حرب أكتوبر وحكاية وحدة وطن

07/10/2015 - 12:06:56

مدحت بشاى

" روح أكتوبر" .. " روح أكتوبر" كان التعريف والتلخيص لتلك الحالة العبقرية التى انتقل وعبر بها شعبنا المصري العظيم من ضفة الحزن والقنوط والضيق غربي القناة إلى رحابات سيناء الأمل والفرح والانتصار على الضفة الشرقية من قناة السويس .. هي حالة إرادة عظيمة لشعب قرر تغيير واقع تحت شعار "إزالة آثار العدوان"، وإدارة سياسية قررت توظيف تلك الإرادة بروح متجددة، فكان الكلام على تشكيل جبهة داخلية صلبة موحدة.. وعليه وضعت خطة إعلامية استراتيجية لدعم الوعي الداخلي وتوحيد كل الجهود في تآلف وطني عبقري، وخطة أخرى إعلامية لخداع العدو.. ثم تشكيل وزارة حرب والذهاب لتفعيل خطة اقتصاد حرب.


والأهم الذهاب بسرعة وجدية لإعمال العقل والفكر والعلم في إدارة كل منظومات مواجهة عدو تدعمه وتقف معه نظم عالمية متقدمة علمياً وعسكرياً للدفاع عن مصالحهم في المنطقة التي من أهمها وفي مقدمتها الحفاظ على أمن وسلام ذلك الكيان الصهيوني القابع كشوكة في ظهر كل من يحلمون بتحقيق تقدم عربي.


إنها "روح أكتوبر" التي تجسدت في تشكيل حالة اصطفاف وطني واندماج شعبي.. غياب للجريمة في الشارع، تراجع ملحوظ في رسائل الدروشة والدجل والتدين الشكلي، وباستثناء معلقات محمد حسنين هيكل المحبطة كانت رسائل صناعة الأمل موجودة يدعمها خفوت وتراجع دعوات الطائفية والضجر بمظلوميات مهنية واجتماعية...


إنها "روح أكتوبر" التي رافقت الناس في كل مواقع وجودهم على أرض المحروسة وبكل فئاتهم الاجتماعية وصولاً لمن بيدهم سلطة اتخاذ القرار وتفعيل كل آليات سلطة الحكم، فكانت تلك الرحلة المجيدة من صناعة الانتصار ومروراً بكل مراحل مفاوضات صياغة منظومة السلام واسترداد آخر كيلومتر من أرض سيناء الغالية بالانتصار في معركة رد الحقوق عبر التحكيم الدولي...


ولا شك أن الأمر قد تكرر، وبشكل لايقل روعة عندما ثار الشعب في ٣٠ يونيو٢٠١٣ بغضب عارم على نظام فاشي غير وطني باع مصالح البلاد والعباد بخسة وبشاعة هي في الواقع تمثل التعبير الطبيعي والعنوان المنطقي لحال جماعة غير منتمية لتراب البلاد... وكانت الروح الجامعة والضامة لقلوب ومشاعر الناس في كل ميادين مصر المحروسة، وقلنا إن "روح ٣٠ يونيو" هي بعث جديد لروح أكتوبر، وإذا كانت أكتوبر قد جاءت لترميم وبلسمة جراح ٥ يونيو٦٧ وتصويب للأخطاء، فقد كانت ٣٠ يونيو إعادة لروح ٢٥ يناير وإعادتها من أيدي حرامية الفرح المصري، بخروج الملايين وبما يمكن أن نطلق عليه "عودة الروح" وفق تعريف توفيق الحكيم الشهير..


ولكن، وللأسف هناك في الشارع السياسي من يتصورون أنهم الوريث الشرعي لنظام الإخوان والوصيف اللي كان "لابد في الدرة" وفق التوصيف الشعبي حتى عندما يغادر إخوان الشر مقاعدهم في الاتحادية فيعدون العدة للصعود بأحزابهم الدينية إلى مقاعد الحكم، بعد تسلم الراية من منصات رابعة الخائنة!!!


وظلت تلك الأحزاب الظلامية تنكر دور المرأة والمسيحي وكل صاحب علم ورؤية وكل مبدع وفنان في صناعة تقدم أمة والدفاع عن مكتسبات ذلك الشعب العظيم وحضارته..


