اللواء محمود منصور قائد أول سرية عبرت القنال : مقاتل صاعقة هزموا ٦٣ دبابة إسرائيلية فى معركة « وادى الحاج»

07/10/2015 - 1:37:29

  اللواء محمود منصور في حواره مع الزميل عبد اللطيف حامد اللواء محمود منصور في حواره مع الزميل عبد اللطيف حامد

حوار - عبد اللطيف حامد

مائة مقاتل مصرى فى إحدى كتائب الصاعقة فى الجيش الثالث الميدانى كانوا أول من عبروا قناة السويس يوم ٦ اكتوبر ١٩٧٣ وزرعوا العلم المصرى على الضفة الشرقية غير عابئين بنيران العدو المتدفقة كالسيل العارم من هول المفاجأة، وخطة الخداع الإستراتيجى التى نفذتها القوات المسلحة المصرية بامتياز أذهل كل القادة العسكريين فى العالم قبل المحللين الإستراتيجيين.


رجال هذه السرية بعددهم وعتادهم المحدود خاضوا ثلاث معارك ضد القوات الإسرائيلية المدججة بأحدث ترسانة الأسلحة الغربية والأمريكية، ودمروا فى موقعة المصاطب ٨ دبابات إسرائيلية من بين سرية قوامها ١٣ دبابة، وهربت ٥ منها قبل أن ينالها نفس المصير، وفى المعركة الثانية استولى الأبطال على موقع كامل لمدفعية العدو، بل استطاع ٦٤ مقاتلا منهم فى المعركة الثالثة عند وادى الحاج الموازى لممر “متلا” الصمود فى مواجهة ٦٣ دبابة إسرائيلية، وإحراق ٩ منها، وإجبار الآخرين على الهروب يوم ١٥ اكتوبر مما خفف الضغط على القوات المسلحة القادمة للهجوم.


قصص من ملحمة النصر يرويها لنا فى هذا الحوار اللواء محمود منصور قائد سرية المحاربين المائة الذى يصر على تذكر أسماء هؤلاء الشجعان ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ويسبق كلامه عنهم حتى الحديث عنه رغم أن القائد، لابد من توثيق بطولاتهم لتروى على مر العصور، وتجد فيها الأجيال القادمة القدوة والمثل فى الفداء والتضحية من أجل الوطن.


متى بدأت الاستعداد لحرب أكتوبر المجيدة ؟


الاستعدادات لدخول المعركة ضد العدو بدأت على الأرض بمجرد لملمة شمل القوات المسلحة العائدة من سيناء إلى غرب القناة بعدما حدث فى يونيه ٦٧، حيث وضعت خطة لإعادة بناء القوات المسلحة شارك فى تنفيذها كافة أبناء الوطن وشملت عملية استعواض الأسلحة والمعدات، ورفع الكفاءة القتالية للقوات بالإضافة للنشاط الرئيسى الذى تمثل فى رفع الروح المعنوية وتلقين القيادات والقوات عقيدة قتالية يترتب عليها إمكانية تحقيق النصر العسكرى وفى الوقت نفسه كان لاهتمام قيادة الدولة والقيادة العامة للقوات المسلحة دور كبير تجسد فى تحركات الرئيس جمال عبد الناصر والفريق الأول محمد فوزى القائد العام للقوات المسلحة والفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة.


وبالتأكيد كان للاهتمام العلمى والدراسى والتدريبى تأثيره الواضح على كفاءة القوات لذلك بدأت العمليات الإيجابية ضد العدو فى شرق القناة، ومنها العمليات الخاصة للصاعقة وقوات المشاة بالإضافة إلى عمليات القصف المركز ضد قوات العدو ونيران المدفعية مما أحدث نقلة نوعية فى الحالة المعنوية والعسكرية للقوات المسلحة المصرية فى زمن قياسى، ثم انتقلت وحدة القوات لتنفيذ خطة جديدة تهدف إلى تحقيق مستوى تدريب متميز بالمقارنة بقوات العدو.


