من خزينة أسرار جيهان السادات

07/10/2015 - 12:59:45

  محمد الحنفى فى أحد لقاءاته مع جيهان السادات محمد الحنفى فى أحد لقاءاته مع جيهان السادات

كتب - محمد الحنفى

شاءت الأقدار أن ألتقى بالسيدة جيهان السادات ٣ مرات على فترات، وفى كل مرة أجد عندها من الأسرار الكثير، والأهم من ذلك كله وفاؤها وحبها بل عشقها لبطل الحرب والسلام زوجها الزعيم الراحل أنور السادات، فرغم مرور ٣٤ عاماً على رحيله إلا أن السيدة جيهان مازالت تتحدث عنه بحب رهيب وكأنه لايزال حياً، تتذكر أدق التفاصيل منذ عرفته قبل ثورة يوليو بـ ٣ سنوات وتزوجته وعمرها ١٦ عاماً بذاكرة نحسدها عليها.. حين أقنعت أهلها وانتزعت موافقتهم عليه بصعوبة فى وقت كان لا يملك فيه مليماً واحداً.


عاشت معه على “المُرة قبل الحلوة” وعند رحليه المفاجئ عن الدنيا مات فقيراً ولم يترك إلا ديناً للبنك قدره ألف جنيه سددته بعد وفاته، والأهم من ذلك كله أن السيدة جيهان تؤثرك بطيبتها وبشاشتها وكرم ضيافتها وتواضعها ولباقتها وكلماتها المرتبة وجمالها.


السيدة جيهان كشفت لى أسراراً ربما تُنشر لأول مرة عن قصتها مع الرئيس الراحل أنور السادات وحياتها بعد رحيله.


عندما سألتها كيف تتعامل مع مفارقة صعبة بين حدثين أحدهما “مُر” والآخر “نصر” لا ينسى، أقصد ذكرى رحيل أنور السادات التى تواكب ذكرى النصر العظيم، والمسافة الفاصلة بينهما ٨ سنوات..أجابت بأنها فى السنوات الأولى لرحيله كانت تعتبر السادس من أكتوبر يوماً بالغ الحزن فى حياتها.. ولكن بمرور السنوات اعتقدت أن الله أراد ذلك وأنه اختار تاريخ استشهاده ليواكب تاريخ نصره حتى لا ينساه أحد.. فكلما احتفل الشعب بنصر أكتوبر ترحم عليه.


ولما سألتها عن تصورها لتلك المفارقة الغريبة التى لم يتوقعها أحد مهما “شطح” به الخيال بأن يكون يوم نصره هو يوم استشهاده، ردت بمنتهى الثقة “إنه أنور السادات” الذى عشق التناقضات طوال حياته.. كافح واعتقل ونام على الأرصفة وعمل تباعا وعتالا وسائق لورى، وفى ذات الوقت كان ضابطاً بالجيش، وكان هذا منصباً رفيعاً فى ذلك الوقت، السادات كان بطل الحرب ورائد السلام، وهذه كلها أضداد أو متناقضات.


وفى كل مرة ألتقيها أحب أن أستمع من السيدة جيهان السادات لقصة ارتباطها بالزعيم أنور السادات، وفى كل مرة أيضا تلمع عيناها من السعادة وهى تحكى تفاصيل القصة وكيف كانت تخوض تحدياً صعباً فى ذلك الوقت، عندما كان يستحيل عليها أن تتزوجه دون موافقة أهلها خاصة أن عمرها وقتها لم يتجاوز الخامسة عشرة، وفى ذلك الوقت كان أنور خارجا من السجن.. مطاردا.. وعنده ٣ بنات ولا يملك من الدنيا شيئا.. فكان لزاماً عليها أن تسايس أهلها حتى يقبلوه.


السيدة العظيمة بذلت محاولتين فى طريق الإقناع، عندما دبرت لحبيبها لقاءين مع والدها ووالدتها، فى المرة الأولى فشل بسبب اندفاعه فى الرد على سؤال لأمها عن رأيه فى الزعيم الانجليزى تشرشل، فأجابها أنور بأنه “لص” ونسى أنها سيدة انجليزية، تعشق تشرشل وتعتبره بطلاً، وفى المقابلة الثانية نجح “أنور” لما دخل لوالدتها من باب الثقافة؛ لأنها كانت قارئة جيدة جداً، تحترم الشخص المثقف ولهذا السبب وافقت عليه. أما والد السيدة جيهان السادات فقد أبدى إعجابه بأنور وسانده ودعمه من منطلق أنه “بيشترى راجل”.