وها نحن نتابع كيف رفض مجموعة من السلفيين اعتبار الجندي المسيحي الذي يسقط في الحرب "شهيدًا" لأنه يموت على غير الإسلام، مما أشاع حالة من الاستياء لدى الأقباط؛ لأنهم من قدموا على مذابح حرية الوطن واستقلاله الكثير من التضحيات في أروع صور الفداء، وعليه أكد الأزهريون أن للجندي المسيحي نفس حقوق المسلم الذي يدافع عن مصر...


لقد شارك المسيحيون في مصر بجميع الحروب والثورات، جنبًا إلى جنب مع إخوتهم في الوطن، وقتل بعضهم في الحروب المختلفة مع إسرائيل، أو بمواجهة الإرهاب. وقضى في تفجيرات الشيخ زويد الأخيرة عدد من الجنود الأقباط، فأثير الجدل حول إطلاق لقب "شهيد" على كل واحد منهم، في ظل نزع التيار السلفي هذا اللقب عنهم، معتبرين أنهم كفار، قال الشيخ أبواسحاق الحويني في فتوى منشورة له بهذا الشأن: "حكم إطلاق لفظ ("شهيد") على المسيحي المقتول في حرب أو المرابط على الحدود، لا يجوز". وأوضح أن من مات على دين غير دين الإسلام فهو كافر ومصيره نار .. فيما ردت وزارة الأوقاف بالتأكيد على أنهم شهداء.


وعليه يردد الكثير من الأقباط ويتحدثون عن معاناتهم من عدم الإشارة إلى دور الأقباط فى حرب أكتوبر على سبيل المثال عام ١٩٧٣، بالرغم من أن هناك الكثير من الأقباط قد قدَّموا بالفعل إنجازات كبيرة وانتصارات فى هذه الحرب، منهم الفريق "عزيز غالى" الذى كان قائدا للفرقة (١٨) التى حرَّرت مدينة "القنطرة شرق"، ودمَّرت أقوى حصون خط بارليف المدرَّع الإسرائيلى (١٩٠)، والذى كان وقتها برتبه عميد وقام بتأمين منطقة شرق القناة من "القنطرة" إلى "بورسعيد" فى مواجهة الهجمات المضادة الإسرائيلية، وفى ١٢ ديسمبر ١٩٧٣ تم تعيينه قائدًا للجيش الثانى للميدان ومُنح رتبة "لواء"، كما ساهم فى تدمير قوات العدوفى ثغرة "الدفرسوار". كذلك اللواء طيار أركان حرب "مدحت لبيب صادق"، صاحب لقب أفضل قائد قاعدة جوية على مستوى القوات المسلحة، والذى كان يوم السادس من أكتوبر ضمن تشكيل مكوَّن من أربع طائرات ميج ٢١ التى كانت فى ذلك الوقت هى العمود الفقري للقوات الجوية المصرية، وكانت هذه الطائرة مقاتلة اعتراضية، مهمتها اعتراض وتدمير طائرات العدو فى الجو. واللواء "صليب منير بشارة"، وهو أحد المخططين لحرب أكتوبر، والذى عُيِّن رئيسًا لهيئة البحوث العسكرية فى مايو١٩٧١، وخلال الفترة من مايو١٩٧١ إلى ٧٣ قامت الهيئة بنشر العديد من البحوث العسكرية التى كانت مرجعًا مهمًا للذين خططوا لعبور ٦ أكتوبر، اشتملت تلك النشرات على جميع التفصيلات للعملية الهجومية لاقتحام "قناة السويس"، وعلى قمة تلك النشرات تأتى النشرة رقم (٤١) عن عبور واقتحام الموانع المائية التى صاغتها لجنة شكلتها هيئة البحوث العسكرية بقيادة اللواء أركان حرب "صليب" مع خيرة الضباط.


