بقلم: أحمد النجمى عن «جمال الغيطانى»: حرب عظيمة.. بقلم روائى عظيم!

07/10/2015 - 12:37:20

بقلم - أحمد النجمى

ربما للمرة الأولى،تمر بنا ذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة، ولا يكون»جمال الغيطانى» قادراً على الكلام.. سواء المكتوب منه أو المنطوق.. الغيطانى الآن ليس بقادر على كتابة الرواية أو القصة القصيرة أو المقال أو العمود الصحفى، فى الصفحة الأخيرة من الزميلة «الأخبار»، زاويته المشهورة «عبور» معلق فوقها منذ أسابيع اعتذار رسمى من الكاتب عن عدم الكتابة، على أن يواصلها لاحقاً.. وآه من «لاحقاً» هذه، نستعجلها، وندعو الله أن تأتى سريعاً.. كذلك إذا اتصلت بالغيطانى على هاتفه المحمول فلن يرد عليك، ولن يوافيك صوته الذى يجمع بين لكنة أولاد البلد من حى «الجمالية» وأسلوب المثقفين فى الحكى.. ليحكى لك هذا الصوت طائفة من ذكريات صاحبه الجليل عن حرب أكتوبر الجليلة، ضيق تنفس، وتوقف قلب، ثم غيبوبة لأسابيع تحت جهاز التنفس الصناعى فى مستشفى «الجلاء العسكرى»، يا ألطاف الله.. ترى ما الذى تفكر فيه الآن يا أستاذ جمال؟ وأية أحلام تراود خيالك الفسيح؟ لعلك معنا الآن فى ذكرى حرب أكتوبر، بخيالك الذى نثق بأنه لا تقهره غيبوبة ولا يحجبه عصيان الجسد البشرى..!


لعل أفكار «جمال الغيطانى» تتجه الآن إلى «الرفاعى».. والرفاعى ليس صاحب الجامع الشهير الملاحق لجامع السلطان حسن فى مواجهة القلعة، ولكنه (صاحب مقام رفيع).. فى العسكرية المصرية.. «الرفاعى» عمل تندمج فيه قدرات جمال الغيطانى على الحكى الروائى، وموهبته الفذة كمراسل عسكرى أمضى على جبهة القتال سنوات.. وهو لم يشاهد البطولات العظيمة لضباط وجنود الجيش المصرى وحسب، وإنما عاشها بروحه وعقله، وسجلتها عيناه كما تسجل الكاميرا الحدث.. تخلده تخليداً.. «الرفاعى» - فى الأصل - تطلق على هذا الرجل الذى يتلاعب بالثعابين كيف شاء: ف‘ن شاء جعلها ترقص، وإن شاء جعلها تنام، وإن شاء قتلها.. وإن شاء طردها من البيت شر طردة.. الثعابين هنا إسرائيلية، تحتل أرض سيناء العزيزة، و»الرفاعى» ليس حاوياً، بل كان بطلاً عسكرياً من أرفع طراز، قيمة وطنية عالية الهامة.. هو العميد الشهيد «إبراهيم الرفاعى»، قائد المجموعة الخاصة (٣٩) - مخابرات حربية - التى كانت تتخذ شعار «رأس النمر»، وأحد أبرز أبطال القوات المسلحة المصرية، والذى قدم أدواراً فدائية شديدة الفاعلية فى الجبهة منذ تشكلت مجموعته (أغسطس ١٩٦٨) وحتى استشهاده فى حرب العبور المجيدة ١٩٧٣.


شغلت بطولات الرفاعى مخيلة جمال الغيطانى، انفعل بها.. وانفعل باستشهاده، فسجل صفحات من حياته فى هذا العمل الذى يجمع بين فنون الرواية والتحقيق الصحفى الميدانى والسيرة الذاتية، والفنون الثلاثة برع فيها الغيطانى.


