فؤاد أفندي عبد الملك .. أيقونة الثقافة الوطنية

07/10/2015 - 10:27:44

أسامة عفيفي - كاتب مصري

ويروي الجباخنجي: أن المعرض افتتح في 15 أبريل عام 1921، تحت رئاسة الأمير يوسف كمال "الفخرية"، وصاحبة السمو السلطاني الأميرة سميحة حسين


بينما رأس الصالون د. عزت شكري، وعضوية كامل غالى والدكتور سامي كمال "ناقد"، والمقاول المحب للفنون بول ألفريدنيس، ومحمود مختار، وتألفت لجنة التحكيم من: محمود مختار رئيسًا، وراغب عياد سكرتيرًا، وعضوية جابريل بيسي مدير مدرسة الفنون الجميلة، ومحمد حسن، وكامل راغب، وعثمان مرتضي الدسوقي، ويوسف كامل.


وبلغ عدد العارضين 55 فنانًا، منهم 32 مصريًا و23 من مختلف الجنسيات، واشتركت الأميرة سميحة حسين بتمثال لوالدها السلطان حسين، وتمثال نصفي لفتاة ريفية وماكيت لموضوع وطني!


واشترك من المثالين: محمود مختار، وعثمان مرتضى الدسوقي، وأنطون حجار، ومن المصورين: محمد حسن، ومحمد ناجي، وعلي الأهواني، ومن هواة الفن ـ العبارة للجباخنجي ـ: محمود سعيد، ومحمود فؤاد مرابط، ومصطفى مختار، وأيوب بشارة، ومحمد خيرت العمري، وطاهر العمري، وحافظ سعيد، ومحمد بهجت نديم، ومن السيدات الهاويات: زينب مبروك، وحرم محمود سري، والآنسات نفيسة أحمد عابدين، ونجف محمود مصطفى، وأمينة شفيق، وحرم حجازي بك.. ومن الأجانب: جون بونتيلا مدرس الرسم بمدرسة الفنون والزخارف، ويوسف بونيلو، وجابريل بيسي، والفنانة الإيطالية كازونا تودافورنو، ووليم ستيوارت مدير مدرسة الفنون والزخارف "12".


كانت أصداء المعرض الأول مدوية، فلقد بيعت أغلب مقتنياته، وانشغلت الصحف والمجلات المصرية بأخباره، وبشرت بميلاد حركة فنية جديدة، واحتلت أعمال الفنانين المصريين مكان الصدارة في كثير من الصحف السيارة، رغم وجود عارضين من الأمراء والأجانب.


 ونتيجة لنجاح "الصالون الأول" قررت الجمعية تنظيم الصالون الثاني، الذي افتتح في ربيع عام 1922 تحت رعاية الأميرة سميحة حسين، وأقيم كسابقه بدار الفنون والصنائع لصاحبها فؤاد عبد الملك، وقام بأعمال السكرتارية راغب عياد، واشترك في المعرض 27 فنانًا مصريًا منهم: محمود سعيد، ويوسف كمال، وراغب عياد، ومحمد ناجي، وأحمد صبري، وشفيق شاروبيم، والمثَّال يوسف طاهر، ومحمد أمين غالى العمري، ومصطفي مختار، ومحمد خيرت العمري، وزكي عبده، وراءول كساب، ومحمود إبراهيم، وحسن هدايت شيرازي، والأميرة سميحة حسين، وخديجة أبو العز، وعائدة كامل عوض، وجزيل خورشيد، ومدموازيل عيروط و15 فنانا أجنبيا منهم: فريدريك بزنو، وجابريل بيسي، وكولون، ويوسف بونيلو. ونجح الصالون الثاني أيضًا، وتناولته الصحف رغم الأجواء السياسية المشتعلة بين سعد زغلول وعدلي يكن.


واستمرت دار الفنون والصنائع وصاحبها فؤاد أفندي عبد الملك في دعم الفنون الوطنية، ودعم الفنانين الشبان، واحتدم الصراع السياسي وما صاحبه من ركود اقتصادي، وعدم استقرار اجتماعي في المرحلة الانتقالية بعد ثورة 1919، وفشل المفاوضات مع الإنجليز، والإحباط الذي ساد الشارع المصري بعد تحالف الإنجليز والملك وكبار الملاك، والذي أدي إلى تشكيل لجنة "الدستور" بعيدًا عن ثوار ثورة 19.
في هذه الأجواء أفلس فؤاد أفندي عبد الملك، وأغلقت أبواب دار الفنون والصنائع، وترنحت الجمعية المصرية للفنون الجميلة التي كانت تقودها طلائع الفنانين المصريين من أبناء الطبقة الوسطى، وكان آخر معارضه عام 1923، هو صالون التصوير الفوتوغرافي الأول الذي نظمته بعد ذلك جمعية محبي الفنون


وإزاء هذا الانهيار، طرح عبد الملك ومحمد حسن على الأمير يوسف كمال والثري محمد محمود خليل فكرة إنشاء جمعية محبي الفنون الجميلة. كانت فكرة فؤاد عبد الملك ومحمد حسن في ذلك الوقت أن الاستمرار في دعم الفنون هو الغاية، ولأن الرياح عاتية فلا بد من الاحتماء تحت مظلة الطبقة الحاكمة، لتسير سفينة الفنون.. لقد كانت خطوة تكتيكية فرضتها طبيعة تفكير الطبقة الوسطي التي غالبًا ما تنحني للعواصف. وبالفعل تأسست جمعية محبي الفنون الجميلة في 22 مايو عام 1923 لتحل محل دار الفنون والصنائع المصرية والجمعية المصرية للفنون الجميلة اللتين أنشأهما فؤاد عبد الملك، وهو الذي أسندت إليه سكرتارية الجمعية طوال حياته، كما شغل محمد محمود خليل رئيس الجمعية بعد وفاة الأمير يوسف كمال عام 1925 واستمر في رئاستها حتي عام 1953. وكان مجلس إدارتها مكونًا من محبي الفنون  الجميلة من الأجانب والعدد القليل من المصريين.