ومادمنا نتحدث عن الزواج كان لابد أن أعرف من السيدة جيهان السادات كيف كانت “شبكتها “ وكم كان مهرها ؟ وبصراحتها المعهودة أجابت بأنه عندما تقدم لها كان لا يملك مليماً، وأن أباها هو الذى اشترى لها الشبكة من جيبه الخاص، وأنور وعده برد قيمتها عندما تتحسن ظروفه.. ومازالت جيهان تحتفظ بهذه الشبكة حتى الآن، هى عبارة عن فراشة من الذهب المرصع بالألماظ.


أيضا سٍألتها كيف تحملت السنوات الأولى لزواجها من رجل فقير وهى ابنة أسرة ميسورة الحال، فقالت:


طبعاً حياة بسيطة “قدر المستطاع” لكن حبى له وثقتى فيه جعلانى أتحمل كل شىء من أجله.. أذكر أنى أحياناً كنت أقضى يومى على ساندوتش فول أو جبن وأحمد ربى عليه.. لم أشكُ لأبى أو لأمى شظف العيش أبداً، ولا أنسى والدى الذى كان يمدنا “بالتموين” بين الحين والآخر دون علم زوجى حتى لا يجرحه، الحب كان يجعلنى سعيدة بحياتى رغم قسوتها ورغم “الزنقات” الشديدة التى مررت بها.


ومن الأمور التى حرصت على استيضاحها من السيدة جيهان السادات وأثارت جدلاً كانت مسألة طلاقه أو انفصاله عن زوجته الأولى السيدة الراحلة إقبال ماضى هل تمت قبل ارتباطه بها أم بعده ؟ وبثقة شديدة وقاطعة قالت:


إطلاقا.. أنور انفصل تماماً عن زوجته الأولى، وهو فى السجن قبل أن ألتقيه بسنوات وهو اللى طلب منها ذلك، وأخبرها به عندما رفض زيارتها له، حتى ابنته أعلنت هذه المعلومة.. بدليل أنه عندما خرج من السجن طلقها، ولم يذهب إلى بيته بل اتجه إلى زوج ابنة عمتى بالسويس وأقام معه، وهناك تم التعارف بيننا.


وهنا تشجعت وسألتها إن كانت باعدت بينه وبين بناته من زوجته الأولى فأجابت:


إطلاقاً أنا كنت أعاملهن مثل بناتى بالضبط.. والسادات كان أباً مسئولاً لا يتقاعس عن أداء دوره كأب! وهنا قاطعتها: ألم يميز بين بناتك وابنك الوحيد جمال وبين بناته من السيدة إقبال ماضى؟!


الحقيقة أن الظروف اختلفت فأولادى “٣ بنات وولد” ولدوا وتربوا ولعبوا معه، عاش طفولتهم لحظة بلحظة بعكس ظروفه مع بناته من زوجته الأولى.. فلم يعش طفولتهن، ولم يقض معهن وقتاً كافياً لأنه كان مطارداً وهارباً ومسجوناً. ربما كان أكثر ارتباطاً بأولادى لكنه لم يفرق بين أولاده.. وهناك مسافة اختلاف كبيرة بين الارتباط.. والتفرقة!


وأذكر أنى لمحت فى عينيها حباً جارفاً مازال يتدفق للرئيس الراحل وهى تجيب عن سؤالى حول وصفها لشخصيته قائلة:


شخصيته كانت مجموعة من التناقضات “حرب وسلام”، “نصر واستشهاد” حتى على المستوى الشخصى، كان مقاتلاً ومناضلاً قوياً وشجاعاً.. وفى نفس الوقت كان رومانسياً ضعيفاً أمام كلمة حلوة وأمام “وردة جميلة”، وقد تندهش لو علمت أنه كان لا يطيق رؤية ابنه جمال وهو يأخذ “حقنة” أثناء مرضه!


واسمحوا لى أن أترككم مع بعض الأسئلة الشيقة التى طرحتها على السيدة جيهان السادات وكانت إجاباتها عليها أكثر تشويقاً:


هل توقعت أن يكون لأنور السادات شأن يوماً ما؟


لا طبعاً، أنا تزوجته وهو خارج لتوه من السجن، بسيط فقير لكنه كان ضابطا بالجيش، وهذا فى حد ذاته منصب مرموق.. لكنى أتذكر ما قاله لى العراف ونحن فى سنة أولى زواج عندما كنا نجلس فى أحد الكازينوهات على النيل بمنطقة الروضة، انتظاراً لرد من مكتب وزير الحربية “حيدر باشا” بشأن العفو عنه وإعادته إلى عمله.. وكنوع من التسلية أعطيت العراف يدى.. وضع “بودرة” عليها ومسحها ونظر لى جيداً، وقال ستنجبين أربعة أغلبهن بنات.. وستكونين أهم سيدة فى مصر.. وقتها ضحكنا كثيراً لكن كلامه ظل عالقاً فى ذهنى وتعجبت جداً عندما تحقق!


