قائد سرية استطلاع فى حرب ٧٣ الكابتن محمود بكر: جيل كامل «بطَّل كورة» بعد ٦٧.. و٧٣ أعادت الكرامة

07/10/2015 - 1:44:11

حوار: محمد القاضى

قد لا تعرف أن ملك قفشات الرياضة فى مصر، المعلق الرياضى المحبوب، الكابتن محمود بكر، كابتن النادى الأوليمبي، فى عصره الذهبي، ورئيسه الأسبق، وعضو اتحاد الكره السابق، هو من الضباط الذين شاركوا فى انتصار ١٩٧٣ .


بكر، الذى كان قائد سرية استطلاع فى حرب تحرير سيناء، ترك مجال الرياضة لمدة ست سنوات بسبب نكسة ١٩٦٧، حيث كانت سبباً رئيساً فى إعتزاله المبكر للعبة كرة القدم، وكان عمره فى وقتها ٢٢ عاماً، لذلك حرصت «المصور» على مقابلته وإجراء هذا الحوار المطول معه حول ذكرياته الكثيرة طوال فترة الحرب، حيث أنه كان موجوداً طوال فترة السنوات الست حتى الانتصار الكبير فى سلاحه المهم .


كيف ترى انتصار حرب أكتوبر بعد ٤٢ عاماً؟


ياه، حرب أكتوبر منحت المصريين العديد من الدروس لا تنتهى من الإصرار والعزيمة والرغبة فى النجاح بما تحويه من أحداث مثيرة يحكيها الأباء والأجداد الى الأبناء والأحفاد ممن خاضوا هذه الحرب أو عاشوا وقتها، حيث لم تنكسر أحلام المصريين عند صخرة هزيمة يونيو ٦٧، ولم يعجز المصريين أمام ضعف القوة العسكرية، عندما فقدت مصر أكثر من ٨٥ ٪ من سلاحها عند الحرب، ولكن التفكير دائماً نحو البناء من جديد، وهو الحلم الذى إستغرق ستة سنوات كاملة، فلم تكن مجرد حرب إنتصرت فيها القوة المصرية على عدوها الأول، ولكنها أصبحت طريق حياة، عندما نتحدث عن المستحيل.


كيف كان التحقاك بالقوات المسلحة؟


فى عام ٦٤ تخرجت من سلاح البحرية برتبة ملازم، ووقتها كنت لاعب كرة قدم فى النادى الأوليمبى فى الاسكندرية، والحمد لله، كان فريقينا مميز جداً بين جميع الأندية الموجودة فى مصر، ثم قمت بالتغيير من البحرية الى الحربية بسبب كرة القدم، لأن وجودى فى سلاح البحرية كان يتطلب منى أن العب داخل فريق البحرية لكرة القدم، ولأنى أعشق النادى الأوليمبى طلبت النقل إلى الحربية، حتى أكون متواجداً لأطول وقت ممكن مع النادى الاولبيمى، وأشارك معه فى بطولات كرة القدم المختلفة، ما بين الدورى العام وكأس مصر، ومع منتخب مصر الوطنى.


ما هو سلاحك طوال فترة خدمكتك العسكرية؟


بدات فى سلاح الاستطلاع، ثم تم الحاقى فى سلاح المظلات ثم علمت فى سلاح البحرية، ومن بعدة عدت الى سلاح الاستطلاع بعد نكسة ٦٧ ، وختمت خدمتى العسكرية فى سلاح حرس الحدود، والتى كانت فى عام ١٩٧٩ ، وخرجت برتبة عقيد.