وماذا عن عمليات الإستطلاع ودور المخابرات المصرية فى تزويد القوات المسلحة بالمعلومات عن العدو؟


فى مرحلة التحضير لحرب اكتوبر تم تنشيط عمليات الإستطلاع فى عمق قوات العدو بالإضافة إلى أعمال المخابرات الحربية مع النشاط السياسى الدولى لتهيئة الساحة الدولية لإستراداد ما فقدناه فى عام ٦٧ ، وما بين النشاط العسكرى والسياسى والدبلوماسى كانت الحياة تتحرك فى مصر فى خطى ثابتة تجاه الهدف الكبير حتى وصلت القيادة السياسية العسكرية بقيادة الرئيس أنور السادات لتحديد توقيت القتال وتم التنسيق مع الأشقاء فى سوريا حتى أشرفنا على الدخول فى الحرب.


كيف كان الجنود ينتظرون ساعة الصفر لبدء معركة العبور؟


كلما أتذكر هذه اللحظات أتيقن أننا نحن المصريون نختلف عن كافة شعوب الأرض بحالة حب قوية تجاه كلمة مصر بحروفها الثلاثة ولا نجد لدينا كلمة أغلى منها سوى لفظ الجلالة «الله» وفى سبيل الله والوطن فنحن على استعداد لتقديم أغلى ما نملك، ولا نتوانى عن الإقدام على ذلك فى أى لحظة، فقد لاحظت فى السنوات القليلة السابقة على اقتحام المانع المائى أن هناك قناعة لدى أفراد القوات المسلحة جميعا بأن قدراتنا القتالية وصلت للنقطة التى يحق لنا فيها أن نقتحم القناة ونتقدم داخل أرضنا فى سيناء لاستعادة ما أخذ منا بالقوة.


وفى اليومين الأخيرين قبل بدء المعركة فيما سمى بالمشروع التدريبى الإستراتيجى كان هناك حالة اشتياق شديد لدى الجميع باقتحام القناة بالفعل والدخول إلى سيناء.


هل كان هذا المشروع بمثابة بروفة كاملة للحرب؟ ومتى علمت شخصيا بساعة الصفر؟


بالفعل كان الهدف من هذا المشروع التدريبى الإستراتيجى عمل بروفة للحرب إلى أن صدر لى شخصيا أمر ببدء القتال لكونى قائدا لوحدة مقاتلة منفصلة، فقد صدر لى أمر القتال فى الحادية عشر وربع صباح يوم ٦ اكتوبر مع التأكيد على عدم إبلاغ أى مستوى آخر بالمعلومات التى صدرت بأمر القتال، وحينما انتقلت إلى مكانى بين مقاتلى الوحدة فى منطقة الجباسات فى المواجهة الأمامية للجيش الثالث الميدانى وجدت عيونهم تحاول أن تقرأ عيونى وألحوا على لمعرفة آخر التطورات، ولكنى كنت أكثر حرصا على سرية اقتحام قناة السويس، وبالفعل استمرت تساؤلاتهم فى خلال المراجعات الأخيرة سواء لى أو لضباط السرية محمد عارف والشهيد محمود حسن عبد البارى والشهيد عبد المجيد شقير إلى أن حان الوقت وبدأت فى لحظة واحدة المدفعية المصرية تصب جام غضبها على الجبهة الشرقية من القناة حيث يقبع الإسرائيليون الصهاينة وتلتها فى التو الطائرات المصرية لتقصف دشمهم ومواقعهم.


ما الدور الذى قامت به الكتيبة ١٦٣ التى كنت تقودها باعتبارها السرية الأولى التى عبرت قناة السويس؟


بمجرد بدء المعركة سارعنا فى السرية للنزول فى القوارب إلى مياه قناة السويس لاقتحامها تحت وابل من النيران المعادية وفى الوقت نفسه ساتر نيران مضادة من جانب قواتنا الرئيسية حتى استطعنا برحمة من الله الوصول إلى الشاطئ الشرقى وامتطينا الساتر الترابى الذى أقامه العدو بارتفاع ستة عشر متر لنزرع عليه علم مصر يرفرف خفاقا مناديا بالعزة لمصر والأمة العربية، ثم تقدمنا لنواجه قوات العدو على الأرض وجها لوجه، ليكون رجل الصاعقة المصرية فى مواجهة الدبابة الإسرائيلية المجنزرة لتنتصر سرية صاعقة مصرية فى عز الظهر على سرية دبابات مجنزرة وتحرم إسرائيل من موقع كان مخططا له أن يستخدم لإعاقة مرور القوات الرئيسية المصرية.


