هل ظلم المثقفون ملحمة أكتوبر؟

07/10/2015 - 12:01:32

تقرير: رانيا سالم

الاختلاف عادة المثقفين أدباء وشعراء وفنانين، فالآراء متباينة حول أدب أكتوبر، البعض يراه مضموناً سطحياً لا يمثل سوى اجتزاء لذكرى معركة حربية شعبية بحجم حرب أكتوبر المجيدة، غفلت فيه الأعمال الفنية المقدمة فى سرد مئات الشهادات والبطولات لتسجيل معركة مصرية خالصة.


فريق ثان يرى أن هذا حكم ظالم، فالمضمون الأدبى المصرى المقدم يرقى ليمثل حدثا بحجم حرب أكتوبر المجيدة، لكنه لم يُقرأ أو يُدرس أو يتم نقده بشكل جيد، فالجميع اكتفوا بترديد مقولة أن الأدب الروائى لم يُحسن تقديم الملحمة الحربية، لتتحول إلى اتهام على مدار الـ٤٢ عاماً من ذكرى الحرب.


وبين الرأيين فريق ثالث رفض وصف أدب أكتوبر بالسطحية، لكنه فى الوقت ذاته لم يجد التعامل معها على أكمل وجه، وفضل وصفها بالقصور من قبل الجميع فى التعبير عن معركة شعب بأكمله معركة أكتوبر.


الأكيد أن التباينات والاختلافات حول جودة وقيمة الأعمال الأدبية قابلها اتفاق جماعى على أمرين أحدهما شرف وقيمة وعظمة هذا العمل البطولى التى تهب نسماته العطرة فى شهر أكتوبر من كل عام، وشرف المشاركة ولو بجزء ضئيل فى حرب التحرير.


والآخر الإسراع فى التسجيل التاريخى لكافة تفاصيل بطولات أكتوبر، خاصة بعد أن تساقطت أوراق المشاركين فى هذه الحرب ولم يتبق منهم سوى القليل أطال الله فى أعمارهم، على أن تضم هذه التسجيلات البطولات والشهادات على الحرب الحالية التى لا تزال تقدم من أجل تراب سيناء الغالى ومواجهة الإرهاب ومحاربة الفقر والجوع والمطالبة بالحرية.


«الادب الروائى المصرى لم يفشل فى رصد حرب أكتوبر فقط، وإنما كافة الحروب التى خاضها الجيش المصرى» هذا ما يراه الأديب والروائى محمود الوردانى، فالرواية المصرية لم تقدم حرب أكتوبر إلى الآن.


ويرى الوردانى أن الرواية ابتلعت ملحمة كبرى بكافة أركانها وتفاصيلها تحمل معانى كثر، واختصرتها فى أعمال لم تصل لعظمة معركة أكتوبر.


أما الشعر فقد نجح فيما خفقت فيه الرواية المصرية، فقد نجح الشعراء منذ بداية حرب الاستنزاف وحتى العبور فى ٧٣ فى رصد كافة تفاصيل الملحمة الحربية فى بيوت شعرية تردد عن ظهر قلب من الجميع، كأشعار الأبنودى وأمل دنقل وأحمد عبد المعطى وسيد حجاب وحجازى والكثير من الشعراء الذين أثروا الحياة الشعرية المصرية بقصائدهم عن حرب أكتوبر.


«نوبة رجوع» هى أول شهادة روائية للوردانى –إذا جاز تسميتها بذلك- عن حرب أكتوبر كتبها فور انتهاء المعركة، وكانت أولى كتاباته التى لا تحظى بقبول لديه الآن، وتبقى رواية «بيت النار» التى صدرت فى ٢٠١١ هى شهادته الروائية الثانية والأهم عن أكتوبر المجيدة.


بيت النار كما يقول هى معايشته طوال فترة الحرب، ليست مشاهدة تسجيلية، ولكنها رواية أدبية مطعمة بتجربة حقيقية من المشاركة فى صفوف الاشتباكات الأولى، ثم المشاركة فى دفن رفات الشهداء من الجنود فى مقابر الجندى المجهول، ولهذا تعاملت مع رواية بيت النار كروائى فى المقام الأول ثم جندى شارك فى الحرب ومواطن يتمنى تحرير وطنه.


تجربة الكتابة عن ملحمة أكتوبر للمرة الثالثة ليست فى ذهن الوردانى الآن، فالكتابة عن أكتوبر أمر يخضع لاعتبارات كثيرة كما بيّن، أهمها أن يحتمل سياق الرواية وجود الحرب، حتى لاتتحول إلى مجرد دخيل إجبارى على السياق يفقد للحدث أهميته وهيبته، وتخرج بشكل سطحى.