كذلك العميد "ميخائيل سند ميخائيل"، والذى كان ضمن قوات الردع الصاروخي، وأثناء اقتحام خط بارليف أثناء الثغرة فى ١٦ أكتوبر، كان مسئولاً عن سحب الصواريخ الموجودة على الناقلات إلى المنطقة الخلفية بـ"القصاصين" حيث تم تدمير العديد من صواريخ العدو. واللواء "فكرى بباوى"، الذى اشترك فى حرب ١٩٧٣ واُصيب إصابة بالغة، فجاءه إخوته المسلمون منهم "محمد مصيلحي" و"زكريا عامر"، حيث خرجوا من الخندق ورفضوا أن يتركوه فريسة للموت، وأصروا على أن يحملوه ويسيروا به وسط ضرب الطائرات مضحين بأنفسهم من أجله، وحملوه لمسافة ثلاثة كيلومترات حتى وجدوا ساترًا احتموا به، ثم جاءوا به إلى موقع الإسعاف. وأضاف "لوقا": "إن هناك كثيرين آخرين من الأقباط شاركوا فى حرب أكتوبر، ولكن- للأسف الشديد- حتى الآن إبراز دور الأقباط فى حرب أكتوبر جاء فقط بجهودٍ فردية". مشيرًا إلى أن فى هذا تعتيم إعلامى غير مبرر، وإنه قد حان الوقت أن يتم تكريم هؤلاء الأشخاص، وإعداد كتاب يرصد ويؤرِّخ لدورهم فى الحرب. وأوضح الدكتور "مكارى أرمانيوس"- الكاتب القبطى - أن رصاص العدولم يفرِّق بين مصري ومصري، أو بمعنى آخر بين مسيحى ومسلم. مشيرًا إلى أن أرض "مصر" اختلطت بدمائهم جميعًا.


وأكد "أرمانيوس" وجود العديد من الأبطال الأقباط فى حرب أكتوبر، موضحًا أنه قام بالكتابة عن (٤٠) شخصية منهم تولوا مناصب حساسه جدًا ودقيقة فى الجيش المصرى آنذاك، منهم على سبيل المثال وليس الحصر: الفريق "فؤاد عزيز غالى"، الذى كان قائدًا للجيش الثانى، وقد تم محاصرته ولم يستسلم محتملًا بكل شجاعة إلى أن تم التحرير، وقد كرَّمته الدولة وتم تعيينه فيما بعد محافظًا لـ"جنوب سيناء" فى عام ١٩٨١، واللواء أركان حرب طيار "جورج ماضى عبده" الذى وصل إلى منصب رئيس أركان الدفاع الجوى، والشهيد اللواء أركان حرب "شفيق مترى سيدراك" الذى استشهد فى الدفاع عن "الدفرسوار"، وكان أول من استشهد فيها، واللواء طيار مقاتل أركان حرب "مدحت لبيب صادق"، واللواء طيار مقاتل أركان حرب "نبيل عزت كامل". ويؤكد البعض أن الملفات الخاصة بالأمن المصري تؤكد أن تسعين في المائة من الشهداء الأطباء كانوا من المسيحيين.


ويروي حسين العشى، مؤرخ السويس، ذكريات بعض البطولات التي قدمها الفدائيون الأقباط، في العيد القومي للمحافظة، بعد أن اكتمل نصر أكتوبر.


فمن الأقباط الفدائيين الذين شاركوا بالحرب اللواء باقي زكي يوسف، رئيس فرع المركبات بالجيش الثالث الميداني، وصاحب فكرة استخدام ضغط المياه لتشكيل ثغرة في خط برليف في سبتمبر ١٩٦٩، والتي تم تنفيذها بالفعل في حرب أكتوبر ١٩٧٣، حتى تم تسجيل الفكرة باسمه.


في السادس من أكتوبر انطلق القائد “باقي زكي” في ساعة الصفر مع جنوده، وفتحوا ٧٣ ثغرة في خط برليف، في زمن قياسي لا يتعدى الـ٣ ساعات تقريبًا، مما سهل دخول المدرعات المحملة بالجنود المصريين والدبابات، ضمن الموجات الأولى لاقتحام سيناء، وعبور الجيش المصري لخط القناة إلى الضفة الشرقية، وبهذا العمل ساعد في تحقيق النصر السريع، وحقق عنصر السرعة والمفاجأة، وقدرت كميات الرمال والأتربة التي تم إزالتها بمقدار ٢٠٠٠ متر مكعب.


أسماء الأبطال الأقباط فى حرب أكتوبر كثيرة، وحكاياتهم المشرفة عديدة، منهم اللواء فؤاد عزيز غالى محرر مدينة القنطرة شرق، وآخرون كثر.