حدثينا عن حياة جيهان السادات.. عندما كانت سيدة مصر الأولى؟


كانت حياة مليئة بالعمل الاجتماعى.. كونت جمعية الوفاء والأمل لرعاية مصابى الحرب، وأسرهم وكذا جمعية SOS لرعاية الأطفال.. وكنت دائماً ما أحاسب نفسى على كافة تصرفاتى كزوجة لرئيس الجمهورية.


ألم تستغلى نفوذك كحرم رئيس الجمهورية؟


إطلاقاً.. وأتحدى أن يثبت أحد ذلك.


البعض قال جيهان كانت تحكم مصر فى عهد السادات؟!


كذب وافتراء.. كيف أحكم مصر ورئيسها أنور السادات الرجل القوى الريفى الأصل.. كلها شائعات.


ألم يغير المنصب فى شخصيتك ؟


لم أتغير؛ لأنى أتمتع بشخصية قوية قيادية طول عمرى، وهذا فضل من عند الله.. وعندما أصبحت حرم رئيس الجمهورية فكرت هل أجلس فى البيت وأتفرغ لاستقبالات الرئيس للملوك والرؤساء وزوجاتهم أم أخرج وأواصل رحلتى مع العمل الاجتماعى ومساعدة المحتاجين؟ فوجدت أنى بطبيعتى أميل للعمل الاجتماعى وخدمة الناس، من هذا المنطلق بدأت التجربة فى مدينة (تلا) بمحافظة المنوفية ثم تطورت حتى طالت كل مكان فى مصر، والحقيقة كنت فى غاية السعادة؛ لأنى كنت أتذوق حلاوة وثمار هذا العمل الخيرى التطوعى.. وكنت دائماً أقول «ربنا منحنى نعمة عظيمة كحرم رئيس الجمهورية وينتظر منى ماذا سأقدم له على عطيته الغالية».


إذا كنت لم تتأثرى بكونك حرم رئيس الجمهورية فماذا عن الأبناء؟


حرصت أنا وأنور على تربية الأولاد وفصلهم تماماً عن الأضواء وعن طبيعة عمل والدهم، حتى عندما أصبح رئيساً للجمهورية كنا بالبلدى «محوطين عليهم» يعنى ربيناهم بعيداً عن جو السلطة حتى
لا يتأثروا به، وأذكر موقفا حدث مع ابنى جمال عندما انتقل إلى مدرسة سان جورج الإعدادية بمصر الجديدة وجاءنى ذات يوم، وأخبرنى بأنه سعيد جداً بالمدرسة وبالتعامل المحترم معه، وقال لى «تصورى ياماما المدرسة دى جميلة جمال.. الأستاذ بيقول لى حضرتك؟».


وفى اليوم التالى مباشرة ذهبت إلى ذلك المدرس ووبخته وطالبته بعدم التمييز فى المعاملة مع ابنى حتى يتعلم ويلتزم، ويصبح عضواً صالحاً فى المجتمع وينسى تماماً أنه ابن رئيس الجمهورية.. وبالفعل أصبح جمال يعامل كأى تلميذ بالمدرسة، يعاقب فى الفصل إذا أخطأ.


أفهم من ذلك أنك كنت قاسية فى تربية أولادك؟


جداً.. التربية كانت مهمة والتعامل مع الأبناء بحزم كان منهجاً أساسياً فى تربيتهم.


هل كانت فى أجندة الرئيس مساحة للأبناء؟


رغم مشاغله الكثيرة كان حريصاً على الاجتماع معهم الساعة السادسة يومياً على العشاء وهى الوجبة الرئيسة له وكان يستمع جيداً لأبنائه يحكى لهم ويحكون له.