إلى متى استمر القتال فى اليوم الأول من المعركة مع العدو؟


مع مشارف مغرب يوم السادس من اكتوبر كانت القوات الرئيسية من المشاة والأسلحة المصرية قد عبرت بكاملها إلى الشاطئ الشرقى، وتقدمت داخل سيناء لتحصل على راحة قليلة ليلا لاستعواض الأسلحة والذخائر وتخلى الشهداء والمصابين، ولتتقدم سرية الصاعقة المصرية على أرضها المحررة بدماء الشهداء محمود حسن عبد البارى ومحمود الأكشر، وابراهيم عبده مهران، ثم تقدمت إلى الجنوب من سيناء فى منطقة عيون موسى لتكسر إرادة إسرائيل وصلفها من خلال السيطرة على مربض مدفعية «موقع مجهز» ١٥٥مللى ذات الحركة، وتتمكن سريتنا من أسر اثنين من الإسرائيليين، وبعد استشهاد المقاتل الشرس سمير عباس حصلنا على استراحة مقاتل حتى صدرت أوامر قائد الجيش الثالث الميدانى اللواء عبد المنعم واصل لتأمين تطوير هجوم الجيش الثالث الميدانى فى عمق سيناء لتخفيف الضغط عن دمشق.


ما هى أخطر المعارك التى خاضتها السرية الأولى من الكتيبة صاعقة؟


فى يومى ١٤ و١٥ اكتوبر تسللنا إلى داخل عمق القوات الإسرائيلية المعادية فى درب الحاج شمال ممر متلا، حيث نصبنا كمينا لكتيبة دبابات إسرائيلية لمنعها من التأثير على النشاط الهجومى المصري، ونجحت السرية (أ) بأبطالها المقاتلين فى تنفيذ مهتمتها فى ظلمة الليل وهو الجو المناسب لقتال وحدة صاعقة محدودة العدد والعتاد فى مواجهة ٦٣ دبابة معادية من أحدث ما انتجت المصانع الغربية، وشارك فى هذه المعركة مصطفى حسن عويس ، وبرزت بطولات الضباط محمد عارف انور حسن، وعبد المجيد شعير والرقيب السيد رشوان عبد العاطى وثابت حمدى كمالى ومحمد عبد الله حربى ابن السويس، أما الجنود الرائعون المتميزون فى شجاعتهم فهم محمد عبد الستار السيد ومحمد عبده جلال وبشرى لبيب عبد المسيح وحسنى محمد رشاد وصلاح عبد الملك وفؤاد عبد الحى البيطار ابن طنطا وعبد المعز محمود البيومى ابن قرية صناديد بالغربية والريس عيد محمد خليل ابن الحميدات فى نجع جربو بقنا، ومحمد أمين القناوى وحسن عبد الوهاب منصور من قرية سدس الأمراء ببنى سويف، وغيرهم كثيرين لا تسعفنى الذاكرة على تذكر أسمائهم الآن.


كم كان عدد افراد السرية الأولى بالكتيبة صاعقة بالجيش الثالث الميدانى؟


العدد التقريبى كان حوالى مائة مقاتل، وخضنا ثلاث معارك رئيسية منها معركة المصاطب ضد سرية دبابات اسرائلية مكونة من ١٣ دبابة فى عز الظهر ونجحنا فى تدمير ٨ منها وهربت ٥ منها قبل المغرب، أما المعركة الثانية فكانت ضد موقع مدفعية إسرائيلية ونجحنا فى الاستيلاء عليه كله لأن الإسرائيليين هربوا عندما شاهدوا جنودنا الأبطال، أما المعركة الثالثة فكانت عند درب الحاج الموازى لممر متلا حيث كنا ٦٤ مقاتل فى مواجهة ٦٣ دبابة إسرائيلية، وأنا شخصيا رغم أصابتى فى اليوم الأول للمعركة برصاصتين اخترقتا جسدى إلا أنني لم أكل أو أتوقف عن موصلة القتال، وفى هذه المعركة دمرنا ٩ دبابات فى يوم ١٥ اكتوبر وفر الباقون فى عدة اتجاهات قبل أن يلقوا نفس المصير، وتمكنا من تخفيف الضغط على القوات المسلحة القادمة للهجوم.