«الرفاعى» كتبها الغيطانى فى العام ١٩٧٦، وطبعت فى العام ١٩٧٨ طبعتها الأولى، ثم أعادت «دار الشروق» طباعتها للمرة الثانية فى ٢٠١١، ويستلفت النظر هنا.. تلك الطريقة شديدة الخصوصية فى الكتابة عند الغيطانى، التى أصبحت كالبصمة لا تتكرر، فباحثو التاريخ يجدون ضالتهم فى هذا الكتاب العظيم، الذى لا تجور فيه مقتضيات كتابة فن الرواية على مقتضيات الحقيقة التاريخية.. وعشاق فن ارواية يستمتعون أيما استمتاع بالحكى المستفيض الشيق للكاتب عن الشخصية، وهواة قراءة الصحف يجدون فيها التقرير الميدانى الذى يصور ساحات المعارك أدق تصوير.. كتب الغيطانى هذا العمل - ونشره - وهو ابن ٣٣ عاماً، ليصبح - بعد ذلك - من ألمع الكتاب فى هذا الباب الفريد.. الذى لا يزال مابين أيدينا منه قليلاً للغاية، باب (الأدب العسكرى)، إن جاز التعبير..!


تقرأ - مثلاً - فى هذا العمل الفذ «الرفاعى» لجمال الغيطانى تعبير «العد التنازلى للاستشهاد»، يؤمن الغيطانى، كما كان الشهيد العظيم «ابراهيم الرفاعى» يؤمن، بأن الشهيد - أى شهيد - يسير نحو النهاية المجيدة وهو على علم بها.. إنه ليس العلم المتعارف عليه، سواء العلم الذى فى الكتب، أو العلم الإخبارى - بمعى معرفة الخبر أو توقعه بالضرورة قبل حدوثه - إنه علم أقرب إلى «نفحات الصوفية»، أن يأتيك يقين بوقوع الشئ دون دليل على وقوعه، وأن تنتظره من دون أن يؤثر فى حياتك ومن دون أن تخبر به الآخرين، فإذا وقع.. تنام ملء جفونك عن شوارده ويسهر الخلق ويختصمون حوله.. نستعير هذا القول - بتصرف - من سيد الشعراء «أبى الطيب المتنبى»..!


العد التنازلى للإستشهاد.. هكذا تغلغل الغيطانى فى نفس «إبراهيم الرفاعى»، وقال فى إحدى فقرات كتابه الفريد عنه (١٣ يوماً بقيت على استشهاد الرفاعى)، هنا تقاس الحياة بعكس المنطق المعهود: من لايعرف نهايته يظنها بعيدة، ويظن مع ابتعاد نهايتها أن أمامه الكثير ليفعله، لكن الرفاعى شعر بأن أمامه القليل - جداً - من الوقت والكثير جداً لكى يفعله..!


ويرصد الغيطانى سمات الرفاعى كمقاتل فريد الطراز..!


الرفاعى دائماً يتجه إلى تسديد ضربة موجعة للعدو، ويوحد قدرات رجالة..!


الرفاعى يهاجم العدو، فى الوقت الذى لا يمكن للعدو أن يتوقع فيه هذا الهجوم، خصوصاً فى أوقات الليل.


الرفاعى كان إذا سقط أحد رجاله لا يدعه فريسة للعدو، أو لوحوش الصحراء، أو طعاماً للقرش فى مياه البحر.


الرفاعى - نصاً، وفق الغيطانى - كان ( يكره المصادفة، التى تنوب عنه فى إنجاز عمل ما..)، بخلاف طبيعة أغلبية البشر..!


الرفاعى - لحظة الاشتباك - «تسبق طلقته كل الطلقات» كما قال جمال الغيطانى، فهو دائماً فى مقدمة رجاله البواسل.


الرفاعى - إلى جانب كل ذلك - لا يعترف بأساليب ثابتة فى القتال، بل لا يمكن للعدو أن يتوقع كيف سيهاجمه الرفاعى هذه المرة.


حياة الرفاعى كانت - كما كتب الغيطانى - حافلة بالمخاطر والصعاب التى كثيراً ما التقاها أمير الشهداء «الرفاعى» شامخاً، حتى ظهر فى كل لحظة صلباً متماسكاً أمام أعتى المواقف.. هذه الصلابة رصدها الغيطانى بعناية، صاغها كما صاغ الفنان العزبى قديماً «الفسيفساء» بصورة مدهشة، تجمع بين الدقة الهندسية الفائقة، وروح الفنان ورؤيته، صاغها كأن الرفاعى نفسه بعث من جديد ليسجل سيرته الذاتية بقلمه، بقلم فنان أديب..!


