«حرب أكتوبر» علامة فارقة فى التاريخ

07/10/2015 - 1:09:06

  د. مصطفى الفقى د. مصطفى الفقى

بقلم - د. مصطفى الفقى

سوف يظل صاحب القرارين؛ قرار الحرب وقرار السلام “أنور السادات” محتفظًا بمكانة خاصة في التاريخ المصري كله لأن القرارين – مهما اختلف البعض معهما أو مع أحدهما – يمثلان تحولًا كبيرًا في الفكر السياسي المصري والخروج من حالة الركود والاستسلام للواقع إلى روح حيوية متجددة تحاول تغيير ذلك الواقع اعتمادًا على إرادة الشعب وصلابة جيشه الوطني، كانوا يقولون عن شاعر الثورة العرابية “محمود سامي البارودي” إنه “رب السيف والقلم” وهي هنا تنطبق أيضًا على رجل الدولة “أنور السادات” في الحرب وفي السلام إذ إن إقدامه على قرار السلام كان مستحيلًا ما لم يحقق قبله انتصار “حرب أكتوبر” الظافرة بنتائجها الباقية عبر التاريخ كله.


فالأجيال الجديدة من شبابنا لا تعرف ما كان يتردد عن “خط بارليف” وقتها باعتباره أكبر حاجز ترابي في التاريخ يسبقه أكبر مانع مائي في التاريخ أيضًا وهو “قناة السويس”، ولكن جسارة الجندي المصري ورشد قيادته استطاعا أن يعبرا بنا إلى واقع مختلف بهر العالم وهز الدنيا، إنني شخصيًا كنت دبلوماسيًا شابًا في السفارة المصرية في “لندن” حينذاك وفوجئت باختلاف مفاجئ في المعاملة من الجانب البريطاني بدءًا من سائق التاكسي إلى الدبلوماسيين في الخارجية بـ”لندن” مرورًا بموظفي البنك الذي تتعامل معه السفارة، الكل يعيد النظر إلينا باحترام من نوع مختلف وتقدير لبلد رفض الهوان ودفع ضريبة الدم من أجل حريته واسترداد أرضه واستعادة كرامة شعبه، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن موقفنا إقليميًا ودوليًا قد تغير هو الآخر فالتقت العرب على كلمة سواء، ودعم العاهل السعودي الملك “فيصل بن عبدالعزيز” النضال المصري بقراره حظر بيع “النفط” للدول المساندة لـ”إسرائيل”، وبذلك تغير المسرح السياسي العالمي، بل إن الاقتصاديين الدوليين يرون أن نتائج “حرب أكتوبر” هي التي شكلت المناخ الاقتصادي في العقود الأخيرة وحددت مراكز القوى فيه وأعطت لدول “البترول” العربي وضعًا سياديًا في الأسواق سمح لها بالحصول على ثروات كبيرة، وهكذا لا يقف تأثير “حرب أكتوبر” عند حدوده العسكرية أو السياسية، بل إنه يتجاوز ذلك إلى التأثير المباشر في الاقتصاد العالمي، والأجيال الجديدة لا تعرف أيضًا شبح الهزيمة الذي سيطر على المناخ المصري منذ عام ١٩٦٧ حتى عام ١٩٧٣ في ظل تدهور اقتصادي واضح وتراجع في البنية الأساسية وضعف شديد في الخدمات المطلوبة من كل فئات الشعب، ولكن ظل الشعب المصري حينذاك واقفًا كالنخيل الباسقة يتطلع إلى الأمام بكل الأمل تحت قيادة الزعيم الراحل “جمال عبدالناصر” الذي بدا كالأسد الجريح الذي لا يقبل الهوان ولا يستسلم للهزيمة، تلك هي روح “مصر” منذ فجر تاريخها حتى الآن والتي سوف تظل ملازمة لها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، إنها “مصر” الأبية التي تستلهم من حضاراتها أسباب العزة وعوامل الكبرياء، وتستمد من عمرها الطويل دوافع الصمود والإصرار، لأنها تعرف أنها بلد مستهدف يحيط به الطامعون ويتطلع إليه الحاقدون، فما من بلد في العالم عرف من الضغوط الخارجية ما عرفته “مصر” بحكم موقعها الفريد وتاريخها التليد وثقافتها المتميزة وهويتها التي امتزجت فيها “آثار الفراعنة” بروح العرب ونقاء “الإسلام” وعمق “المسيحية”، إن الذين قالوا إن “حرب أكتوبر” كانت هي آخر الحروب لم يكونوا يتحدثون عن النوايا الإسرائيلية التي اعترفت ولأول مرة في تاريخها – وفي أحدث التصريحات- بأنها لم تحقق انتصارًا على الجيش المصري، بل إن العكس صحيح حيث ذكرت أقوالهم وكتاباتهم بأن عنصر المفاجأة المصري ليس له نظير في تاريخهم كله وأن المصريين المعروفين بالانفتاح الاجتماعي إلى حد “الثرثرة” أحيانًا قد تمكنوا من إحداث أكبر عملية تمويه عسكري وخداع استراتيجي في التاريخ وأن الدولة العبرية لم تتلق هزيمة على امتداد الصراع “العربي الإسرائيلي” مثل تلك التي كبدهم إياها الجيش المصري، وقديمًا قالوا (إن شهادة الخصم مزدوجة التأثير لأنها تعني اعترافًا - لا شبهة فيه - بالحقيقة التي يقبلها رغم مرارتها) وسوف يظل الشعب المصري معتزًا بتلك الأيام المجيدة من تاريخه، ففي أثناء “حرب أكتوبر” ولأسابيع بعدها اختفت “الجرائم الجنائية” تقريبًا ولم تحدث اختناقات تموينية رغم ظروف الحرب وأجواء المعركة، وهانحن نمر الآن في هذه المرحلة من تاريخنا الوطني باستهداف دولي وإقليمي واضحين ولكن الشعب الذي كان قائدًا في “الحرب” ورائدًا في “السلام” سوف يجتاز المحنة ويقهر الصعاب ويمضي في طريقه نحو غاياته العليا وتأكيد سيادته الدائمة حتى يحصل المصريون على ما يستحقون من مكانة رفيعة وصحوة واعية.. “مصر” كانت ولاتزال وسوف تظل شمسًا لا تغيب!