخرجت بـ٦ شهور حصلت على فرقة الصاعقة ثم سافرت فى ديسمبر ١٩٦٤ اليمن وعدت فى مايو ١٩٦٧ قبل حرب الاستنزاف بأسبوعين أثناء إعلان حالة الطوارئ فى مصر، تحركنا نحو سيناء والعريش واستقرت بنا الأوضاع فى قلب سيناء على الحدود الإسرائيلية.


كيف كانت علاقة الرئيس جمال عبد الناصر بكم فى ذلك الوقت؟


اعترف جمال عبد الناصر بالهزيمة وأعاد بناء القوات المسلحة وطلب عبد الناصر صغار الضباط ممن كانوا فى سيناء وأنا كنت منهم وقال لنا وهذا الكلام مسجل: «أنا أعلم جيدا أنكم دافعتم عن سيناء بحبات الرمال وقولوا لزملائكم أن الاختبار العملى لكم قادم وأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» وبعدها بدأنا من أغسطس ١٩٦٧ نستعد للحرب وبدأنا فى دراسة العدو بنقاط قوته لتجنبها ونقاط ضعفه لإستغلالها وهذا ما وضح فى تخطيط العبور جمال عبد الناصر خرج من القوات المسلحة جميع الأجيال القديمة، وقام بترقيتنا مرتين نحن جيل الشباب الذى اعتمد عليه عبد الناصر كانت الفرقة يقودها فريق أو لواء أصبح يقودها عقيد.


اريد أن تعلم الناس أن ما حدث فى أكتوبر أمر عظيم ولكن لا يجب القفز فوق هؤلاء الـ٦ سنوات أبدا.


ماذا حدث يوم الحرب؟


كنا فى الحرب بمعدات بدائية بمعنى الكلمة ومع ذلك حيرت العالم والنظام الأمريكى والعالمى، زملائنا من ضباط الكلية الفنية العسكرية على سبيل المثال من ضمن الأفكار، الجيش الإسرائيلى قال نحن متخيلين الخطة أن يقوم المصريين بتركيب كبارى والكبارى معدن إذا لا يوجد مشكلة والكوبرى سيأخذ يوم تركيب نستطيع من على مسافة ٣٥ كيلو من الكوبرى بالطائرة أن نرى ذلك ونرسل الرادار ويصب على الكوبرى ويقوم بتصويره وضربه بالصواريخ وخلاص، ومع ذلك لم يستطيعوا ضرب كوبرى واحد من الـ٢٤ كوبرى ولا معبر واحد من الـ٧٨ معبرا ولم يستطيعوا الوصول بسبب عملية التعمية الرادارية، الضباط الصغار أيضا من الشباب قالوا لو كسر الرادار سيكون على الكوبرى نستطيع عمل أشياء يمين ويسار الكوبرى تمتص الإشعاع الرادارى لتبديد الإشعاع الرادارى.


حدث كل هذا والشعب المصرى والإعلام لا يعلم عن الحرب شيئًا وهذا درس يتعلمه الإعلام ويذكره التاريخ، بعد ذلك بدأنا استخدام الإمكانيات المتاحة والمتوفرة لدينا ولم نطلب أشياء غير متوفرة.


تحدثت عن دور الإعلام.. نريد أن نعرف ماذا كان يفعل الإعلام فى تلك الفترة؟


الإعلام لديه مشكلة كبيرة تسمى السبق الإعلامى وهى مشكلة حقيقية ولكن يجب التمييز ما بين الإعلام وقت الحرب والإعلام وقت السلم، وقت السلم الإعلام «براحته» ووقت الحرب يبقى إعلام حرب، يعنى إيه إعلام حرب، أى حرب بنعملها حتى لو كانت حرب التنمية تحتاج من الإعلام أن يركز على النجاح فى الحرب والناس مش واخدة بالها من كده، يعنى مثلا عبد الناصر قال «لا صوت يعلو على صوت المعركة» ويجب على الإعلام التركيز على ما هو ضرورى لكسب الحرب، وعلى سبيل المثال يجب على كل من يقدم محتوى إعلامى أن يسأل نفسه هل ما يقدمه الآن مهم للفترة الحالية، نحن لدينا تحدى التنمية وتحدٍ ثقافى ومجموعة من التحديات إذآ القضية التى تخدمنى فى مواجهة هذه التحديات يجب التركيز عليها غير ذلك يجب إقصاؤه جانبا.