هل كان يميز فى التعامل بين الولد.. والبنت؟


أقول لك بصراحة شديدة كان طبعه كمصرى وفلاح يميل للولد ويحبه، وأذكر أنه كاد يطير من السعادة عندما أنجبت له «جمال»، وكان ترتيبه الثانى بعد ابنتى الكبيرة «لبنى»، ولا تتصور حجم فرحته عندما كبر جمال وأصبح يفتح دولاب أبيه، ويختار منه كرافات يرتديه.. فكان ينادينى وهو مسرور ويقول لى «جمال كبر ياجيجى» السادات كان سعيداً به ويقول له أنت المسئول عن ماما وأخواتك وكان يلقبه بالأسد.


وهل كان جمال يمارس سلطته الذكورية على أخواته البنات؟ خاصة وأنه يمتلك تصريحاً من والده بذلك؟


الحقيقة كان حضورى داخل البيت قويا، وكنت لا أسمح بذلك.


وماذا عن المهندس جمال أنور السادات ؟


ابنى وحبيبى ونور عينى، درس الهندسة وعندما تخرج عمل مع زوج أخته فى شركته الخاصة ثم سافر سنوات طويلة خارج مصر، وحاليا يشغل منصباً قياديا فى إحدى شركات الاتصالات، لم يستغل سلطة والده أبداً ولم يتصرف على إنه ابن الزعيم أنور السادات يوما ما.


بمناسبة الحديث عن دولاب السادات والكرافات.. وباعتباره كان أشيك الرؤساء هل السيدة جيهان وراء شياكته؟!


تقول ضاحكة.. طول عمره شيك وعنده ذوق لطيف.. وأذكر أنه كان يخدم فى الجيش قبل الثورة برفح والعريش فكنا «ندخر» مبلغا ونسافر إلى مدينة غزة، وهى مشهورة بسوق جميل به أقمشة مستوردة، وكنا نشترى قماش بدلة له وفستانا لى، وعندما نرجع إلى القاهرة نذهب لأحسن ترزى يفصل لنا تلك الأقمشة! كنا نفصل حاجتين فقط فى السنة لكن المهم أنها تكون «شيك» ومحترمة.


هل كنت تغارين عليه أو كان يغار عليك؟!


لا هو عمره ما غار على ولا أنا غرت عليه.


معقولة؟


والله خالص.


هل هذه ثقة؟


منتهى الثقة؛ لأنه كان سعيداً بى جداً، وأنا كنت أطير من الفرح به ولا يمكن «يبص» لغيرى.


معذرة.. الرئيس السادات لم يكن وسيماً.. وجيهان كانت رائعة الجمال؟ ألم تحلمى وأنت فتاة بشاب وسيم؟!


أولاً أنا لا يهمنى فى الرجل وسامته أبداً.. تهمنى شخصيته ورجولته.. لم أبحث عن الشعر الأصفر والعيون الملونة.. والسادات كان شخصية تحترم، وله هيبة طول عمره منذ عرفته.


هل كان يستشيرك فى قراراته أم لا؟!


كان يدرسها مع نفسه، وعنده مستشاروه يأخذ رأيهم، وأحياناً كان يأخذ رأيى –كزوجةفى بعض الأمور.


هل استشارك فى قرار الذهاب إلى تل أبيب؟


طبعاً استشارنى.


وماذا كان ردك؟


وافقته وأيدته.


ألم تخش عليه من هذه الخطوة؟


كنت مرعوبة ولا أخفيك سراً أنى تصورت أنه سيذهب ولن يعود حياً من هناك.


هل رافقتيه فى الزيارة؟


لا.. إنها المرة الوحيدة أو الزيارة الوحيدة التى لم أرافقه فيها؟


هل كانت هذه تعليماته ؟


لا.. أنا التى رفضت.


لماذا؟


أولاً هذه زيارة غير عادية لبلد عدو، ويقابل أعداءه وهذه واقعة تحدث لأول مرة بالتاريخ، فأنا رفضت الذهاب معه حتى يكون التركيز كله على أنور السادات.. ولا أجذب الانتباه وأشتت الرئيس.


توقعت أن يكون رفضك مرافقة الرئيس فى رحلة تل أبيب.. يعكس نوعاً من الكراهية لليهود؟


لا.. الكراهية كلمة غير واردة فى قاموس حياتى أنا وأنور والأولاد.. لا نكره أحدا.. ولكن قد نختلف، وهناك فارق بين الكراهية والاختلاف.


ألا تكرهين من يكرهك؟


لا.. حتى الذين يكرهوننى لا أكرههم.


