«بدير» يعيد الجمهور إلى المسرح “غيبـــــــــــــــــــوبة”.. تــؤرخ لمآسى وأوجــــاع الوطـــن..!

30/09/2015 - 1:10:44

محمد رمضان

«صوت الضمير» .. شهيد مسرحية «غيبوبة» لنجم الكوميديا المتألق أحمد بدير .. الذى نجح فى إعادة الجمهور إلى المسرح مرة أخرى بعد أن طال أمد الفراق بينهما، بدير بدأ تقديم مسرحيته أثناء موسم الصيف على خشبة مسرح بيرم التونسى بالإسكندرية ضارباً بالشائعات التى تطاردها عرض الحائط.. حيث تسبب قرار الفنان “فتوح أحمد” رئيس البيت الفنى للمسرح بإنهاء عرض مسرحية “باحلم يا مصر” الذى افتتح به المسرح القومى لاستكمال الاشتراطات الأمنية فى أن يشاع داخل كواليسه بأن فتوح يجامل صديقه بدير لكى يعرض مسرحيته “غيبوبة” بالمسرح العتيق.. إلا أن الأخير أصر على عرضها بالإسكندرية بعيداً عن حرب شائعات الأزبكية..!


ليفاجئ الجميع بتحقيق المسرحية إيرادات ضخمة خلال خمسة وأربعين يوماً بلغت أربعمائة ألف جنيه.. بما يعادل تكاليف إنتاجها..!!


تم افتتاح المسرحية بمسرح السلام بالقاهرة فى تانى أيام عيد الأضحى وفاجأ الكاتب الصحفى “حلمى النمنم” وزير الثقافة أبطال العرض والجمهور بحضوره تشجيعاً منه لهذا العرض الناجح مؤكداً بأنه يضع المسرح فى مقدمة اهتماماته خلال الفترة القادمة بتقديم أعمال مسرحية تخاطب وجدان الشارع المصرى وتعبر عن طموحاته وأحلامه.


المسرحية تدور أحداثها عن أول مصاب فى ثورة ٢٥ يناير حيث أصيب برصاصة فى مؤخرة رأسه تسببت فى دخوله فى غيبوبة لمدة عامين وتم وضعه على أجهزة التنفس الصناعى وإمداده بالمحاليل الطبية عوضاً عن تغذيته إلا أن إدارة المستشفى تقرر نزع هذه الأجهزة وإعلان وفاته خلال مؤتمر صحفى ليصبح أول شهيد للثورة ويتنازع داخل هذا المؤتمر على انتسابه إليهم جماعة الإخوان المسلمين وحركة ٦ إبريل والألتراس الأهلاوى ووايت نايتس الزملكاوى طمعاً منهم فى أن يحصل كل فريق منهم على حصيلة التبرعات التى تم جمعها لعلاجه إلا أن التقارير المضروبة لإدارة المستشفى تعلن بأنها أحضرت إليه وجبات ساخنة يومياً باثنين مليون جنيه وأن هذه التبرعات صرفت على علاجه..!!


المسرحية نجحت من خلال تقديمها للكوميديا السوداء أن تطرح هموم الشعب وأوهام التوريث بحوار ساخر ما بين “صوت الضمير” بداخلها متمثلاً فى الفنانة الشابة المتألقة ياسمين جمال التى تلعب دور الدكتورة المسئولة عن علاج «مريض الغيبوبة» والفنان الكبير أحمد بدير.. الذى فاجأ الجميع بعد إعلان المستشفى وفاته بأنه حى يرزق.. استطاعا بدير وياسمين أن يجذبا انتباه الجمهور منذ ظهورهما على خشبة المسرح بأدائهما المتميز وتناولهما لقضايا وأوجاع الشعب المصرى أثناء حكم الإخوان وانتخابات مرسى وموقعة الجمل فضلاً عن فقدان بطل العرض للذاكرة مما جعله رمزاً لكل المصريين الذين يحبون بلدهم بعيداً عن الشعارات والمصالح الشخصية كان تألق الفنان محمد الصاوى فى أدائه لدور مرشد جماعة الإخوان المسلمين داخل العرض من أهم الأدوار اللافتة لنظر الجمهور حيث تفوق الصاوى فى تقديم هذه الشخصية الإرهابية بخفة ظله فى الاستحواذ على إعجاب وتقدير الجمهور له وتناول من خلال أدائه السلس ادعاءات الإخوان الكاذبة وقتلهم لبعضهم البعض.. وتوزيعهم كراتين السلع الغذائىة على البسطاء لكسب أصواتهم فى الانتخابات وصولاً إلى كرسى الرئاسة والبرلمان.. المسرحية ترصد الواقع المصرى المرير منذ قيام ثورة ٢٥يناير التى دخل بعدها الشعب المصرى فى غيبوبة إلى أن جاءت لحظة الخلاص بثورة ٣٠ يونيه التى جعلت الشعب قادراً على تقرير مصيره من جديد.. من أهم مميزات هذا العرض أن بطله أحمد بدير لم يستأثر بالنجومية بمفرده بل قدم العديد من الوجوه الشابة ومن أبرزها الفنان الشاب أحمد الدمرداش الذى لعب باقتدار دور الصحفى المتلون الذى يأكل على كل الموائد ففى عهد الإخوان نجده يؤمن بأفكارهم ويروج لها وبعد اختطاف حركة ٦ إبريل للثورة نجده يساندهم ولكن بعد أن يحصل على الثمن مقدماً..!!


وبلا شك أن الدمرداش حاول أن يستفز الجمهور بتقديمه لهذا النموذج السيىء ممن يعملون داخل الحقل الإعلامى لكى يبعث إليهم برسالة أنه لابد من تحرى الدقة عند تلقى أية معلومة سواء مقروءة أو مرئية حتى لا يتم تضليلهم.