الرواية التى كتبها الغيطانى لم تفضل الجوانب الإنسانية لدى أمير الشهداء إبراهيم الرفاعى، من خلق رفيع ولمراعاته لكل من حوله كأب لأولاده، فضلاً عن رعايته لأسرته، بالتوازى مع دقة هذا العمل الروائى فى صبوغ استراتيجية الرفاعى قائداً.. وهى استراتيجية تأسست على علم عسكرى راسخ وشديد الحداثة أيضاً..!


ولو شئنا لكتبنا «المصور» كله عن هذا العمل الأدبى الفريد، الذى نرجو إعادة طباعته هذه الأيام، بسعر شعبى، لكى يصل إلى الشريحة المستهدفة منه، وهى الشباب، الذى يبحث عن قدوة أو عن مثال أو نموذج ملهم بكسر الهاء، الغيطانى يقدم لهم النموذج فى عمله الفذ عن «الرفاعى».. فى أنصع صورة..!


«حكايات الغريب» كذلك، واحد من الأعمال الأدبية الفذة لجمال الغيطانى، ربما يعرفه القارئ المصرى والعربى عبر هذا الفيلم الذى جسّر ذلك العمل الأدبى الفريد على الشاشة، وقد كان فيلم «حكايات الغريب» من إنتاج (قطاع الإنتاج) بالتليفزيون المصرى، حين كان يرأسه السينمائى الفذ الراحل ممدوح الليثى، وهو نفس جهة الإنتاج التى قدمت ملحمة (رأفت الهجان) بأجزائها الثلاثة، والفيلم شديد الأهمية (ناصر٥٦) بعد ذلك بسنوات قليلة فى العام ١٩٩٦.


حكايات الغريب.. عرفها الجمهور المصرى والعربى فيلماً تليفزيونياً إذن، كان ذلك فى العام ١٩٩٢، جسد شخصية الغريب - أو «عبدالرحمن» - الفنان الكبير»محمود الجندى» ومعه محمد منير وشريف منير ونخبة من نجوم التسعينيات، وكتب له السيناريو والحوار محمد حلمى هلال وأخرجته إنعام محمد على.. الغريب - العمل الأدبى الذى أبدعه الغيطانى - يختلف فى تفاصيله بالطبع عن الفيلم لكن الخلاصة كما هيى: الغريب، هو «الإنسان المصرى»، الذى انكسر فى ١٩٦٧، وسلبت منه حبيبته وتزوجها لص أريب (مدير المجمع الاستهلاكى تاجر السوق السوداء)، واستشهدت ابنة شقيقته (أمل) فى مجزرة «بحر البقر» التى ارتكبها الصهاينة خلال حرب الاستنزاف، وظن الجميع بمن فى ذلك أمه، وشقيقته، وأقرب أصدقائه إليه.. أن «عبدالرحمن» الذى يعمل سائقاً لسيارة توزيع الصحف بأخبار اليوم قد انتهى وصار مسخاً بشرياً، لكنهم يفاجأون به يدخل السويس يسيارة التوزيع (التى تقوم بنقل المطبوعات الصحفية للمؤسسة بين القاهرة والمحافظات الأخرى..)، قد دخل السويس فى الليلة السابقة على فرض الصهاينة الحصار على المدينة الباسلة فى أواخر حرب أكتوبر ١٩٧٣ المجيدة، يختفى عبدالرحمن، ويبحث عنه كل أصدقائه، ليكتشفوا أن شخصيته اتحدت مع شخصيات جميع أبطال المقاومة الشعبية العظيمة فى السويس آنذاك، وأن هذه الشخصية - التى يعرفها كل واحد من أهل السويس باسم مختلف - قد أصبحت رمزاً للمقاومة والشرف والبسالة والوطنية المشتعلة، لقد أشعل عبدالرحمن المقاومة فى وجه الإسرائليين، وتحول إلى رمز.. وأصبح التفتيش عنه واجباً وطنياً، يقصد جمال الغيطانى بهذا ضرورة إحياء روح أكتوبر الملهمة مرة أخرى، فهى المفتاح الوحيد لخروج الوطن من أزماته..!