كيف كانت علاقة القادة بالجنود خلال فترتى التجهيز للحرب وأثناء المعارك؟


من أفضل الإنجازات التى تحققت على أرض مصر بعدما حدث فى ٦٧ هو التغير فى العلاقة بين القيادات وبعضها وبين القيادات والمقاتلين من المجندين وضباط الصف لقد تحولت الوحدة القتالية إلى خلية مسئولة عن إنتاج كفاءة قتالية تجعلها قادرة على تحقيق المهمة التى تطلب منها فى مواجهة الجيش الإسرائيلي الذى يمتلك مقاتل مستورد من أوربا، ومزود بأحدث ما أنتجته ترسانة الأسلحة الغربية، وبالتالى حدث اندماج كامل إنسانيا وعمليا وحياتيا بصفة يومية فى كل حركة فى هذه الوحدة المقاتلة المصرية، وارتفعت الكفاءة القتالية لأن الضابط نقل كل ما لديه من معلومات إلى جنوده وأشركهم معه فى ابتكار أحدث الأساليب الملائمة لمقاتلة العدو مع تطبيق المعلومات التى أمدتنا بها المخابرات الحربية المصرية عن كافة وحدات الجيش المعادى، بالإضافة إلى تقوية قناعة المقاتلين جميعا وتدعيم إيمانهم بوطنهم وحتمية النصر الذى لا عوض عنه فى مواجهة الهجمة المستغربة ضد القوية المسلحة المصرية بكافة الصور لأن ما حدث فى ٦٧ كان بمثابة نصر إسرائيلى مخطوف وليس نتيجة قتال حقيقى.


ماذا تقصد بأنه كان نصر مخطوف؟


لأنه حدث نتيجة عملية خداع دبلوماسى وسياسى دولى وتستر من دول كبرى لصالح إسرائيل وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا كالعادة.


كيف تفرغ المقاتل والجندى المصرى لمهمة تحقيق النصر؟


كان هناك حالة رعاية اجتماعية لكل مقاتل يحتاج إليها بمعرفة متخصصين فى القوات المسلحة مما كفل للمقاتل استقرار اجتماعى جعله يتفرغ كليا لمهمته القتالية، وأنا شخصيا استفدت من خبرات والدتى الحاجة صفية الجوهرى لتحسين جودة طعام مطبخ الوحدة التى كنت أقودها، حيث كنت أقوم يوميا بعمل «عزومة» غذاء لجميع أفراد الوحدة، ووسط هذه العلاقات الإنسانية الرائعة عشنا واقتحمنا قناة السويس وقلوبنا متآلفة ومصرون على النصر يتقدمنا جميعا الإحساس بأن كلا منا بطل من زمرة مقاتلين على راياتهم اسم مصر.


كان هناك بعض المشككين فى إمكانية خوض مصر معركة العبور..فمن كان يقف ورائهم وما تأثيرهم على الجنود؟


الإعلام المعادى الذى مارسته اذاعات صوت إسرائيل وبى بى سى البريطانية وإذاعة مونت كارلو وصوت أمريكا لعب دورا فى هذا الاتجاه، وهو نفس الدور الذى تقوم به الآن قناة الجزيرة الصهيونية وقنوات آخرى مدعومة من نفس الجهات، وكان للدور البارز الذى ركزت عليه القوات المسلحة بشأن التثقيف الإعلامي من خلال الوقت المخصص ضمن التدريب للشئون المعنوية للمقاتلين أثر ايجابي وقوى كان كفيلا بتكسير تلك المزاعم المعادية لمصر.


كيف نوثق بطولات الجنود والقادة فى حرب اكتوبر على الوجه السليم؟


مازالت مصر تملك بين أيديها بقية من مقاتليها فى حرب النصر وكل منهم يحوى فى عقله وذاكراته خبرات ومعارف مهمة عن الحرب، ويمكن أن نسجلها خصوصا إذا حرصت وسائل الإعلام أن تستمع إليهم ، وهم منتشرين فى قرى ونجوع ومدن وأطراف مصر، فهيا لنلحق بهم قبل أن يسبقنا الزمن.