لا تستطيع الذاكرة أن تستوعب كل أسماء الأبطال الأقباط فى حرب أكتوبر.. فهم كثر.. ولكننى أعتذر عن أن أحكيها من منطلق أنهم مسيحيون.. فقد اضطررت إلى هذا الحكى بعد الأنباء التى تواردت عن قيام مجموعات متطرفة بتهديد المسيحيين فى رفح لإجبارهم على تركها.. حقيقة عادت الأسر المسيحية المهجرة مرة أخرى بعد تدخل السلطات.. ولكن يظل التهديد قائما والنظرة العدائية للأقباط موجودة لدى هذا الفصيل المتطرف.


حرب أكتوبر لم تكن فقط انتصارا.. ولكن أيضا رسائل مازلنا نتعلم منها ونكتشف من خلالها يحب الوطن ومن يريد هدمه.


وبقدر ما يصلي الكهنة والأقباط في كنائسهم من أجل توفيق الرؤساء في حكمهم لأمور البلاد والعباد، ومن أجل أن يعم السلام والتسامح والمحبة بين الناس، والدعاء من أجل سلام نهر النيل وكل مصادر الخير من زروع وغيرها، فإن الدفاع عن الوطن في المسيحية هو دفاع عن القيم الإنسانية وسلام البلاد..


والكنيسة تتشفع بالشهداء وهذه عقيدة إيمانية إنجيلية تمارسها الكنيسة الجامعة من البداية، وفي طقس الكنيسة تذكرهم الكنيسة في التسبحة والسنكسار وفي صلاة الكهنة نصف الليل وفي صلاة رفع بخور عشية وباكر وفي القداس، وتحتفظ الكنيسة برفات الشهداء وتضع أيقوناتهم وتحتفل بتذكار استشهادهم سنويًا.


نأمل، ونحن نتوجه إلى صناديق الانتخابات إقصاء كل أعداء نجاح الوطن، ومن يقاومون تلك الروح البدية التي كان عليها الناس في ٣٠ يونيو، لقد قدمت المرأة المصرية والمواطن المسيحي الكثير في ساحات فداء وحب الوطن، وحان الآن أن يكون لهم حجم التواجد الوطني والسياسي والاجتماعي المأمول في كل مواقع العطاء..


لقد كتبت مهندسة شابة مثقفة من الصعيد على صفحتها الفسبوكية قائلة: "أنا المواطنة جيهان شكري أتوجه لقداسة البابا تواضروس الثاني بالسؤال التالي: إن كنا قد قبلنا عبارة قداستكم المشهورة" وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن" فكيف العمل حينما يمتد الاعتداء على البيوت وتهجير أصحابها منها ووضع اليد على الممتلكات الخاصة؟ فهل نحن في انتظار عبارة أخرى تقول "وطن بلا بيوت وممتلكات أفضل من بيوت بلا وطن" أي أننا علينا أن نكون لاجئين على أطراف قرانا ومدننا تاركين بيوتا وممتلكات تم إنجازها بكفاح سنوات مريرة؟؟؟ أرجوالإجابة.؟!".. ولعلي أضيف لتلك الرسالة الغاضبة متحدثاً لابنتنا "نعم عندك حق، فمفهوم الوطنية لدى الكنيسة المصرية يبدو أنه محتاج إلى مراجعة، فحتى مفهوم " مصر ليست وطنًا نعيش فيه وإنما وطن يعيش فينا" الذي رفعه كشعار مكرم عبيد واتخذته الكنيسة وكأنه لقداسة البابا شنودة يمكن أن يرفع فقط بعد نيل المواطن كل حقوق الموطنة الكاملة وانتهاء حدوتة الوطن الطارد لابنائه عبر سياسات تمييزية ضد المرأة والفقير والنوبي والمسيحي، والقناعة بفرض نظم تدعم العدالة الاجتماعية وهي أهم ما طالب به الناس في الميادين .. يا قداسة البابا أضم صوتي لابنتنا المهندسة جيهان شكري، لما تكون دي شعاراتكم ولديكم الأنبا بولا يقول إن التيار السلفي تيار وطني حتى النخاع، وهم من نالوا من أهم حقوق المواطنة للمسيحي فنحن بصدد كنيسة تعيش ادارتها في حالة توهان!!!!!