هذا المعنى هو نفسه الذى قدمه الغيطانى قبلها فى «الرفاعى»: إن الغيطانى يقدم الشخصية - سواء البطل العظيم «الرفاعى»، أو «عبدالرحمن» سائق سيارة توزيع أخبار اليوم فى تلك الفترة - يقدمها كقيمة، ظهرت فى كل مكان وزمان على الأرض المصرية، لا تبتعد كثيراً فى ظن كاتب هذه السطور عن الصفحات التى تحكى جزءاً من سيرة السلطان العظيم «طومان باى» الذى كان على رأس المقاومة الشعبية المصرية للاحتلال العثمانى البغيض (١٥١٧) والتى سجلها الغيطانى فى رائعته ذائعة الصيت (الزينى بركات)..!


وللغيطانى كتاب ثالث - غير أدبى - عن حرب أكتوبر المجيدة، ذلك الكتاب يحمل عنوان «حراس البوابة الشرقية».


الكتاب صدر فى أول يناير ١٩٧٥، عن مكتبه (مدبولى)، فى ١٧٨ صفحة، وفى الحقيقة أنه ليس عن بطولات الجيش المصرى فى حرب ١٩٧٣، بل عن إسهام الجيش العراقى فى حرب أكتوبر.. (من خلال البشر الذين خاضوها)، ويهدف إلى (وصف العمليات التى خاضتها تلك القوات) وفق تعبيرات الغيطانى ذاته فى هذا الكتاب، ونلاحظ أن مصطلح (حراس البوابة الشرقية) - عنوان هذا الكتاب - قد تم التوسع فى تداوله فى العراق بعد ذلك، وأطلقه الرئيس العراقى الراحل» صدام حسين» على الجيش العراقى، خلال حربه المجيدة التى انتصر فيها على جيش إيران، والتى انتهت فى ١٩٨٧.. لهذا الحد، اهتم العراقيون بكتاب الغيطانى (حراس البوابة الشرقية)، الذى رصد ليس فقط جانباً من بطولات القوات المسلحة المصرية فى حربها ضد الجيش الصهيونى، ولكنه رصد - بالأساس - الدعم العسكرى العراقى لها فى هذه الحرب.. وهو الكتاب الذى لاقى غتاً فى تداوله بعد صدوره بسنوات، نتيجة الخلاف السياسى بين القاهرة وبغدادعلى خلفية «كامب دافيد» ١٩٧٩، ثم بعد غزو العراق للكويت (١٩٩٠)، لكنه يظل أحد أعمال الغيطانى المتصلة - مباشرة - بحرب العبور المجيدة.


.. وبعد فهذا جانب موجز مما أبدعه الغيطانى عن حرب ١٩٧٣، التى قضى سنوات قبلها، وقضاها هى ذاتها، مراسلاً حربياً للزميلة «أخبار اليوم» على الجبهة المصرية، والصحافة المصرية تفخر بمراسليها الحربيين فى تلك الفترة كالراحل الكبير»حمدى لطفى» ابن دارالهلال، وصلاح قبضايا وفاروق الشاذلى (الأخبار) ومحمد عبدالمنعم وعبده مباشر (الأهرام) وجلال سرحان (وكالة أنباء الشرق الأوسط) وفاروق الطويل (آخر ساعة) والمصورين الباهرين: شوقى مصطفى رحمة الله عليه (دار الهلال)، ومكرم جاد الكريم وفاروق إبراهيم (الأخبار) ومحمد يوسف (الأهرام).. ومع احترامنا وتقديرنا غير المحدود لكل اسم من هذه الأسماء، يتبقى اسم (الغيطانى) وحده، منفرداً بنقل وقائع بطولات الإنسان المصرى فى هذه الحرب على امتدادها - من الاستنزاف إلى انتصارات ١٩٧٣ - إلى عالم الرواية والقصة القصيرة والكتاب الأدبى، ليتحول مع الأيام إلى شاهد عيان من أرفع طراز على هذه الحرب العظيمة.


ياعم جمال.. دعك من (العد التنازلى) للمرض، نحسبه إن شاء الله عداً تنازلياً للشفاء، عداً تنازلياً للنهوض مجدداً، عداً تنازلياً لصلابة جديدة.. تضاف إلى صلابتك التى عهدناها فيك.. طب نفساً، وطب جسداً، وانتصر على المرض كما انتصرت على كل الصعاب فى حياتك..!