أين كنت وقت نكسة ٦٧؟


أولاً أريد أن أقول أن حرب ٥ يونيو كانت سبباً فى إعتزال جيل كامل من نجوم كرة القدم المصرية الكبار، حيث إننى كنت العب مع منتتخب مصر الوطنى فى أوغندا مباراة صعبه جداً، ونجحت فى إحراز هدف المباراة الوحيد، ووقتها توقفت حركة الطائرات فى قارة إفريقيا كلها بسبب ظروف الحرب وتوقف حركات الملاحة الجوية، ولن نستطع العودة الى القاهرة فى الوقت المحدد لنا، وإضطررنا الى العودة عن طريق البحر الأحمر ومنه ركبنا القطار الى القاهرة، وكانت مانشيتات الصحف فى مصر وقتها تؤكد اننا سننتصر على إسرائيل فى يوينو ٦٧، وظهرت صورتى على صفحات الجرائد وأنا أركب أحد التماسيح الموجودة فى النيل، وهى إسقاط على التماسيح المشهورة بها أوغندا بصفتى صاحب هدف المباراة الوحيد، الا أن مصر كلها إستيقظت على الخبر الصادم بالهزيمة فى ٥ يونيو، وتوقفت الحياة الرياضية فى مصر بالكامل، وذهبت لتسليم نفسى فى وحدتى بالجيش، وللعلم كان النادى الأوليمبى فى وقتها بطلاً لمسابقة الدورى العام، وتفوقنا على أندية كبيرة فى مصر مثل الأهلى والزمالك والترسانة، و كل تلك الأجيال فى تلك الأندية « بطلت « كورة بسبب الحرب، حيث لم يعود النشاط الرياضى للإنتظام مرة أخرى الا بعد الانتصار الكبير والعظيم فى حرب ٧٣.


ما مهتمك القتالية فى أثناء فترة الحرب؟


لم تكن لى مهمة قتالية، لأننا كنا فى مرحلة الإعداد والتدريب للحرب من أجل تحرير أرضنا، وكان مكانى فى طريق بورسعيد – دمياط، ولأن محافظة بورسعيد كانت مهجرة، كنا نعيش فى الصحراء، لأن هذا الطريق لا ينمشى عليه أى إنسان، إلا المركبات الحربية فقط لا غير، وكان همى الدفاع عن منطقة الدلتا من أى خطر من ناحية العدو فى مدينة بورسعيد، والتى كانت محتله بالفعل، لأنه لم يكن بيننا وبيتن العدو سوى عدد قليل من الكيلو مترات.


ما هى رتبتك وقت حرب ٧٣؟


كنت فى وقتها نقيبا، وتوليت قيادة سرية من الأربعة سرايا التى كانت موجودة فى طريق بورسعيد – دمياط ، وكان الهدف من وجودنا إستطلاع أى تحركات للعدو الإسرائيلى وإرسالها الى مقر القيادة التابعة لنا فوراً، وكنا نعمل ليلاً ونهاراً من أجل تخطى هذا الموقف الصعب الذى وضعنا أنفسنا فيه منذ أن تعرضنا الى الهزيمة فى عام ٦٧ ، وكنا نقدم للجنود الدعم العمنوى الكبير الذى يدفعنا الى تحقيق النصر الذى شاهدة العالم كله فى أكتوبر من العام ٧٣ .


ما هى طبيعة يومك فى طريق بورسعيد دمياط خلال فترة الحرب؟


يومنا كان يبداً من الساعة الخامسة صباحاً، والطابور فى الجيش يعنى طابور للحصول على التعليمات من القيادة سواء فى القاهرة أو المناطق القريبة منا، ومن بعدة ننخرط فى التدريبات مع الجنود حتى يذهب النهار، كما كانت هناك تدريبات فى فترة الليل، لأن الحرب لن تكون فى فترة النهار فقط، كما أننى فى منطقية حساسة للغاية ، حيث أن الطريق الذى أقوم بالإستطلاع له من الممكن أن يكون هناك أى «إبرار» للعدو الاسرائيلى فى فترة سريعة ، والدخول الى شرق الدلتا ومنها الى القاهرة، كما أننا كنا نحمى المدنين، لأن العدو الإسرائيلى لم يكن يفكر على الإطلاق فى الأهداف العسكرية فقط، ولا يفرق بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية على الاطلاق، مثلما حدث فى مأساة أو مذبحة مدرسة بحر البقر فى محافظة الشرقية، والتى نتج عنها وفاة عدد كبير من طلاب المدرسة الأبرياء.


هل تتذكر زملائك خلال فترة الحرب؟


وكنت قائد إحدى تلك السرايا الأربعة، والصدفة وحدها جمعتنى مع ثلاث قواد للسرايا الثلاث الأخرى ليكونوا من محافظة الاسكمندرية، يعنى « بلدياتى « ، وهم جابر المصرى، ورمضان فرج، والجط ، للعلم الجط هو لاعب كرة معروف فى وقتها بين الأندية الإسكندرية.