بماذا تفسرين كراهية الناصريين لأنور السادات حتى الآن؟


أنا أستغرب جداً ولا أجد تفسيراً لكراهيتهم، رغم أنه قاد مصر والعرب إلى النصر الوحيد فى العصر الحديث ألا وهو نصر أكتوبر العظيم، رغم أننا نعشق ونؤمن ونحب عبد الناصر، السادات كان من عشاق ناصر، يحبه ويحترمه ويقف إلى جانبه.


سؤال يطرح نفسه.. لماذا لم تكونوا حزباً ساداتياً يتولى الرد على كراهية الناصريين؟!


لأن الرئيس الراحل أوصانى أنا وأولادى بالابتعاد نهائياً عن السياسة ونحن نفذنا وصيته.


بعد الرحيل والابتعاد عن السلطة.. هل خدعتِ أو صدمتِ فى أناس كانوا قريبين جداً منكِ؟


طبعاً.. لكن الصدمة لم تكن كبيرة؛ لأنى كنت أعلمهم وأميزهم وأعرف أنهم منافقون ليس إلا.. اختفاؤهم لم يؤثر فىَ!


هل صدمتك هذه تفسر ابتعادك عن المجتمع المصرى وبقاءك فى أمريكا على مدى ٢٨ عاماً، وعقب رحيل أنور السادات مباشرة؟


تحملت الكثير من السلوكيات المغلوطة والافتراءات والأكاذيب الشديدة علىّ وعلى عائلتنا فى الصحف لكن كان إيمانى قوياً بأنه سيأتى يوم ويظهر الحق، صحيح هذه الأكاذيب كانت تؤلمنى كبشر من دم ولحم ومشاعر لكن كنت واثقة تماماً بأنه سيأتى يوم لا يصح فيه إلا الصحيح.


بصراحة.. انسحابك من العمل الاجتماعى فور استشهاد الرئيس وابتعادك عن السلطة.. هل أجبرت عليهما؟


كان قراراً شخصياً ولم أجبر عليه؛ لأنى مؤمنة بأن كل إنسان يأخذ وقته، وبعدها عليه أن يترك الدفة لغيره.. والإنسان الذى يعرف متى ينسحب، يحترم نفسه.


ألا يحزنك «خراب» مشروعاتك الاجتماعية «الوفاء والأمل» و»قرية الأطفال SOS» بعد رحيلك عن العمل السياسى؟


بالطبع يؤلمنى جداً.


حتى بيت الرئيس فى مسقط رأسه ميت أبو الكوم.. بعتِه.. لماذا رغم أنه كان من أحب الأماكن لأنور السادات؟!


بالفعل ندمت على بيع هذا البيت لكن ما يصبرنى أنى بعته لابن شقيقه أنور عصمت السادات حتى يرعاه؛ لأنه بعد وفاة السادات أصبح ذهابنا إلى هناك نادراً جداً، وخشيت على البيت من الضياع بعدما نُهبت حدائقه وتشققت جدرانه، والحقيقة كنت أتمنى من ابن أخيه أن يحافظ عليه، لكن للأسف غيره وحوله إلى متحف ومزار سياحى وأقام فيه حمام سباحة وكافيتريا.. أنا عاتبة على أنور عصمت لأنه لم يحافظ على البيت بل غيره ومحا معالمه.


أنور السادات قدم الكثير لمصر وكان بطل الحرب والسلام هل تعتقدين أن مصر ردت له الجميل ووفته حقه؟ أم لك عتاب عليها؟


الشعب المصرى مقدر لأفعال أنور السادات.. وكثيراً ما يترحم المصريون عليه ويقولون لى: لولا بعد نظره لكنا لا نزال فى حرب مع إسرائيل لكن بصراحة أعتبر أنه لم يأخذ حقه ودعنى أسألك: هل فترة حكمه تدرس فى المدارس؟ تقدر تقول لى هل طلبة المدارس عندهم فكرة عن إنجازات أنور السادات الذى حرر مصر من الاحتلال الصهيونى؟ الحقيقة لا.. وهذه عيبة فى حق مصر.


لمن توجهين اللوم؟


للمسئولين عن التعليم.. وأقول لهم عيب أن تمحى هذه الفترة المضيئة من تاريخ مصر.


السيدة جيهان السادات.. حدثينا عن الثروة التى تركها لك أنور السادات؟


صدقنى والله العظيم السادات ترك لنا ديناً قدره ألف جنيه لأحد البنوك.. سددته بعد وفاته!.


وحساباته السرية فى بنوك سويسرا؟


ياريت.. والله كلها شائعات.. السادات لم تشغله المادة أبداً.


