الندية.. رسوخ القيمة.. الدور الإقليمى والدولى: العالم.. يذهب إلى رئيس مصر

30/09/2015 - 12:53:51

  السيسى لدى إلقائه خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء الاثنين السيسى لدى إلقائه خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء الاثنين

نعم.. قطع الرئيس “عبدالفتاح السيسى” المسافة من القاهرة إلى نيويورك يوم الخميس الماضى- أول أيام عيد الأضحى المبارك- بالطائرة، وعبر “المتوسط” ثم “الأطلنطى”، يا لها من مسافة.. لكن الحقيقة التى ظهرت بتدريج سريع بعد وصول الرئيس السيسى إلى أمريكا، أن زعماء وقادة وسياسيى العالم.. هم الذين كانوا ينتظرون لقاء الرئيس السيسى، اللقاءات التى انعقدت من الخميس الماضى وحتى كتابة هذه السطور- مساء الاثنين- أكبر فى عددها من جملة اللقاءات والقمم الثنائية التى يمكن لأى رئيس دولة أن يعقدها فى عام كامل.. انعقدت بين السيسى وهؤلاء الزعماء فى خمسة أيام وحسب..


ليس فى الأمر لغز، لقد استطاع السيسى عبر عام وبضعة أشهر قضاها إلى الآن رئيساً لمصر، أن يجعل من القاهرة مركزاً لأفكار قادة العالم السياسية، وتحركاته الاقتصادية والاستثمارية، لاسيما بعد افتتاح قناة السويس الجديدة.. استطاع السيسى أن ينجو بمصر من المصير الإقليمى المظلم الذى تواجهة الشقيقة سوريا الآن، والذى تتردى فيه العراق وليبيا واليمن.. هرول قادة العالم إلى السيسى يسألونه: ماذا نصنع لدحر هذه الموجة البربرية العاتية من الإرهاب.. هكذا لم تكن زيارة السيسى- التى كان عنوانها الرسمى المشاركة فى فعاليات الدورة الجديدة للأمم المتحدة، وقمة المناخ- مجرد زيارة ناجحة، إنها (مقياس) جديد للعلاقات المصرية- الدولية ترفع فيه مصر رأسها عالياً وتعيد صياغة دورها البارز الذى كان قد تآكل فى الأعوام الأربعين الماضية، وهى أيضاً لها (دلالات) قاطعة على نمو هذا الدور المصرى، بما يرشحه لمجالات جغرافية- سياسية أوسع كثيراً مما حُبس فيه هذا الدور لسنوات طولية.


قبل أن نتعرض لهذه الزيارة بالغة الأهمية للرئيس السيسى إلى نيويورك.. تستوقفنا زيارات ومواقف رؤسائنا السابقين إلى نفس هذه المدينة، التى لا تعد فقط مقراً للأمم المتحدة، بل عاصمة المال والأعمال فى العالم كله.. نتذكر حين قال السادات- قبيل دخوله فى العملية التفاوضية مع الدولة العبرية- إن “٩٩ فى المائة من أوراق اللعبة فى يد أمريكا” واللعبة التى كان يعنيها السادات هى الصراع العربى- الإسرائيلى، وقد كان السادات فيما يبدو أسيراً لهذه الفكرة، فكرة استحواذ أمريكا على (أوراق اللعبة) العربية الإسرائيلية، ولم يكن هذا سوى وهم كبير، تتبعه أوهام أخرى.. كتدمير علاقات مصر آنذاك مع الاتحاد السوفيتى والمعسكر الاشتراكى والارتماء فى أحضان الغرب والانفتاح الاقتصادى الذى تبنى فيه السادات أفكار الأمريكان الاقتصادية فأفضى ذلك إلى خراب اقتصادى مروع فى أواخر السبعينيات واستيلاء من لا يعدون على أصابع اليدين على ثروة مصر.. فضلاً عن انهيار علاقات مصر العربية لسنوات.. وهذا ما جنته مصر- السادات من نظرته الخاطئه التى تقول بأن ٩٩ فى المائة من أوراق اللعبة فى يد أمريكا..!