ورغم أن رشدي إسكندر وكمال الملاخ يؤكدان أن الرجل هو المؤسس الحقيقي لجمعية محبي الفنون الجميلة، لكن فؤاد عبد الملك اكتفي بدور السكرتير بعد هزيمة مشروع "الطبقة الوسطى الثقافي"، واستيلاء طبقة كبار الملاك علي مكاسب ثورة 1919، والذي تجلي في الحكومة الائتلافية التي فرضت على سعد زغلول رغم فوز "الوفد" بالأغلبية، مع عدلي يكن ثم محمد محمود، وهي الحكومة التي استمرت حتى إلغاء دستور 1923 بعد وفاة سعد زغلول، وانفراد الملك والإنجليز وطبقة كبار الملاك بالحكم.


لم يستمر الظلام كثيرا فنتيجة لافتتاح الجامعة الحكومية عام 1927 وإنشاء لجنة التأليف والترجمة والنشر وإصدار مجلة "الرسالة" وعودة المبعوثين المصريين من الخارج للتدريس بدلا من الأجانب في الجامعة المصرية، وظهور الاتجاهات الجديدة في الشعر والأغنية والمسرح والرواية بدأت مصر تشهد تدفقا ثقافيا مختلفا أعطى الطبقة الوسطى زادًا جديدًا دفعها لأن تثق في نفسها وقدرتها علي المواجهة، فخرجت من جديد تطالب بالجلاء والحرية، والديمقراطية وتمصير الإدارة الحكومية، والكفاح من جديد لتحقيق مشروع الحداثة، وتطوير مشروع "الثقافة الوطنية" الذي أوقفته الرجعية.


فى هذه الأأجواء تقدم فؤاد افندى عبد الملك عام 1933 لمحافظ القاهرة بمشروع انشاء متحف الشمع لتخليد الحضارة المصرية منذ نشأتها حتى العصر الحديث . كان عبد الملك يستهدف بالمتحف أن يبلور " الهوية المصرية " ولانه يعرف أن الاجانب  الذين كانوا يتحكمون في إدارة الفنون الحكومية لن يوافقوا علي مثل هذا المشروع، فقد قدمه للمحافظ على أن يتبع "البلدية"، وأغرى المحافظ بأن هذا المتحف سيكون ثالث متحف في العالم بعد متحفي لندن وباريس، وأن هذا الأمر سيعجب الجناب العالى ـ الملك ـ وبالفعل حصل عبد الملك على الموافقة، وبدأ عام 1933 تنفيذ الفكرة بسراي "تجران" بشارع إبراهيم، واختار مجموعة من شباب الفنانين آنذاك مثل: علي الديب، وعبد القادر رزق، ومصطفى نجيب، ومصطفى متولي، وحسين بيكار وصلاح طاهر، كما أسهم معه الفنان التركي المتمصر هدايت، ويوسف كامل، وعدد كبير من شباب الفنون الجميلة العليا والفنون التطبيقية.


    وافتتح المتحف عام 1934 ليحكي قصة الحضارة المصرية، وتحولات وتشكلات الهوية الوطنية، ولقد قام فؤاد عبد الملك بتدريب الكثير من الشبان علي صب الشمع الذي تعلمه في فرنسا وبريطانيا. وقسم متحفه إلى أقسام تعبر عن الحياة المصرية منذ عصر الدولة القديمة حتى العصر الحديث، مبرزًا أهم إنجازات الإنسان المصري، محتفيًا بالفلاح، والعامل، وأبناء البلد، والحياة الشعبية. وأضيف للمتحف الكثير من الأحداث تحت إشرافه مع تطور الحياة السياسية، وكان آخر ما أضافه قبل رحيله عام 1955 قسم ثورة يوليو، وحادثة دنشواي، والثورة العرابية.


لم يكتف عبد الملك بإنشاء المتحف وإدارته، بل حوله إلى خلية نحل لإنتاج شهد الفنون "الوطنية"، وأعاد تفعيل مفهومه للفن الذي تخلي عنه بعد انهيار مشروعه الوطني، فلقد كان يؤمن كما أسلفنا، أن الفن الحديث لا بد أن يرتبط بالفنون الوطنية، وهو المفهوم الذي سارت عكسه "جمعية محبي الفنون الجميلة" بإدارتها الأجنبية الأرستقراطية ومقلديها من المصريين، ولتفعيل "فكرته الوطنية" التي جاءت مواكبة لتطور الحركة الوطنية في الثلاثينيات والأربعينيات فيما بعد، أسس مراسم حرة للشباب الفنانين، كما يروي الدكتور مصطفي الرزاز، وكان يقودهم بنفسه في حواري القاهرة وأزقتها ليرسموا الحياة الشعبية ويبتكروا في الخامات والأصباغ، منها استخدام الخيامية وتطوير فن الباتيك، والرسم الحديث على الزجاج بالألوان التقليدية، وانتقل المتحف من سراي تجران إلى القصر العيني ثم إلى حلوان حيث مقره الآن.


    وظل المتحف يتبع البلدية إلى أن ساءت حالته، فقررت محافظة القاهرة في نهاية التسعينيات إهداءه إلى وزارة الثقافة لتطويره، ولكن للأسف ظل يتدهور حتي الآن، ليغيب وجهه "الوطني" المشرق، ويغيب اسم مؤسسه العظيم فؤاد عبد الملك من الذاكرة الوطنية.