الوردانى لا يخفى شعوره بالاعتزاز والفخر طوال الـ٤٢ ماضية لمشاركته فى معركة أمة بأكملها، حارب فيها الجميع لغسل عار ألحق بأمة احتلت أرضها، تحلى جنودها بشجاعة منتاهية النظر فى مواجهة عدو متبجح، ليأتى يوم تتحد فيه جميع صفوف الوطن جنوداً وشعباً من أجل هدف واحد هو الحرب والنصر، لتتحقق المعجزة وينجح الجميع فى تحرير الأرض الغالية.


الروائى والأديب سيد نجم يرى أن الأدب المصرى نجح فى رصد التجربة الأكتوبرية بدءاً من أولى العمليات العسكرية فى حرب الاستنزاف اعتبارا من معركة رأس العش حتى العبور المجيد فى ٧٣، فالفنون بكافة أنواعها (رواية، قصة قصيرة، مسرح، شعر) نجحت فى تسجيل ورصد عدد كبير من البطولات والشهادات، وما ينقصها أنها لم تتم متابعتها بشكل نقدى وتحليلى، فالإعلام تعامل معها على أنها أعمال فنية للمناسبات فقط تُطرح خلال أعياد أكتوبر وبعدها تسدل الستائر على هذه الأعمال حتى أكتوبر من العام التالى.


أما النقاد فقد ارتكنوا إلى مقولة مازال تردد منذ ٤٢ عاماً وهى «ما كتب عن حرب أكتوبر لا يليق بها».


يشير نجم إلى أن تلك المقولة حكمت مسبقا على كم ضخم من الأعمال الأدبية، لو تم تحليلها ونقدها بأسلوب علمى منهجى سيثبت للجميع أن هناك أعمالا فنية روائية شديدة التميز قدمت من هزيمة٦٧ وحتى حرب أكتوبر المجيدة، منها مسرحية «أغنية على الممر» ورواية «من يهاجر شرقاً»، و»مراعى القتل»، و»العام السابع والستون».


ويدعو نجم الأدباء وخاصة الشباب لكتابة أعمال روائية عن أكتوبر، حتى نرى أكتوبر فى أعين شباب لم يعيشوها وقرأوا فقط عنها، لنعلم هل نجحنا نحن جيل المثقفين الذين شاركوا فى الحرب وقدموها فى أعمالهم الفنية فى أن ينقلوا عملا وطنيا بحجم معركة أكتوبر لجيل الشباب أم كان هناك قصور يجب تداركه فى الأجيال الجديدة.


ويروى نجم تجربته مع القوات المسلحة المصرية فى عقد مسابقة للشباب لتقديم أعمال أدبية عن حرب أكتوبر، تقدم فيها عدد من الشباب بأعمالهم، وتم تقييم هذه الأعمال التى خرجت برؤية وجودة شديدة الاحترافية، تم بعدها طبع هذه الأعمال، ومثل هذه المسابقات تزكى الانتماء وترفع من الروح الوطنية للشباب.


شعور الفخر والاعتزاز باحتفالات أكتوبر يقابله شىء من الحزن والخوف لدى السيد النجم، الفخر والاعتزاز بالإرادة والروح المقاومة المصرية التى نجحت فى قهر ألد أعدائها ولقنته درساً لاينسى، وأظهرت للعالم أجمع قوة الشخصية المصرية التى تدرس خططها الحربية فى أعظم الأكاديميات العسكرية، لكن شعور الخوف والحزن من عدم تكريم هذه البطولات والتضحيات برصدها وتسجيلها لحفظها حتى تحفظ فى ذاكرة التاريخ المصرى.


الفلاحين بيغيروا الكتان، بالكاكي/ويغيروا الكاكي بتوب الدم/ وبيزرعوك يا قطن، ويا السناكي/وبيزرعوك يا قمح،سارية علم/ وبيدخلوكي يا حرب، فحم الحريقه/ وبيزرعوكي يا مصر، شمس الحقيقه/ وانتي ميدان الحرب/ سينا البدايه/ وانتي جنينة الصلب/ والنصر، رايه/ وانتي البكا والغلب/ انتي الرحايه/ وانتي البارود والحب/ والحرب جايه.


يوم واحد على بدء الحرب، وبالتحديد فى ٧ اكتوبر ١٩٧٣، يسرد الشاعر زين العابدين فؤاد أبيات شعره «الحرب لسه فى أول السكه»، عن بداية تحقيق الحلم، على النبتة التى بدأت تأخذ طورها فى الحياة، عن تحرير الأرض والحرية والوطن الذى لم يعد حلما، وأخذ خطواته الأولى على أرض الواقع، أنها الحرب، «الحرب جايه»، حرب أكتوبر المجيدة.


«الحرب لسه فى أول السكة» هو ما يؤكده العابدين الذى لايزال ينظر لحرب أكتوبر المجيدة على أنها أولى خطوات الحرية التى ثبتت أقدامها على تراب الوطن «أول السكة» لكنها ضلت خطاها، لتعاد مرة ثانية حربا ضد الجوع والفقر والجهل والمرض ليضاف عليهم عدو آخر وهو الإرهاب.