تعاطى السادات مع أمريكا- الذى أنطوى فى حقيقته على انبهار شخصى منه بالنموذج الأمريكى، وهو انبهار لم يكن فى محله على الإطلاق- استمر بصورة أخرى فى عهد مبارك.. لم يدرك الرئيس المخلوع الخطأ التاريخى الذى وقع فيه سلفه السادات، ولم يفهم أن يد أمريكا لا تملك سوى جزء من أوراق اللعبة وليس كل الأوراق.. وأدرك مبارك أن أمريكا هى التى ستدعم حكمه وتبقيه على الكرسى، طالما لعب دور (الوسيط) فى العلاقات العربية- الإسرائيلية، وطالما فتح أبواب الاقتصاد المصرى أمام استثماراتهم واستثمارات حلفائهم، وظن مبارك أن مفتاح (التوريث) لابنه جمال فى يد واشنطن، ،ذهب فى زيارته الأخيرة إلى واشنطن للقاء (أوباما) كمن يريد نيل (الرضا والسماح) من سيده الأمريكى لابنه الوريث..! تلك كانت علاقة مبارك مع رؤساء أمريكا، وهكذا سقطت (القاهرة) فى دائرة (التبعية) لواشنطن منذ منتصف السبعينيات وحتى العام ٢٠١١ حين تمت الإطاحة بالمعزول فى ثورة ٢٥ يناير المجيدة..!


كانت القاهرة فى الحقيقة بحاجة إلى ثورة شعبية كبرى تصحح المسار السياسى، فكانت ٣٠/٦ المجيدة، التى تكتلت فيها الإدارة السياسية لقطاعات كثيرة من المصريين وراء أهداف “الدولة المدنية” و“العدل الاجتماعى” و“الحرية” وأفرزت فى النهاية دستور ٢٠١٤ العظيم، وانتخاب السيسى رئيساً لمصر فى مايو ٢٠١٤ أيضاً.. هكذا اختار المصريون الرجل الذى يمثلهم والوثيقة التى تجسد حلمهم.. السيسى والدستور.. وهكذا تجسدت اللحظة التاريخية التى كانت مصر تنتظرها منذ ٩٥عاماً، اللحظة المناسبة للانطلاق.. فمصر ليست دولة قابعة داخل حدودها الجغرافية، مصر دولة لها دور حاسم فى التاريخ، وفى خرائط الجغرافيا.. لعبته منذ فجر التاريخ وستظل تلعبه، وحين تتوقف مصر عن لعب هذا الدور، يكون “العطب” قد أصابها ودخلت فى طور (اضمحلال) وهو ما حدث فى التاريخ لمرات متكررة، كان آخرها الفترة من ١٩٧٥ وحتى ٢٠١٣، إلى أن جاء السيسى، لتدور عجلة التاريخ مجدداً، ولينطلق الدور المصرى خارج حدوده المختلفة.. هذا ما ظهر بوضوح فى زيارة السيسى الأخيرة- والكبيرة- لنيويورك.


عدد كبير - حقاً - من رؤساء وزعماء ورؤساء حكومات دول العالم، التقاهم الرئيس عبدالفتاح السيسى فى زيارته لنيويورك.. حتى مساء الاثنين كان السيسى قد التقى بـ (أولاند) فرنسا، و(ميركل) ألمانيا، و(كولانداكتياروفيتش) كرواتيا، و(محمود عباس) فلسطين، وإبراهيم بوبكركتيا (مالى)، ورؤساء: صربيا، بنما، قبرص، تركمستان، روسيا البيضاء، أورجواي.. والتقى رؤساء وزراء : الهند.. وأيرلندا.. ولبنان.. وإثيوبيا.. فضلاً عن اجتماعيين بالغى الأهمية، أحدهما مع «كيسنجر» وزير الخارجية الأمريكى الأسبق وأشهر المفكرين والمحللين السياسيين الأمريكيين ومعه عدد من خبراء السياسة ومحترفيها فى أمريكا.. واللقاء الثانى مع (كلينتون) الرئيس الأمريكى الأسبق، فضلا عن اجتماع مع ممثلى كبريات الشركات الأمريكية .. هذا دون مبالغة أكبر عدد من رؤساء ورؤساء حكومات العالم يلتقى برئيس مصرى .. !