وفى المقابل لعب الممثل الواعد “محمد جمعة” دور زعيم حركة “٦ إبريل” الذى يحاول استقطاب بطل المسرحية له «مصاب الثورة» لكى يحصل من خلاله على التبرعات التى خصصت لعلاجه مردداً شعاراتها الرنانة وتطرقت المسرحية من خلال دوره إلى إبراز علاقة هذه الحركة بجمعيات حقوق الإنسان وتلقيها الأموال من الخارج.. ودخولهم فى مزايدات مع الإخوان على إطلاق اسم شهيد الثورة على جميع ميادين مصر فى حين أن الإخوان طالبوا بتغيير اسم مصر من جمهورية مصر العربية إلى جمهورية إسلام الإسلامية.!


بلا شك أن المؤلف محمود الطوخى أبدع فى كتابة هذا النص الذى حرص على تقديم كل فصيل سياسى بكل مفرداته وشعاراته السياسية الجوفاء.. فضلاً عن كونه تطرق إلى ظهور الألتراس الأهلاوى ووايت نايتس الزملكاوى على الساحة السياسية وتغليب المصالح الشخصية على مصلحة الدولة حيث قدم دور زعيم الألتراس الأهلاوى الفنان الشاب محمد عبدالعزيز الذى عبر عن جيل جديد من المشجعين المتعصبين وشاركه فى هذا التألق الفنان الشاب عمرو بهى الذى تزعم الوايت نايتس الزملكاوى إلا أن مشاركة الفنانة الصاعدة “نادية نجم” بالمسرحية أنبأت عن ميلاد نجمة استطاعت بتلقائية أدائها أن تقنع الجمهور بأنها حقوقية من الأمم المتحدة ترغب هى الأخرى فى الاستحواذ على رمز الثورة شهيدها الأول.


بينما كان لظهور الفنان المخضرم “محمد رضوان” حضور خاص لدى الجمهور حيث تناول فكرة أنه” لا صوت يعلو فوق صوت البلطجة «بعد قيام ثورة ٢٥ يناير وتطرق إلى سيادة اللجان الشعبية على مقدرات وأرواح المواطنين فى ظل الفراغ والغياب الأمنى، ولكن فى إطار كوميدى.. وقدم رضوان دور البلطجى خفيف الظل المتمكن من أدواته وإمكانياته فى إخضاع البعض لتحقيق رغباته.


فالمسرحية تعد بمثابة تاريخ لمأساة وطن أراد تصحيح مساره بثورة ٣٠ يونيه.


وفى الوقت نفسه أقنعت الفنانة “فاطمة الكاشف” الجميع بتميزها فى أداء دورها بالمسرحية حيث لعبت دور امرأة متسولة تدعى أنها زوجة” مصاب الثورة» لكى تحصل على معاش فى حالة وفاته وتطرقت إلى حيثيات وأسباب ادعائها باستعراضها لمشاكل أهل العشوائيات وأوجاعهم الطبقية والاجتماعية والصحية والنفسية إلى أن جاء المشهد الأخير بالعرض الذى تساقطت فيه الأقنعة بظهور السفيرة الأمريكية بالقاهرة التى جسدتها الفنانة إيمان الشرقاوى حيث ساومت مصاب الثورة على الوصول إلى كرسى الرئاسة فى مقابل أن يقدم لأمريكا فروض الولاء والطاعة وأن يمد خط مترو الأنفاق من القاهرة إلى تل أبيب إلا أنه يرفض هذا العرض ويتمسك بمبادئه وتتساقط الأقنعة عن عصابة الإخوان و٦ إبريل والنشطاء الحقوقيين بأنهم يتلقون المعونات والمساعدات والتمويلات الأجنبية.. فيوجه إليهم بدير بطل العرض الاتهام بأنهم خونة وعملاء.. بدون أدنى شك أن العرض به العديد من عناصر المتعة والإبهار إلا أنه يواجه بعض القصور فى الديكور حيث إنه يظهر بشكل متواضع جداً وتواجه أبطال العرض مشكلة فى أجهزة الصوت مما يجعل ظهورهم مجتمعين على المسرح يحدث خللاً فى أصواتهم فيشعر الجمهور بضجيج مما أدى إلى اعتماد الممثلين فى أداء أدوارهم على علو أصواتهم فأجهدت أحبالهم الصوتية. إلا أن البعض لاحظ فى بعض مشاهد العرض أن هناك نوعاً من المط والتطويل خاصة فى المشهد الذى يجمع بطل العرض والبلطجى.


إلا أن المخرج شادى سرور نجح فى عمل توليفة فنية استطاع من خلالها توظيف قدرات وإمكانيات كل ممثل لإتقان دوره مما جعل الجمهور يقبل العرض.. فضلاً عن تقديمه لبعض المشاهد الارتجالية لكى يطلع الجمهور على كيفية تقديمهم للمسرحية وجمع العرض ما بين السرد السينمائى لما نشرته الصحف والأداء المسرحى المتميز.


مما جعل العرض يحقق خلال يومى عرضه بالقاهرة إيرادات اقتربت من أربعين ألف جنيه ويرى الفنان القدير حلمى فودة مدير عام المسرح الحديث أن مسرح الدولة رغم تحقيقه لأعلى الإيرادات إلا أنه يهتم فى المقام الأول بأن يعود الجمهور إليه لكى يضىء جميع المسارح، وبالتالى يقلص حجم البطالة بين الفنانين الشباب الذين يقفون إلى جانب النجوم داخل عروض مسرح الدولة وهذا فى حد ذاته مكسب للمسرح وجمهوره.