زين العابدين لا ينكر أن الشعر نجح فى رصد الملحمة الحربية بكافة تفاصيله، فالمواهب الشعرية قدمت آلاف الأبيات فى ذلك الوقت، وهو أمر طبيعى فالحماس والمناخ العام دفع الجميع لإطلاق العنان لنفسه بأبيات فصحة أو عامية للتعبير عن عظمة النصر، ومنها «رايحين شايلين فى أيدينا سلاح» لنبيلة قنديل.


الرواية والقصص القصيرة لم تلق نفس الأجواء، يقول زين التطورات السياسية السريعة والاستخدام السياسى الذى أهدر انتصارا بحجم أكتوبر دفع الأدباء إلى الإحجام عن تناول الحرب أدبيا، ولهذا لم تخرج الروايات الأدبية عن أكتوبر بنفس قوة واحترافية أدب حرب الاستنزاف.


الفنان التشكيلى الدكتور أحمد نوار رئيس قطاع الفنون التشكيلية الأسبق يستدعى من الذاكرة أمرين فى شهر أكتوبر من كل عام، أولهما شعور بالفرح والسعادة لعمل بطولى نجح فيه الجيش المصرى فى إثبات إرادته واسترجاع أرضه بشكل أبهر العالم أجمع من بداية حرب الاستنزاف وصولاً لحرب أكتوبر.


الأمر الثانى شعور بالإحباط وخيبة الأمل من عدم استثمار الروح الأكتوبرية بالشكل الأمثل، بداية من عدم التوثيق بالشكل العلمى لكافة أحداث الحرب، فعلى مدى ٤ عقود متصلة لم يتم هذا التوثيق، عدم التوثيق الفنى والثقافى بكافة أشكاله لقصص وبطولات وشهادات الحرب، فالسينما اكتفت بعدد ضئيل إن لم يكن هزلى فهو متواضع ولا يرتقى للتعبير عن ملحمة حربية بحجم أكتوبر، وحتى الأفلام التسيجيلة فهى الأخرى لم تقدم تسجيلا وسردا لكافة الآراء والبطولات المصرية التى نفذت فى عمق سيناء لتلقى على مسامع أبنائنا وشبابنا.


الاحتفال بذكرى أكتوبر كما بيّن نوار ليس مجرد أغنية وطنية أو برنامج أو مانشيت، وإنما هو تذكره بقوة وإرادة الشعب المصرى الذى انتصر لوطنه واسترجع أرضه، يجب أن يقدم أبطال هذه الحرب وأسرهم لنعترف جميعا ببطولاتهم.


نوار يوجه مسؤولية توثيق ورصد أكتوبر للجميع بدءا من الدولة التى لم تقدم دورها فى توثيق وتسجيل كل ذرة فى الحرب، والمثقفين يحملون جزءا من المسؤولية فى توثيق الذكرى بكافة الأشكال الفنية روايات وقصصا وأشعارا وأفلاما سينمائية وتسجيلية ولوحات فنية.


ويضيف لابد أن نمتلك الإرادة والقوى لتوثيق حرب أكتوبر، فالتعامل مع الحرب بهذا الشكل أقرب للمهزلة عند مقارنتها مع الدول الأخرى، فحتى الآن لايزال هناك أعمال سينمائية تقدم عن الحرب العالمية الأولى والثانية، حتى إسرائيل ذاتها قدمت ٣ أعمال روائية عن الحروب التى خاضتها، فروح الانتصار هو الحصان الكسبان الذى تستغله أى دولة لرفع روح الوطنية والانتماء لدى شعبها.


«الشهيد»، «العبور» وغيرها من المعارض الفنية التى قدم فيها الفنان التشكيلى مشاركته ورؤيته عن أكتوبر، بالإضافة إلى فيلمه التسجيلى الذى قدم فيه مذكراته فى المشاركة بالحرب وتمت مراجعته من قبل وزارة الدفاع وأنتجه قطاع الأخبار، وفيلم آخر «١٣ دقيقة من العبور» سيعرض خلال الاحتفالات الأكتوبرية خلال هذا العام.


ويرفض نوار ما يردده البعض من تأثر المثقفين بمعاهدة كامب ديفيد وهو ما تسبب فى احجامهم عن أكتوبر، مؤكداً أن الإبداع الفنى لتسجيل قيمة انسانية بحجم بطولات حرب أكتوبر، ليست له علاقة بتوجه سياسى معين، فحرب أكتوبر عمل وطنى هام نتاج تضحيات آلاف المصريين تسجيله ورصده فى الأعمال الوطنية عمل وطنى وليس رفاهية، فالإحجام عن تسجيله لمجرد توجه سياسى معين يعد إهدارا وتشويها له.


 



آخر الأخبار