سألت «ميركل» السيسى : «قل لى ماذا نفعل؟ كيف نواجه الإرهاب ونزكى روح التسامح الدينى مجدداً؟ أريد أن أسمع كلامك وأستمع إلى نصائحك، سمعت منك فى «دافوس» وفى «برلين» وعرفت توقعاتك ورؤاك، التى أثبتت الأيام صد قها..» ! هذه العبارة التى وردت على لسان «ميركل» مستشارة ألمانيا.. تكشف لك - أيها القارىء الكريم - ذلك التحول الكبير فى موقف الغرب من مصر.. وهو جوهر ما نلمسه من زيارة الرئيس السيسى إلى نيويورك أخيرا، بعد ٣٠/٦ المجيدة، كانت دول غربية كثيرة - من أبرزها ألمانيا - تقف مصر. وضد ثورتها على (المحظورة) وتسمى تلك الثورة العظيمة : انقلاباً .. اليوم، نفس هذه الدول - ومن أبرزها ألمانيا أيضا - لا تعترف فقط بثورة ٣٠/٦، ولا تعترف فقط بدستور هذه الثورة، ولا تعترف فقط بأن المصريين انتخبوا الرئيس السيسى ، إنها - إلى ذلك - تعترف أيضا بدور مصر الإقليمى فى دحر الإرهاب، وتطلب من رئيسها المشورة.. والتنسيق لمواجهة هذا الإرهاب، الذى كانت تلك الدول - نفسها - تدعمه وتقويه من خلال دعمها لنظام «المحظورة» !


أما «نارنيدا مودى» رئيس وزراء الهند، فقد وصف علاقات بلاده مع مصر بـ «الاستراتيجية».. وقال إنه كان يتمنى لو أن الرئيس السيسى ، قد حضر قمة (الهند - افريقيا) ، لكن الرئيس السيسى اعتذر عن عدم حضورها كون الانتخابات البرلمانية ستكون دائرة فى مصر وقتها .. لكنه سيرسل - كما قال السيسى - وفدا رفيع المستوى وسيتابع القمة بنفسه .. (هل تذكرون صفقة السفينتين أو حاملتى الطائرات «ميسترال» اللتين حصلت عليها مصر مؤخرا من فرنسا .. وكيف أن روسيا التى كانت ستحصل عليهما قالت إن على فرنسا أن تبيعهما ؤما إلى مصر أو إلى الهند .. ؟ هذا الأمر ليس بعيداً عن اهتمام رئيس وزراء الهند أعلى سلطة فى بلاده بدعوة الرئيس السيسى لحضور قمة الهند - افريقيا)..!


لقاء السيسى مع المفكرين السياسيين الأمريكيين وعلى رأسهم «كيسنجر» ، ثم لقاؤه مع كبار رجال الأعمال الأمريكيين، لقد أدرك السياسيون الأمريكيون أهمية التقائهم بالسيسى ، وأن فى مصر الآن رئيساً مختلفاً، يريد علاقات وطيدة بين مصر وكل القوى العالمية ومن بينها واشنطن، وهذا أهم اختلاف بين القاهرة بالأمس والقاهرة اليوم، فالقاهرة بالأمس كانت تخطب ود واشنطن وتطلب «الرضا السامى» من ساستها، اليوم هى تتعاطى معها بندية.. بعد أن كسر السيسى احتكار واشنطن الطويل لتسليح الجيش المصرى، الذى صار متنوعاً للغاية، إنه يلتقى الساسة الأمريكيين بوصفه رئيس بلد (ند) لا رئيس بلد تابع لواشنطن..! وكذلك لقاؤه مع رجال الأعمال الأمريكيين، عقده السيسى مرفوع الرأس، انه يتكلم عن بلد لا يطلب احسانا، ولايتسوق الاستثمارات، لكنه يعرض «فرص الاستثمار» على أرضه، يعرضها على الأمريكان مثلما يعرضها على الروس أو الصينيين أو الفرنسيين..!