فى حرب أكتوبر كان فى إعلام يقول حقائق وكان يخدم الحرب فى ذات الوقت وعلى سبيل المثال يوم العبور إحنا عرفنا قبلها بساعة ونصف تمام الساعة ١٢.٣٠ لأن السرية كانت مطلوبة ولو لم تكن هناك سرية لواجهنا مشكلة.


هنا أريد التأكيد على جزء مهم جدا أنه فى هذه اللحظة لم يكن أحد يعلم أن هناك حربا فى مصر ولا فى إسرائيل ولا فى العالم كله والمتحدث الرسمى لم يدل بأية تصريحات وكل ما قيل فقط كان وقت الإفطار قيل إن القوات الإسرائيلية قامت باشتباك وتقوم قواتنا بالرد عليهم فقط، وفى اليوم الثانى كانت تتصدر جميع الجرائد صورة الجندى وهو رافع العلم المصرى والعنوان «عبرنا».. بعد ما كنا حطينا رجلنا خلاص وحطينا ٢٠٠ دبابة و٨٠ ألف جندى فى شرق القناة الناس عرفت الصبح والمعركة كانت من الساعة ٢ الظهر وكان ذلك فى صالح المعركة وهذا درس لما يجرى الآن فما بالك فى حرب على الإرهاب تكون حرباً غير متناظرة الجيش يحارب عصابات عنقودية ليس فقط لا يجب ذكر الحقيقة وإنما الخداع مهم فمثلآ عمليات ١ يوليو وما حدث فيها، كل ما يهم المواطن هو كسب الحرب وبأقل التكلفة وبأقل الخسائر، وهنا يبرز دور الإعلام.. وأعتقد لو قارنا ما قلته بما حدث من بعض الإعلام يوم ١ يليو الماضى سنعرف الفرق.


كيف كانت طبيعة المنطقة فى ذلك الوقت؟


نحن نتحدث فى حالة حرب لم يشهد لها مسرح عمليات حتى هذه اللحظة فى العالم، مياة قناة السويس الطبيعى أن لونها أزرق لكن طوال الـ٦ سنوات الحرب كنت أراها سوداء فى عينى والرمال لونها رمادى والمشهد كله كآبة بهدولنا فى الاستنزاف وكان الهدف هو قتل الروح المعنوية كان فى زلزال من حجم نيران المدفعية من ٢٠٠٠ مدفع بالإضافة للطيران حسيت إن مياة قناة السويس لونها أصبح أزرق مرة أخرى ومنظرها يفرح، القادة قالوا لنا افطروا ولكن جميعنا صممنا على الصيام بحيث لو استشهدنا نكون صائمين وكان أطول صيام فى التاريخ.


ماذا عن دور القوات الجوية؟


لا يجب بأى حال من الأحوال إغفال دور القوات الجوية فى نصر أكتوبر العظيم والتمهيد للنصر ويجب الفصل ما بين الأمور السياسية والامور الواقعية التى سجلها التاريخ فى حرب أكتوبر المجيدة، حيث كنا نواجه مشكلة بعد ٦٧ تتمثل فى انخفاض عدد الطيارين وانخفاض عدد الطائرات وقلة عدد المطارات ولا يتجاوز عددها ١٠ أو ١٢ وقدر يغطى بضربة واحدة كل القواعد الجوية الإسرائيلية والتمهيد لقوات المشاة والصاعقة فى العبور.


فى رأيك ما التحديات التى تواجه مصر الأن فى الحرب ضد الإرهاب وكيفية التغلب عليها؟


الإرهاب إلى زوال وكل يوم يمر يثبت ذلك، والتنمية فى سيناء بدأت بالفعل منذ إفتتاح قناة السويس الجديدة وبالإنتهاء من الإستحقاق الثالث وهو إجراء الإنتخابات البرلمانية ستزيد الوضع إستقرارآ من الوضع حاليآ، ولكن ما أود التأكيد عليه هو دور المواطن نفسه، الكثير من المواطنين يظنون أنه بمجرد تغيير الحكومات أن الحال سيتبدل فورا ونصبح فى رخاء وتنمية وهذا أمر غير صحيح لأن الوضع فى مصر لن ينصلح ولن يحدث تقدم إلا إذا قام كل مواطن بدوره على أكمل وجه وكل فى مجاله الطبيب والمدرس والموظف والعامل والفلاح...إلخ، يجب أن نعى تماما أن تقدم مصر وتجاوزها هذه المرحلة الصعبة لن يحدث إلا بنا جميعا وليس الحكومة فقط .