ما ذكرياتك مع زملائك طوال تلك الفترة؟


بصراحة أيام الجيش من أجمل فترات حياتى التى لن ولم أنسها أبداً، لأنى كنت متواجدا من ٦٧ الى ٧٣ على الجبهة فى القتال، رغم أننى لم أواجه العدو وجها لوجه، ولكنى كنت اشعرر به فى كل لحظة، لأنى كنت مسئول عن الإستطلاع فى مكانى عند أطراف محافظة بورسعيد، كان يتميز بالشدة والحزم حتى لا يكون هناك أى تهاون من جانب الجنود أو القادة، وكنا يومياً نقوم بلعب الكرة عند حلول فترة الليل، وحتى الساعات الأولى من الصباح، لأننا كنا طوال فترة الحرب ننام لساعات قليلة جداً كل يوم، وعندما ياتى الكومندنان للتفتيش علينا اثناء لعب الكرة كنا نهرب بعيداً، ويجرى كلاً منا إلى مكانه بكل سرعه ممكنه، لأن سيارته كان بها لمبة حمراء مميزة نعرف قدومه إلينا منها.


وبالنسبة لزملائك؟


كان ممنوع تحركنا من أماكنا مهما كانت الظروف، وجابر المصرى الله يرحمه كان يحب لعب كرة القدم جداً وفى إحدى المرات قرر الكومندان مجازاته على مخالفة الأوامر ولعب الكرة، وكانت رتبته فى وقتها رائد، فقتام بالإمساك بمدفع الهاون وتسلق اعلى مكان الإستطلاع وهدد بضرب العدو بالهاون اذا تمت معاقبته، والكومندان كان يحب مضايقة جابر المصرى جداً بسبب كرة القدم.


هل كرة القدم كان لها أى تأثير على وجودك فى الجيش؟


كرة القدم كانت سبباً فى « تكديرى « أكثر من مرة فى الجيش، لأنه عندما تم استدعائى بعد نكسة ٦٧ على الفور، كان كل قائد أو كومندان يعرف اننى محمود بكر لاعب النادى الاوليمبيى او منتخب مصر الوطنى، كان يقول لى خلى الكورة تنفعك، ويقوم بإرسالى إلى مكان صعب وبعيد، كأنه عقاب على أننى كنت لاعب كرة قدم.


هل تتذكر أيامك فى بورسعيد؟


عندما اتوجه الى بورسعيد لإذاعة اى مباريات للنادى المصرى أو نادى المريخ عندما كان موجوداً فى الدورى الممتاز اقوم بالتوجه الى المنظقية التى كنت اخدم فيها فى القوات المسلحة اثناء فترة خدمتى العسكرية وقت الحرب، وهى تسمى ( الديبة)، والان كلها بيوت وشوارع ، ووقت الحرب كانت صحراء فارغة من كل مظاهر الحياة، ولا كنت اتوقع ان يعيش فيها اى بنى ادم الان .


ما حكاية شقيقك الأكبر الشهيد نبيل الوقاد؟


المرحوم الشهيد نبيل الوقاد كان أخى الاكبر منى، وكان يعمل فى سلاح الصاعقة فى القوات المسلحة مع جلال هريدى، ثم إنتقل الى العمل فى الحرس الجمهورى ، وقبل أن تندلع حرب اليمن أو يسافر الجيش المصرى من أجل تحرير الاراضى اليمنية، وإعطائهم الحرية والاستقلال من الحكم الملكى الذى كان يسيطر عليها، ارسل الرئيس جمال عبد الناصر بالإتفاق مع المشير عبد الحيكم عامر فرقة إستطلاع الى اليمن من أجل رصد كل شئ موجود هناك سواء مدنى او عكسرى ومعرفة الحالة قبل ان يتم إتخاذ قرار نهائى بدخول الحرب ام لا ، وكانت المجموعة الأولى التى تخص الاستطلاع الموجودة فى اليمن ممنوعة من القتال نهائياً .


كيف خرجت من الخدمة الجيش؟


قررت أن أتفرغ الى المجال الرياضى، وكان عمرى فى وقتها ٣٧ عاماً، وكانت رتبتى مقدم، وكانت هناك لجنة يتم إتعقادها من اجل احالة الضباط الذين يرغبون فى التقاعد الى المعاش، فقدمت اوراقى فوراً، وحصلت على الترقية، فأصبحت عقيد، رغم اننى كنت على وشك أن أحصل على نفس الترقية لكى أكون قائد فوج، والحمد لله الجيش اكرمنى ، حيث حصلت عند الخروج الى المعاش على راتب ٤٠ شهراً دفعه واحدة لأول مرة فى تاريخ القوات المسلحة.