يوم مثل كل يوم

01/10/2015 - 9:50:10

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

على عتبة يوم جديد أزرع الريحان، وأتمنى ألا تقابلني أخبار لا أحبها، أهدهد النسمات بين راحتىّ أرجوها أن تكون رفيقة بنا، وأرنو للعصافير أهمس لها: احملي بين جناحيك ما يسعدنا، تعالي بالبشريات، يتسلل إلى أذني صوت فيروز، وتسافر إلى أنفي رائحة القهوة الصباحية، فأشعر بالانتعاش، على عتبة يوم جديد أتمنى أن تأتي ساعاته وكأنها تقدم اعتذارا عما حدث في أيام مضت، أنظر للسماء من فوقي، بدأ النور ينتشر، لست أدري لماذا ذكرني هذا بجدتي، آه يا جدتي الحبيبة كنت أراك تجلسين في مقعدك المحبب تمسكين بإبرتين طويلتين يبدأ الخيط بينهما صغيرا، يبدأ خطا، ثم يطول ويطول، ليصبح عدة خطوط ملتحمة تشكل مستطيلا يكبر ويكبر، تصنعين لنا كوفيات للشتاء وسترات لتدفئنا، كانت تحب اللون الأزرق السماوي، كلما زادت كمية النور في السماء  أستدعى هذا القدوم، جلسة جدتي وهي تحرك إبرتيها فيزداد طول الكوفية التي تصنعها.


****


كنت أستعد لاستقبال يوم جديد، أنظر إليه بحذر، وعشم في الوقت نفسه، الجو حار، والشمس تنظر إلينا مقطبة جبينها، أتصورها وقد وضعت يديها في وسطها تقول لنا أنا هنا وأروني ماذا ستفعلون، السيارات تسير في شوارع المدينة بعضها يؤكد أنه لم يصحُ من نومه بعد، وسيارات أخرى تسير بكامل نشاطها، الشوارع تتمطى بعد ليلة قضتها في نوم متقطع، والأشجار تمشط أوراقها وتتضرع أن يجيرها أحد بحمام بارد يزيل عنها ترابها، قطة تتثاءب هناك تبحث عن إفطارها، وكلب ضال يهز ذيله نفاقا لرجل وقف على محطة الحافلات وقد أمسك بيده شطيرة يتناولها، طفل صغير يمد يده بداخل السيارات من خلال نوافذها المفتوحة، يبحث عن من يشتري مناديله الورقية، وعربة فول هناك تقف على ركن الشارع يتحلق حولها رجال وشباب وقد احتضن كل منهم وجبته، قدرة الفول تلمع فوق العربة وكأنها صندوق الكنز الذي يقف مباهيا، وشاب في منتصف العمر يتقدم عربة خشبية ينادي بصوت لا يمت إلى الطرب بصلة، بيكيا، ترى أي أشياء قديمة يبيع؟ وأي الأشياء يشتري؟ هل لو عرض عليه أحدهم سنوات عمره على أنها من الأشياء القديمة سيشتريها؟ لو عرضت عليه إحداهن قلبها الذي أحب وأخلص ثم تم رفضه بعدما استنزفوه سيقبل؟ وكم سيكون الثمن؟ هل هذه أشياء يمكن أن نبيعها ونشتريها؟ لو فتشت عربته المتهالكة، هل سأجد عنده ضمير من سرق أو ارتشى؟ أين يبيعون ضمائرهم هؤلاء البشر؟ ومن يشتريها؟ وماذا يفعل بها؟ وهل للضمير قطع غيار؟ وهل للقلوب المكلومة قطع غيار؟


بداية عجيبة ليوم جديد، لكنني أفقت من تساؤلاتي على عراك بين سائق تاكسي وسائق سيارة، عراك عجيب، لماذا نترك العراك ليصبح هو أسلوب الحياة؟ لخطأ فينا نحن أم لخطأ في ظروفنا؟ لم ينتشلني من ضيقي إلا ابتسامة طفل صغير كان يجلس في السيارة التي تقف بجانبي، ابتسامة لونت اللحظة بألف لون وجعلت قلبي يرقص معها، ابتسامة أحسست منها أنه سيكون يوما جميلا مهما كانت المنغصات.


****


في المساء تعود إلى بيتك، فتعود إلى نفسك، تغلق ستائرك فتصبح بعيدا عن تلصص الآخرين، أنت طوال اليوم بين من لا تعرفهم مكشوف أمامهم مضطر للتواجد مع كثيرين لم تكن تخطط للقاء معهم، عندما تدير مفتاحك في ثقب الباب فأنت تغلق تطفل الآخرين، تدخل مملكتك أنت، حتى مراياك  لا تعكس إلا أنت، أي مرآة في الشارع أو في المصعد أو في أي مكان عام تعكس معك غيرك، هم لم يخططوا للظهور معك، أنت أيضا لم تقصد هذا، لكنه شىء مفروض عليكم، الآن لن تعكس مرآتك إلا أنت ومن اخترتهم لرحلة حياتك، أو من تم ظهورهم في حياتك بشكل قدري منظم، والداك وإخوتك وأبناؤك، هم أنت وأنت هم، إذاً أنت مع نفسك، نافذتك لا تفشي أسرارك لكنها تنقل إليك ما يحدث في الخارج، طرقات بيتك شرايين تتدفق فيها حياة اخترتها، لا شوارع تقذف بك إلى خطوات فرضت عليك، أخيرا أنت في مكانك تلتقط أنفاسك.