ومعاشك كأرملة لرئيس الجمهورية؟


٩٠٠ جنيه مصرى أول عن آخر! لهذا أعمل وأتكسب من عملى كمحاضرة فى أميركا.


هل تحملين جواز سفر رئاسيا؟


لا.. سحب منى.


وجواز سفرك الحالى.. عادى؟


نعم.


ألا يضايقك هذا؟


بالعكس فأنا معى الـGreen Carde الأمريكى وأتحرك بحريتى تماماً.


هل تحملين الجنسية الأمريكية؟


إطلاقاً.. رغم أنه حقى طالما مر على الـGreen Carde سبع سنوات لكنى أعتز بمصريتى وأرفض الجنسية الأمريكية.


جمال السادات الابن الوحيد لأنور السادات لم يعمل بالسياسة وليس له اتجاه سياسى لماذا؟


ابنى جمال عقلية ممتازة ويعمل فى البيزنس لكنه عمل بوصية أبيه وابتعد عن السياسة.


جيهان السادات.. هل تمارس دور الحماة على أزواج بناتها؟


دائماً أنصر أزواج بناتى وآخذ حقهم حتى لو كانوا مخطئين، ودائماً أنصحهم بفض خلافاتهم ومشاكلهم داخل البيت وليس خارجه حتى لا تكبر وتتعقد.


هل شاهدتِ دموع السادات أم أنه كان قوياً، يعتبر دموع الرجال عيبا؟


السادات كان من النوع الذى يتحامل على نفسه ويكتم الألم بداخله.. لهذا لم تسقط دموعه –نهائياًأمام أحد، لكنى شاهدته يبكى ٤ مرات فى حياته يوم وفاة والدته ويوم نكسة ٦٧ ويوم وفاة عبد الناصر ويوم استشهاد الملك فيصل -رحمة الله عليهفقد كان يحبه ويحترمه وتربطه علاقة رائعة به ولا ننسى مواقف المملكة السعودية مع مصر أبداً، خاصة فى حرب ٧٣ فقد كانت أقرب لنا مما نتصور، ويوم استشهاد الملك فيصل حزن السادات حزناً عميقاً عليه؛ لأنه كان يعتبره شقيقه الذى لم تلده أمه.


صفى لنا بيتك فى أمريكا؟


بيت أمريكانى بسيط لكنه جميل اشتريته عام ٨٥ من صديقة لبنانية بضمان وظيفتى وبالتقسيط.


هل عندك خدم هناك؟


لا.. أنا أخدم نفسى بنفسى.. أطبخ وأكنس وأرتب البيت.. والناس فى أميركا لا يعترفون بالخدم عندهم رعاة منزل وليس Servant.


بمناسبة الأكل والطبخ.. ما هى أكلة السادات المفضلة؟


السادات لم يكن أكولاً.. ومعدته كانت تؤلمه لذلك كان أكله كله فى الفرن دون تسبيك أو تحمير.. ثم إنه كان يعزف عن الطعام ولا يحبه وفى آخر أيامه قاطع اللحوم نهائياً.


هل كنت طباخة ماهرة؟


لا والله لكنى تعلمت الطبخ على كبر خاصة وأنا فى أمريكا.. لأنه كان يجب أن أعتمد على نفسى.


هل كنت تستمعين للنكات التى كانت تطلق على الرئيس السادات رحمه الله ؟


ترد باسمة، نعم وكنا نضحك عليها!


وما أبرز نكتة مازلتِ تتذكرينها ؟


ذات يوم ارتدى السادات ملابسه ومعطفه وأخذ عصاه والبايب، وخرج، وبعد دقيقة نادى علىّ قائلاً «ياجيجى من فضلك أنا نسيت «زبيبة الصلاة» من فضلك احدفيها لى»!


فى النهاية وبعيداً عن لقاءاتى مع هذه السيدة العظيمة التى خدمت مصر بقلبها ومن قلبها اسمحوا لى أن أطلب من مؤسسة الرئاسة ومن الرئيس عبد الفتاح السيسى شخصياً أن يأمر بأن تؤول ملكية بيت السادات على نيل الجيزة لعائلة الزعيم الراحل، حتى تكون أقل مكافأة لبطل الحرب والسلام الذى قاد مصر إلى أهم نصر فى التاريخ الحديث، نصر السادس من أكتوبر، وأن تُمنح السيدة جيهان السادات معاشاً يليق بها وبكونها حرم أنور السادات، وكذلك جواز سفر دبلوماسى على الأقل فلا يعقل أن تحمل «جيهان» جواز سفر عاديا.