أما لقاء السيسى مع «ديسالين» رئيس وزراء اثيوبيا يوم الأحد.. فقد شهد وضع النقاط على الحروف.. إذ جدد السيسى مطالبة مصر لإثيوبيا بتنفيذ الإجراءات الفنية بإعلان مبادئ سد النهضة.. والذى تم توقيعه فى الخرطوم فى مارس الماضى ، بما يعكس الروح الايجابية التى بدأت منذ (إعلان مالابو) بين العواصم الثلاث : القاهرة والخرطوم وأديس أبابا.. ورد ديسالين على الرئيس السيسى بأن إثيوبيا ملتزمة بما تم الاتفاق عليه فى إعلام المبادىء.. وأن بلاده لن تغير التزامها .. لاحظ هنا أيضا أنه تم إقرار مبادرتين السبت الماضى بنيويورك : الأولى خاصة بـ «الطاقة المتجددة» فى أفريقيا، والثانية تخص تعبئة الجهود العالمية لدعم أنشطة التكيف فى القارة السمراء .


لقد التقى السيسى بزعماء ورؤساء ورؤساء وزارات دول العالم كله.. من حيث امتدادها الجغرافى .. وهذا لم يأت بالمصادفة، بل أتى عبر اهتمام هذا العالم بمصر الجديدة، التى أخذت ملامحها تتشكل فى عصر السيسى.


ألم نقل أن هذه القمة تصلح «مقياساً) جديدا للعلاقات المصرية الدولية، رفعت فيها مصر رأسها عاليا وأعادت صياغة دورها البارز الذى كان قد تآكل خلال الأعوام الأربعين الماضية؟ لقد خاض السيسى «معركة» لتثبيت دور مصر عالمياً كرأس سياسى لأفريقيا والشرق الأوسط. نقول (تثبيت) ولا نقول (إحراز)، فقد أحرزت مصر هذا الدور بالفعل فى الشهور الماضية، سواء بحربها الناجحة ضد الإرهاب، أو بمشروعها العالمى «قناة السويس الجديدة»، أو باستقرارها السياسى الداخلى واتجاهها المستمر نحو تأسيس الدولة الديمقراطية ، وينطلق السيسى نحو (تثبيت) هذا الدور، وقد نجح - بقوة - فى مهمته هذه فى نيويورك، التى تصلح مقياساً - كما قلنا - لزعامة مصر عربياً وإفريقيا، ومقياسا لنجاح أفكار مصر فى عصر الرئيس السيسى، والتى ترمى إلى أهداف قصيرة المدى (عضوية مصر فى مجلس الأمن على سبيل المثال..)، وأهداف طويلة المدي، كالعمل على استقرار الشرق الأوسط وتجقيق أهداف الثورة المصرية - الدولة المصرية، التى على رأسها التنمية والعدالة الاجتماعية والحرية .


هذا النجاح المصرى بقيادة السيسى فى نيويورك له أيضا (دلالات) لايمكن أن تخطئها عين.. مصر الآن تختلف كل الاختلاف عن مصر الأمس، إنها الآن دولة لديها مشروع.. له أبعاده الإقليمية والدولية، إنه مشروع يحظى بقبول عالمى.. إذ إن أبعاده تقوم على دحر الإرهاب - أولا - والتنمية الشاملة - ثانيا - ونشر العدل الاجتماعى ومكافحة الفقر والبطالة والأمية ثالثا - .. وهذه أبعاد اختارتها الأمة المصرية لنفسها يوم قامت بثورة ٢٥ يناير المجيدة ثم ثورة ٣٠ يونيه المجيدة، لكن الجديد أن العالم كله يمد يده إلى السيسى مشاركاً له ذات المشروع الوطنى، الذى جسده المصريون يوم اختاروا عبدالفتاح السيسى رئيساً لمصر..!