«سرابيوم».. تراجيديا حرب أكتوبر

04/10/2015 - 1:44:03

سرابيوم .. محمود عرفات سرابيوم .. محمود عرفات

سعد القرش

    من فاتته المشاركة في حرب أكتوبر 1973، أو كان بعيدا عن محيط مدينة الإسماعيلية خلال الحرب وبعدها، ربما يقرأ كلمة «سرابيوم» فيظن في هذا العنوان نوعا من المراوغة، كأن يكون حاصل جمع كلمتي «سراب» «يوم». ولكن «سرابيوم» لا تحتمل هذه المراوغة، ولا تمتلك ترف المجاز، فهي حقيقة جغرافية، قرية في الإسماعيلية، بالقرب من قناة السويس، وفيها تدور أحداث هذه الرواية للكاتب المصري محمود عرفات، وتصدر يوم 15 أكتوبر 2015 في سلسلسة «روايات الهلال».


    ربما ينتهي القارئ من هذه الرواية، فيقول إن القضية أكبر من «سراب .. يوم» الحرب، وإنما هي سراب يؤرق من ضحوا بأنفسهم وعائلاتهم، ونجوا من قصف حصد زملاء لهم، وفاتهم الانضمام إلى سجل شهداء الحرب. حلموا بما بعد النصر العسكري واستيقظوا على كابوس كارثي في نهاية أيام الحرب، تنازلات مجانية، ثم بيع صريح لدماء الشهداء، وصفقات سياسية وتجارية مهينة، فلا تقوى ذاكرتهم على النسيان، ولا ضمائرهم على التحمل، فيكون الجنون مصيرا ينتظر «دسوقي» بطل هذه الرواية، وغيره من الجنود، وقود المعارك، الذين يقتلون في صمت، ولا يحظون بما يسطره المؤرخون.


    «دسوقي» اليتيم تطوع في القوات المسلحة، هربا من سوء معاملة زوج أمه له، وسرعان ما ذاق مرارة الهزيمة عام 1967، وكما كان الجيش ملاذا من إهانات زوج أمه، طلب الالتحاق بالجبهة ربما لتحصين نفسه من قسوة هزيمة ليس مسؤولا عنها، وأراد الإسهام في ما بعدها، حيث يعاد بناء القوات المسلحة على أسس جديدة، كجيش قتالي محترف. ويطلب الانتقال من المعسكر بالقاهرة إلى التشكيلات القتالية، ويجد نفسه في وحدة عسكرية تابعة للجيش الثاني الميداني في قرية «سرابيوم»، ويشارك في حرب الاستنزاف، ويعبر القناة ضمن قوات خاصة تغير على وحدات جيش العدو الإسرائيلي في سيناء. وفي «سرابيوم» يقابل حب عمره، «رئيفة»، ويصير واحدا من أسرتها، وتمنعه حرب 6 أكتوبر أن يكون معها وهي تستعد للوضع، ولكن الوضع لا يحدث والمولود يستحيل، «رئيفة» نفسها تختفي، تصير أسطورة يختلف بشأنها رواة يتفقون على خطف الجيش الإسرائيلي لها، بعد وقوع «الثغرة»، ونجاح جيش العدو في العبور العكسي إلى الضفة الغربية لقناة السويس، ونسف منازل القرية وقتل أهلها وتهجير ما تبقى منهم.


    وقائع عسكرية تكاد تتشابه في معظم الحروب، مع اختلاف طبائع الجغرافيا، وسيكولوجية عدو لا يتورع عن قتل رجال القرية وأطفالها، منهم أبو «رئيفة»، وشقيقها «منصور»، وابن خالتها «خالد». أما أخوها الصبي «متولي» فهو صوت مشارك في رواية الأحداث، وقد فاجأته الحرب، وهو يلهو، فغيرت قاموسه اللغوي، سمع وردد كلمات جديدة: الدانات والقناصة والصاعقة والمدفعية والدفاع الجوى والصواريخ، استبدل بها مفرداته اليومية، بعد اختلاط الأمور، فحين كان ينتظر قدوم العيد وفرحته وكعكه، فاجأته قوات العدو، وشوهت وعيه، وكسرت كبرياء أبيه، فأنضجته المأساة، وبدأ يتصرف كالكبار، ينهر الطفلين «منصور» و«خالد» لكي يكفا عن البكاء، ويتوسل إلى أمه العاجزة أن تجفف دموع خوفها على «رئيفة» التي اقترب موعد ولادتها.


    استهدفت الثغرة التخفيف من روع هزيمة إسرائيل في الأيام الأولى للحرب، وإثارة الغبار على إنجاز تاريخي، والإيهام بأن للعدو جنودا يقاتلون في إفريقيا، ونجحت في إحباط أهالي تلك المنطقة، ولكنها لم تتمكن من كسر إرادة مقاتلين أصروا على المقاومة، وراهنوا على النصر الكامل، ونسف الثغرة بمن فيها، لولا أن السياسة كانت قاصرة، ربما متواطئة، وهو ما يتأكد لبطل الرواية الذي كان مقاتلا ثم شعر بالغربة، وعدم القدرة على التوافق مع الحياة العسكرية بعد ما سمي بمعاهدة السلام، فآثر أن يحتفظ بنظافة سجله وضميره، وطلب التقاعد، ولكنه لم ينج من تاريخه العسكري الذي طارده، فلم يستطع إلا العيش في بيت «رئيفة»، وكان كل يوم يصعد إلى المصطبة ـ التي شيدها المهندسون العسكريون لكي تعتليها الدبابات والمدافع لقصف مواقع العدو ـ وعيناه شاخصتان إلى الشرق، إلى سيناء، يترقب الخطر الذي لا يأتي إلا من الشرق، وينتظر رجوع «رئيفة»، بصحبة ابنهما الذي اختار اسمه «إبراهيم الدسوقي».


    في رواية «سرابيوم» لا يستعرض مؤلفها محمود عرفات ـ الذي شارك في حرب أكتوبر كضابط احتياط فى أحد التشكيلات القتالية المدرعة بالجيش الثاني الميداني ـ معرفته بالتسليح وخطط المعارك، ولكنه ينسج عملا إنسانيا ذا شجون، سيحتفظ لنفسه بمكانة في «أدب الحرب» الذي يتصارع فيه السلاح مع أشواق الإنسان إلى الحرية.


    وللمؤلف روايتان، وثلاث مجموعات قصصية، نال عن إحداها «على شاطئ الجبل» جائزة الدولة التشجيعية فى الآداب عام 2005.